العرب والعالم

هل تشكل الصين قوة سيبرانية لـ"خوض حروب عصرية" وتهديد خطير على أمريكا؟

 

واشنطن 'د.ب.أ': تركز الاهتمام الدولي في العام الماضي على استخدام الصين لاحتياطياتها الضخمة من معادن الأرض النادرة اللازمة لأغلب الصناعات المتقدمة بدءا من الرقائق الإلكترونية وحتى السيارات الكهربائية، كورقة في مفاوضاتها التجارية سواء مع الولايات المتحدة أو مع الاتحاد الأوروبي.

هذا التركيز شتت الاهتمام عن جانب آخر لما يمكن أن تمثله الصين من خطورة على الغرب بشكل خاص، بفضل قدرتها على استخدام تفوقها التكنولوجي لايجاد نقاط اختناق رقمية على غرار نقاط الاختناق الفعلية الممثلة في مضايق هرمز وباب المندب في الشرق الأوسط، وملقا وتايوان في آسيا والمحيط الهاديء.


وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قالت آن نيوبرجر نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي خلال الفترة من 2021 إلى 2025 والزميل الباحث في جامعة ستانفورد، إنه كما كان لإغلاق إيران لمضيق هرمز أثر يصعب تجاوزه، على حركة التجارة والاقتصاد العالميين، فإن اختراق الصين للشبكات الحيوية في الولايات المتحدة كما حدث خلال العام الماضي، قد يتسبب في انقطاع التيار الكهربائي، أو جعل المياه غير صالحة للشرب، أو تأخير التعبئة العسكرية.


وقد تجلت بوضوح هشاشة البنية التحتية الحيوية الأمريكية خلال الصيف الحالي عندما اخترق قراصنة إيرانيون مرافق المياه في عدة ولايات أمريكية، ما دفع إحدى المقاطعات إلى توجيه السكان بغلي الماء قبل استخدامه لضمان نقائه. كما أن حلفاء الولايات المتحدة معرضون للخطر أيضاً. لقد اخترق قراصنة مستشفيات في تايوان، وشبكات كهرباء في الهند، وشبكات اتصالات في سنغافورة.


وكما أوضحت نيوبرجر في مقالٍ آخر نُشر بمجلة 'فورين أفيرز' العام الماضي، فهناك تباين جوهري بين النهج الصيني في الدفاع السيبراني والنهج الأمريكي. فالقوانين والقيم الأمريكية تمنع الحكومة الأمريكية من مراقبة الاتصالات الخاصة والشبكات الوطنية الحيوية بالطريقة التي تستخدمها الحكومة الصينية. فبكين، تستخدم سلسلة من جدران الحماية الرقمية التي -إضافة إلى مراقبة الشعب- تحمي الشبكات الصينية من محاولات الاختراق الأمريكية.


-حماية البنية التحتية الحيوية-
كما أن البنية التحتية الحيوية في الصين مركزية وتخضع لسيطرة الدولة، لكنها في الولايات المتحدة مملوكة وخاضعة لمجموعة متنوعة من الجهات الخاصة ذات مستويات متفاوتة من القدرات الدفاعية السيبرانية.

لذلك، تستطيع الصين استخدام الأسلحة السيبرانية ضد الولايات المتحدة وحلفائها وهي واثقة في قدرتها على الصمود أمام أي هجوم سيبراني مضاد.
ومن المرجح أن يفاقم التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي هذا التباين، خاصة وأنها تعزز قدرات القراصنة والهجمات السيبرانية أكثر مما تفيد أدوات التصدي لهذه الهجمات. ولأن الذكاء الاصطناعي قد يفيد الصين بدرجة أكبر، فعلى الولايات المتحدة استخدام هذه التكنولوجيا لتحسين دفاعاتها السيبرانية.


وقبل عام، كان استخدام الذكاء الاصطناعي لحماية البنية التحتية الحيوية على نطاق واسع ممكنا من الناحية النظرية فقط، في حين أصبح اليوم ممكنا من الناحية العملية، إذ ساهمت التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي في خفض تكاليف تأمين البنية التحتية الحيوية الأمريكية.


وتقول نيوبرجر إنه للقضاء على نقاط التفوق التي تسيطر عليها بكين قبل أن تحولها إلى سلاح، يتعين على واشنطن ومختبرات الذكاء الاصطناعي ومشغلي البنية التحتية إجراء اختبارات تحمل ضغوط للأنظمة الحيوية، مثل محطات الطاقة وشبكات الكهرباء التي تُغذي المدن الكبرى أو القواعد العسكرية، باستخدام أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي. ومن شأن تلك الاختبارات أن تكشف عن نقاط الضعف الأمريكية المتراكمة على مدى عقود، وتقدم دليلا لكيفية معالجتها. وبدون مثل هذا الفهم، ستظل قدرات الولايات في الحرب السيبرانية تتراجع أمام الصين.


ومع تحديث شركات المرافق الأمريكية، تم ربط تجهيزاتها القديمة بشبكات الكمبيوتر وخدمات الحوسبة السحابية للمراقبة عن بعد، مما أتاح فرصًا هائلة للمخترقين. فقبل ظهور الإنترنت، كان على عناصر التخريب زرع متفجرات لتدمير خط أنابيب غاز. أما اليوم، فقد تتمكن هذه العناصر من إغلاقه وإخراجه من الخدمة عن طريق اختراق جهاز توجيه إلكتروني موجود في مكتب شركة. ومما يزيد الأمر سوءًا، لم تكن شركات المرافق الأمريكية حتى وقت قريب، ملزمة بتعزيز أمنها السيبراني.


ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت الهجمات الإلكترونية أشد خطورة. واعترفت شركتا تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأمريكية أوبن أيه.آي وأنثروبيك بأن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورانها اخترقت بالفعل شركات أخرى دون توجيه بشري. وقد تصعب نماذج الذكاء الاصطناعي المارقة ردع الهجمات الإلكترونية المدعومة من الدول، لأنه يمنح المعتدي إمكانية الإنكار المعقول. إذا لم تكن الدولة المستهدفة متأكدة من أن الهجوم كان موجها من قبل طرف معاد، أو حتى متعمدا، فقد تتردد في الرد على الهجوم.

علاوة على ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى حماية نفسها من احتمال قيام ذكاء اصطناعي من شركة أمريكية، من تلقاء نفسه، بمهاجمة بنيتها التحتية.
- تغيير أسلوب الرقابة والتقييم-
وبحسب آن نيوبرجر فإن واشنطن تمتلك الآن التكنولوجيا اللازمة لحماية أنظمتها الحيوية، لكن عليها التغلب على العقبات التي تحول دون استخدامها، بما في ذلك الطبيعة اللامركزية للبنية التحتية الأمريكية، وطريقة تحديد المسؤولية القانونية، والتكلفة العالية لترقية الأمن السيبراني، الذي عانى عقودا من نقص الاستثمار.


في جميع أنحاء الولايات المتحدة، هناك أكثر من 4500 شركة مياه عامة، و3000 شركة كهرباء وآلاف من مشغلي خطوط الأنابيب والاتصالات المستقلة. وتتردد الشركات الخاصة والبلديات التي تدير معظم هذه الكيانات في تقديم تفاصيل شبكاتها لأن اكتشاف خلل أو ثغرة أمنية فيها يمكن أن يعرضها لغرامات حكومية أو دعاوى قضائية بداعي الإهمال. ولكن بدون هذه البيانات والتفاصيل، لا يمكن لأنظمة الحماية السيبرانية أن تعمل بصورة فعالة.


كما يتعين على الحكومة الأمريكية تغيير أسلوبها في الرقابة والتقييم. فهي اليوم تقيم شركات المرافق بناء على امتثالها للمعايير القانونية التي غالبا ما تكون متخلفة عن التطور في مجال القرصنة. لذا الطريقة الأمثل هي تقييم مشغلي المرافق بناء على الوقت الذي يستغرقونه لاحتواء هجوم إلكتروني. بل ينبغي إلزام هؤلاء المشغلين، على سبيل المثال، بإثبات قدرتهم على عزل الهجوم السيبراني خلال فترة زمنية معقولة، من خلال عمليات محاكاة رقمية.


ورغم أهمية هذه الجهود الحكومية، فإنها سوف تستغرق وقتا حتى تؤتي ثمارها، وحتى ذلك الوقت ينبغي للقطاعات الأكثر عرضة لخطر استغلال نقاط الضعف الرقمية، كالمستشفيات والبنوك، التعاون للضغط على مورديها لاستخدام الذكاء الاصطناعي لسد الثغرات في أمنها السيبراني.

ومن خلال التنسيق عبر مراكز تحليل تبادل المعلومات - وهي منظمات تعمل كجهة رقابية محلية لقطاع معين وتوفر حماية قانونية محددة - يمكن للشركات الضغط لتحسين وسائل الحماية السيبرانية عبر الطرق التعاقدية.
أخيرا فإن تطورات الذكاء الاصطناعي تتيح للولايات المتحدة وحلفائها أول فرصة حقيقية منذ سنوات عديدة للحاق بالصين في مجال الأمن السيبراني. فتقنيات رسم خرائط الأنظمة الأمريكية والحليفة الحيوية وحمايتها تتطور بوتيرة أسرع من المتوقع.

ولن يكون المقياس الحقيقي لمرونة الولايات المتحدة في مواجهة القدرات الرقمية الصينية هو القدرة المطلقة لنماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية، بل مدى استعداد المؤسسات الأمريكية لاستخدام هذه القدرة قبل أن يتمكن الخصم من إحداث اضطراب كبير في حياة الأمريكيين.