أعمدة

البقاء للأدب.. مغامرة غير مألوفة

رغم أن الدكتور سعد صبّار السامرائي اختار أن يكون تخصّصه الأكاديمي هو دراسة علم البيولوجيا، لكن شغفه بالأدب جعله يتوصّل لخلاصة وضعها عنوانا لكتابه «البقاء للأدب: بيولوجيا الحكايات» الصادر عن دار عرب للنشر والترجمة، وكأنّه يريد أن يقرّ بقيمة الأدب، ودوره في تقدّم المجتمع الإنساني، إلى جانب العلم، دون التفريط بالبيولوجيا، التي ترفع «أفق المعرفة»، كما أقرّ في السطور الأخيرة من كتابه، حين يقول مستدركا بعد رحلة معرفيّة قرأ خلالها ٣٠ رواية عالمية، وترجم عشرات الأبحاث العلمية: «وإنْ عبَّر الأدب عن دهشة الإنسان أمام الكون،

فإنَّ البيولوجيا تُضفي على تلك الدهشة أفقا معرفيّا، فتجمع بين الحسِّ الفلسفي والعقل العلمي، وتُقرِّبنا من جوهر الإنسان، الذي يظلُّ مركز كل حياة وكل إبداع».

وفي كتابه الذي يتألّف من (241) صفحة من القطع المتوسط، يتتبّع الخيط الخفي «المنبثق من طبيعتنا الأساسية بوضوح في أدبنا وفنوننا وحكاياتنا المتوارثة جيلا بعد جيل.

تعبِّر هذه الحكايات عن عوالمنا الفردية، وتشكِّل في آنٍ واحدٍ شهادة حيَّة على وحدة إنسانيتنا الكامنة»، ويذكر أهمية الوعي بالبيولوجيا التطوُّرية باعتبارها خريطة يستعين بها السائر في دروب المجهول، كما نبَّه علماء النفس التطوُّري، ويجد أن هذا القول ينطبق أيضا «على دارس الأدب الذي قد يضلُّ في دهاليز النصوص ما لم تكن لديه هذه الخريطة الأولية.

وقد عبَّر ويليام فوكنر عن فكرة قريبة حين قال: الماضي لا يموت، بل يطاردنا حتى النهاية».

يهدي د. سعد صبّار السامرائي، الأستاذ المساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق، كتابه إلى الكاتب الكندي ألبرتو مانغويل، الذي يلقّب بـ«الرجل المكتبة»، كونه وضع كتبا في فعل القراءة، وعلاقة القارئ بالنص، وله جهود في علوم المكتبات وتاريخها،

وكان قد التقى به في النادي الثقافي عندما زار (مسقط) ضيفا على حفل ختام الدورة الثانية لجائزة بيت الغشّام - دار عرب الدولية للترجمة، ويوضّح المؤلف سبب إهدائه الكتاب لأنّ مانغويل «جعل من القراءة حياة ثانية، ومن الحكايات كائناتٍ تتنفّس بين الصفحات، تتناسل، وتتطوَّر، وتواصل بقاءها في ذاكرة القُرَّاء»، بعد ذلك تبدأ فصول الكتاب الستة، ومن يطالع عناوينها يظنّ أنه يقرأ كتابا علميّا، لكن حين يتوغّل في صفحاته، سيفاجأ بصفحات مكتوبة بأسلوب سردي آسر،

ومعلومات قد تكون غير معروفة للقارئ العربي، فالسامرائي توصّل إليها من قراءاته لكتب منشورة باللغة الإنجليزية، وهذه العناوين هي: في البدء كانت الحكايات، والغيرة الجنسية تحت مجهر البيولوجيا، والاختيار الأنثوي -حكمة الطبيعة ومنطق البقاء، وبيولوجيا الجمال- الاختيار بين القديسة والعاهرة، وغناء الواقواق - تشريح الخيانة، والفصل السادس الأخير حمل عنوانا طريفا هو «بين الثعالب والقنافذ»، ويستقي هذا العنوان من نصيحة للكاتب الأمريكي راي برادبيري يوجّهها للكتّاب الشباب، وهي: «اركض بسرعة، ثم قِفْ ساكنا. هذا أحد الدروس التي يتعلمها الكُتَّاب من السحالي.

بإمكانك ملاحظة ذلك لدى أي مخلوق يكافح للبقاء على قيد الحياة، فكلها تتقافز وتركض، ثم تتجمد في مكانها كالحجارة»، ويحلّل السامرائي هذه المقولة التي وإن بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها، كما يقول، تتضمّن «حكمة دقيقة تصلح لكل من اختار القلم سبيلا، وجعل الكلمة ميدانا لصراعه مع الفكر والخيال.

فليس الأدب إلا ركضا بين العوالم، وسكونا أمام الحقيقة، وتأملا في جوهر الأشياء حتى تنكشف أسرارها، وقد تعلمتُ، كما يتعلم الكُتَّاب، أن أتأنى في الكتابة كما تفعل السحالي حين تختبئ بين الصخور، فلا تلقي بنفسها إلى قارعة الطريق إلا إذا أدركت موضع خطاها»، ليتوصّل إلى نتيجة مفادها: «هكذا يكون الكاتب، يركض مع الأفكار حين تجيء كالسيل الجارف،

لكنه يقف متأملا حين يحتاج إلى تمحيصها، ليرى أيها يستحق البقاء وأيها سيتلاشى كزَبَد البحر»، وهكذا يجري السامرائي مع الأفكار، ويجري معه القارئ في رحلته الممتعة،

وخلال ذلك يتبادر سؤال هو: هل يمكن اعتبار هذا الكتاب كتابا في النقد الأدبي، كما صنّفته دار النشر في صفحة المعلومات؟ أم تأمّلات في الكتابة؟ أم مقالات؟ وبعد قراءتنا له توصّلنا إلى أنه كل ذلك، فلو أسلمنا أنه كتاب في النقد الأدبي، سنتّفق مع دار النشر التي كتبت على الغلاف الأخير أنه «ليس كتابا في النقد التقليدي، بل مغامرة فكرية تمتد من تشريح الخيانة إلى حكمة الطبيعة، ومن عطيل إلى الخبز الحافي، لتطرح في النهاية سؤالا غير مألوف: ما الذي تعلّمنا إيّاه الحياة عن الأدب؟»، وهو تأمّلات في الكتابة ومقالات في الأدب وقراءة الحكايات من زاوية علمية بيولوجية.