بريد القراء

منصات التواصل الاجتماعي وفقدان المصداقية!

لغط كثير تعرضه أغلب المنصات التفاعلية، سواء لمستخدمي المواقع الإلكترونية أو الناشطين على الهواتف الذكية، وأصبح المتلقون لهذا المحتوى ينقسمون بين مؤكد لما يُنشر سريعًا، والمتشكك والمنكر لما يتم تداوله من معلومات.


وليس تجنيًا أو افتراءً على أحد عندما نقول صراحة: إن منصات التواصل الاجتماعي تعاني منذ النشأة وحتى الآن من أزمة حادة في غياب المصداقية التامة، وتتحول تدريجيًا من وسيلة لربط العالم وما يدور في فلكه من أحداث وأخبار إلى مصدر رئيسي للتضليل والتزييف!


مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي لا يأتون على شاكلة واحدة، ولكن هناك الصالح والطالح منهم، فمنهم الذي يهتم كثيرًا باستقاء المعلومة دون افتراء أو تزييف أو تحريف لما يتوصل إليه، وقسم آخر يعتمد على فهمه المتواضع للقضايا، معتقدًا بأنه يستطيع أن يكون الناصح الأمين والإعلامي المثير الذي لديه القدرة على جمع كافة الخيوط وجعلها في نسيج واحد.


عندما ننتقد أسلوب أحد «المروجين» أو كما يسمون أنفسهم «بالمشاهير» في وسائل التواصل الاجتماعي، يُسحب علينا أن الخلاف شخصي، والحقيقة بحسب ما قاله الكاتب د. عبدالله الفايز في مقال نشره إلكترونيًا عبر إحدى الصحف الخليجية: «إن أخطر ما أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي هو أنها أعادت تعريف مفهوم «الخبير» في نظر جزء من المجتمع..

فعدد المتابعين أصبح عند البعض معيارًا للخبرة والشهرة، وعدد المشاهدات أصبح دليلًا على الأهمية، والقدرة على التحدث بثقة أمام الكاميرا أصبحت في بعض الأحيان أهم من المؤهلات العلمية والخبرة المهنية».


وأضاف: «هكذا ظهر نوع جديد من «المشاهير» الذين يستطيعون التأثير في آلاف أو ملايين الأشخاص من دون أن يكون لديهم بالضرورة علم أو تخصص أو مسؤولية مهنية تؤهلهم للحديث في القضايا التي يتناولونها».


على الجانب الآخر، أرى أن ثمة مسؤولية شخصية تُلقى ليس على صناع المحتوى هذه المرة، ولكن على المتلقي للمعلومات، والذي يتفاعل بعضهم بتلقائية دون وعي أو بصيرة، ويرسخون مقولة «انشر ولك الأجر»، ومثل هؤلاء المستخدمين لا يكلفون أنفسهم حتى قراءة ما يصلهم من مواد صوتية أو مرئية أو كتابية، ففي ثوانٍ معدودة يتم تحويل ما وصله إلى المجموعات التي يغرق نفسه بينها، أو يقوم بتحويل ما وصله إلى قائمة الأصدقاء دون وعي بما أرسله ومدى تأثير ذلك على الآخرين!
لهذا يُعرض الكثير من الناس خلال الفترات الماضية عن الدخول في المجموعات التفاعلية والاكتفاء بعدد محدود منها، حمايةً لنفسه من القلق أو الإزعاج أو أي سبب آخر.


بعض الذين ينشئون قنوات أو مجموعات في وسائل التواصل الاجتماعي يهتم كثيرًا بعقدة واحدة، وهي «أن يكون هو المشرف على المجموعة»، معتبرًا أن هذا المنصب بمثابة سلطة على الآخرين!
من الملاحظ أن بعض المجموعات في وسائل التواصل الاجتماعي يسيطر عليها الهواة والعامة، ويتخذون منها منصة لصناعة ونشر المحتوى دون الالتزام بالمعايير والأسس الصحيحة في تناول الموضوعات.


وبحسب ما تم رصده مؤخرًا، هو السلبيات التي أفرزها التقدم التقني، والذي كان من المفترض أن يجعل الإنسان أكثر معرفة ووعيًا واتصالًا بالعالم وما يحدث فيه من متغيرات، ولكن أصبحت التكنولوجيا تُستخدم بشكل عشوائي وغير منظم، مما زاد من حيرة الناس وأحدث حالة من الارتباك وتشتت المصداقية في نفوسهم.


كذلك هناك ملاحظة أخرى، وهي أن بعض المجموعات لا تهدأ ليلًا ولا نهارًا، وينتشر فيها سيل جارف من المعلومات الخاطئة في ثوانٍ معدودة قبل أن تتم مراجعتها أو التأكد من مصداقيتها وجدوى إرسالها للآخرين.


إذا كان الهدف من إنشاء وسائل التواصل الاجتماعي هو تقريب الناس من بعضهم، فمن الملاحظ أن هذا الهدف لم يتحقق بشكل واقعي، فهناك استخدامات أخرى لهذه التقنيات جعلت الناس تقترب أكثر من المعلومات غير الموثوق بها، ولا تقربهم إلى الحقيقة.


أعتقد أن منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة المجموعات «الواتسابية»، تحتاج إلى تفعيل بعض الأطر والقوانين التي تحمل القائمين عليها المسؤولية الكاملة فيما يُنشر من خلالها، وذلك بسبب تأثر بعض الفئات الأقل تعلمًا أو وعيًا بالمحتوى غير الموثوق على أنه حقيقة مطلقة.