حـزبـا أمـريـكـا وبـعـض فـروقـهـمـا
الأربعاء / 4 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:24 - الأربعاء 16 سبتمبر 2026 22:24
أن يـكـون الحـزبـان «الـجـمـهـوري» و«الـديـمـقـراطـي» قـد احـتـكـرا الـسـيـاسـة والـسـلـطـة فـي الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، مـنـذ مـا يـزيـد عـن مـائـة وسـبـعـيـن عـامـا؛ وظـلا يـمـتـحـان مـعـا مـن الـمـمـتـح الإيـديـولـوجـي (= اللـيـبـرالـي) عـيـنــه عـلـى أنـحـاء مـن الامـتـيـاح مـخـتـلـفـة؛ وأن يـكـونـا قـد تـحـركـا فـي البـيـئـة الاجـتـمـاعـيـة (= الـبـرجـوازيـة) عـيـنـهـا وعـبـرا عـنـهـا ومـثـلا مـصـالح فـئـاتـهـا وقـواهـا؛ وأن يـكـون الـفـرق بـيـنـهـمـا فـي الخـيـارات وفـي الأهـداف الـعـلـيـا والاستـراتـيـجـيـات قـد تـفـه بـحـيـث صـار أشـبـه بـفـرق الـعُـمـلـة كـمـا يـقـال... فـذلـك كـلـه مـن بـاب تـحـصـيـل الحـاصـل عـنـد مـن يُـدرك أحـوال الـسـيـاسـة والـمـنـافـسـة عـلى السـلـطـة فـي ولايـات أمـريـكـا الـمـتـحـدة.
مـع ذلـك تـعـلـمـنـا تـجـاربُ الـسـيـاسة أنـه مـا مـن تـطـابُـق فـي ميـدان الـسـيـاسـة يـمـكـن أن يـقـوم بـيـن فـريـقـيـن وإن كـانـا عـلى تـوافُـق بـيـنـهـمـا عـلى مـشـتـركـات وعـلى تـكـامُـل فـي الـمـواقـف.
ومـن الـحـق أن الـقـاعـدة هـذه صـالـحـة لأن نـمـيـز بـهـا بـيـن الحـزبـيـن بـعـض الـمـيـز الـذي تـبـيـن بـه الـفـروقُ بـيـنـهـمـا مـهـمـا بـدت طـفـيـفـة ورمـزيـة. بـل مـا مـن غُـلُـو فـي الـقـول إنـهـا قـاعـدة صـالـحـة حـتى للـتـمـيـيـز بـيـن تـيـار وتـيـار مـن الـتـيـارات الـسـيـاسـيـة الـتـي يـحـويـهـا كـل حـزب مـنـهـمـا، بـل كـل حـزب بـإطـلاق فـي مـجـتـمـعـات الأرض كـافـة.
مـن هـذه الـزاويـة مـن الـنـظـر إلـى ذيـنـك الجـسـمـيـن السـياسـيـيـن الـمـتـشـابـهـيـن، يـصـح أن نـقـول: إنـهـمـا إذا كـانـا قـد تـعـاورا عـلـى إنـجـاب السـيـاسـات الـعـلـيـا ذاتـهـا فـمـا حـادا عـنـهـا، يـومـا، يـصـح أن نـقـول - بالـمـوازاة -: إنـهـمـا قـدمـا طـريـقـتـيـن فـي إنـتـاج تـلك الـسـيـاسـة وإدارتـهـا مـن غـيـر أن نـتـجـاهـل، فـي الـوقـت عـيـنـه، أن تـيـنـك الـطـريـقـتـيــن كـثـيـرا مـا تـضـاربـتـا فـبـدا أمـرُهُـمـا وكـأنـهـمـا مـتـجـافـيـتـان، حـتـى أن إخـفـاقـات الـواحـدة مـنـهـمـا أفـضـت إلـى تـعـظيـم جـمـهـورهـا الـمـعـارض ومـكـنـت لـوزنـه الانـتـخـابـي أسـباب تـعـديـل الـكـفـة والـمـجـيء بـمـن يـكُـف أمـرهـا بـتـطـبـيـق طـريـقـة أخـرى... قـبـل أن يـصـيـبـهـا مـن الـعـثـار والـكـبـو مـا أصـاب غـريـمـتـهـا قـبـلا. لـنُـلـق نـظـرة عـلى هـذا الـتـعـاقُـب الـجـاري بـيـن سـيـاسـيـات الحـزبـيـن ووجـوه الاخـتـلاف والـتـبـايُـن بـيـنـهـا.
كـثـيـرا مـا بـدا فـوز «الـديـمـقـراطـيـيـن» فـي انـتـخـابـات الـرئـاسـة والـكـونـغـرس الأمـريـكـيـة مـحاولة منهم لـتـصحيـح مـسـارات خـاطـئـة سـارت فيها سـيـاسـات «الجـمـهـوريـيـن» فـي الـسـلـطـة، أو لاسـتـيـعـاب مـشـكـلات جـديـدة/مـسـتـجـدة خـلـفـتـهـا ولايـتـهـم... إلخ. جـرب «الـديـمـقـراطـيـون» تـرمـيـم صـورة الـولايـات الـمـتـحـدة فـي الـعـالـم بـعـد الـذي أصـابـهـا مـن شـروخ مـن وراء تـورطـهـا فـي الحـرب ضـد فـيـيـتـنـام الـشـمـالـيـة، مـنـذ الـعـام 1955 فـي عـهـد «جـمـهـوري» (أيـزنـهـاور) إلـى الـعـام 1973 فـي عـهـد «جـمـهـوري» آخـر (نـيـكـسـون).
كـان الـمدخـل إلـى ذلـك رعـايـة الـرئـيـس «الـديـمـقـراطـي» كـارتـر تـسـويـة سـيـاسـيـة للـصـراع الـعـربـي- الـصـهـيـونـي أسـفـرت عـن «مـعـاهـدة كـامـب ديـفـيـد» (1979) بـيـن مـصـر والكـيـان؛ وهـي الـتـسـويـة الـتي أفـادت الـولايـات الـمـتـحـدة فـي تـقـديـم نـفـسـهـا بـوصـفـهـا دولـة راعـيـة لـ «الـسـلام» فـي الـعـالـم.
حـاول ذلـك، أيـضـا، الـرئـيس «الـديـمـقـراطـي» بـيـل كـلـيـنـتـون عـلى صـعـيـد تـصـحـيـح الـسـيـاسـات اللـيـبـرالـيـة الـمـتـوحـشـة فـي عـهـديـن «جـمـهـوريـيـن» سـابـقـيـن (رونـالـد ريـغـان وجـورج بـوش الأب) بـسـيـاسـات لـيـبـرالـيـة اجـتـمـاعـيـة، وبإجـراءات للانـتـقـال بـاتـفـاق الـحـكـم الـذاتـي الـفـلـسـطـيـنـي- الـصـهـيـونـي مـن مـفـاوضـات الـمـرحـلة الانـتـقـالـيـة (1993- 2000) إلـى مـفـاوضـات الـوضـع الـنـهـائـي (يـولـيـو 2000) فـي «كـامـب ديفـيـد الـثـانـيـة».
كـذلك فـعـل «الـديـمـقـراطـي» بـاراك أوبـامـا حـيـن قـطـع الـطـريـق عـلى الخـيـار الـعـسـكـري لـحـسـم مـوضـوع الـبـرنـامـج النـووي الإيرانـي، وجـنـح للـتـفـاوض وصـولا إلـى إنـتـاج اتـفـاق الـعـام 2015.
في المـقـابـل، بـدا كـمـا لـو أن «الجـمـهـوريـيـن» يـدمـرون مـا بـنـاهُ «الـديـمـقـراطـيـون»! فـهـذا رونـالـد ريـغـان يـرعـى الـغـزو الـصـهـيـونـي للـبـنـان (1982) واقـتـلاع مـنـظـمـة الـتـحـريـر مـنـه (مـشـروع فـيـلـيـب حـبـيـب)؛ وهـذا جـورج بـوش الأب يـطـلـق الحـرب عـلى الـعـراق فـي الـعـام 1991 فـي مـا عُـرف بـاسـم «عـاصـفـة الـصـحـراء»، ويُـطـبـق الحـصـار عـلـيـه: فـيمـا رعـيـا مـعـا (ريـغـان وبـوش) سـيـاسـة لـيـبـرالـيـة مـتـوحـشـة في أمـريـكـا والعـالـم.
وهـذا جـورج بـوش الابـن يـغـزو الـعـراق وأفـغـانـستـان، ويـصـفـي قـضـيـة فـلـسـطـيـن والحـكـم الـذاتـي الانـتـقـالـي بـالـتـعـاون مـع أريـيـل شـارون وبـنـيـامـيـن نـتـنـيـاهـو، ثـم تـقـود سـيـاسـاتُـه الاقـتـصـاديـة أمـريـكـا والـعـالـم إلـى ثـانـي أضـخـم أزمـة مـالـيـة عـالـمـيـة (فـي 2008) بـعـد أزمـة الـعـام 1929. ثـم هـا هـو دونـالـد تـرامـب يـفـتـتـح عـهـده الأول بالانـسـحـاب مـن الاتـفـاق الـنـووي الـدولـي مـع إيـران، ويـفـتـتـح عـهـده الـثـانـي بـإطـلاق يـد «إسـرائـيـل» فـي غـزة بـعـد تـقـيـيـدهـا فـي عـهـد أوبـامـا، وبـحـرب مـديـدة عـلى إيـران.
لـيـس فـي مـا ذهـبـنـا إلـيـه مـن بـيـان الـفـروق بـيـن الحـزبـيـن أي تـلـمـيـع مـن جـانـبـنـا لـصـورة «الحـزب الـديـمـقـراطـي» ولا أي تـصـديـق عـلى صـواب سـيـاسـاتـه؛ فـهـو سـي لـ «الحـزب الجـمـهـوري» وضـهـي لـه وإن كـان نـسـخـة أخـرى مـعـدلـة.
بـل لـيـس لـعـاقـل أن يـعـول عـلى أي مـنـهـمـا ويـنـتـظـر مـنـه أفـقـا جـديـدا يُـفـتـح لـقـيـام نـظـام حـقـيـقـي للـسـلـم والـتـعـاون فـي الـعـالـم. مـع ذلـك، بـيـن الحـزبـيـن مـسـاحـات - وإن كـانـت ضـيـقـة - للـتـمـايُـز يـقـمـن بـكـل ذي وعـي سـيـاسـي أن يـنـتـبـه إلـيـهـا. يُـمـعـن «الحـزب الجـمـهـوري» فـي الانـغـلاق عـلى فـكـرة أمـريـكـا الـمحـافـظـة عـلى هـويـتـهـا مـن الـتـغـيـيـر، ويـسـتـمـر فـي الـدفـاع عـن مـصـالـح الأمـريـكـيـيـن مـن أصـول أوروبـيـة، فـي الـمـقـام الأول، بـوصـفـهـم ضـمـانـة أمـريكـا للـحـفـاظ عـلى هـويـتـهـا.
لـذلك، لا يـشـهـد الحـزب عـلى ديـنـامـيـة داخـلـيـة فيـه تـحـدُث بـمـقـتـضـاهـا تـغـيـيـرات في الأفـكـار والأهـداف والخـيـارات.
الـديـنـامـيـةُ الـوحـيدة الـتي شـهـد علـيهـا، مـنـذ مـطـلـع ثـمـانيـنـيـات الـقـرن الـمـاضي، إبـان ولايـة رونـالـد ريـغـان الأولـى، هـي الـتـي تـجـلـت فـي تـعـاظُـم مـنـحـاهُ الـيـمـيـنـي الـمـحـافظ وصـولا إلـى إنـجـاب تـيـار «الـمـحـافـظـيـن الـجُـدد» الـذيـن حـكـمـوا الـبـلاد، فـي عـهـد جـورج بـوش الابـن (ديـك تـشـيـنـي، دونـالـد رامسـفـيـلـد، ريـتـشـارد پـيـرل، بـول وولـفـوفـيـتـز، جـون بـولـتـون...)، والـذي هـيـأ الـتـربـة الخـصـبـة لـنـشـوء تـيـار تـال - حـمـل دونـالـد تـرامـب إلـى السـلـطـة - هـو تـيـار «مـاغـا» اليـمـيـنـي الـمـتـطـرف...
يـخـتـلـف الأمـر، قـلـيـلا، فـي حـالـة «الحـزب الـديـمـقـراطـي»؛ حـيـث الحـضـورُ الـقـوي للأقـلـيـات الـعـرقـيـة والـديـنـيـة والأقـوامـيـة فـيـه وللـمـهـاجـريـن مـن أصـول غـيـر أوروبـيـة يـولـد حـالا مـن الـحـراك الاجـتـمـاعـي والـسـيـاسـي عـلى قـدر مـن الـحـيـويـة لا يـعـرفـه «الحـزب الجـمـهـوري».
هـذا مـا يـفـسـر لـمـاذا تُـجـبـر سـيـاسـاتُ نـخـب «الـديـمـقـراطـي» عـلى سـلـوك خـط الاعـتـدال مـقـارنـة بـنـظيـرتـهـا لـدى غـريـمـه، ولـمـاذا تـنـمـو بـيـن جـدرانـه حـركـاتُ الـتـضـامـن مـع شـعـوب أخـرى فـي الـعـالـم. ولـيـس أدل عـلى ذلـك مـمـا بـدأ يـشـهـد عـلـيـه، فـي الـفـتـرة الأخـيـرة، مـن تـغـيـيـر مـلـحـوظ فـي مـوقـف الـتـأيـيـد للـكـيـان الـصـهـيـونـي وحـروبـه وجـرائـمـه، وانـقـلاب ذلك إلـى تـأيـيـد مـتـزايـد لـكـفـاح الـشـعـب الـفـلـسـطـيـني مـن أجـل نـيـل حـقـوقـه الـوطـنـيـة.