ربما الفن ينقذنا
الأربعاء / 4 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:57 - الأربعاء 16 سبتمبر 2026 19:57
عاش الإنسان في وادٍ من الواقعية المؤلمة. تتهشم أمانيه وطموحاته أمام مخاوف اليومي. منذ حاصرت الوحوش الإنسان الأول داخل الكهف، وحتى حاصرته الديون والأقساط. لا فرق بين ارتداء قطعة جلد غير مدبوغ وبدلة غالية الثمن. لذلك كان يحتاج إلى ما يهرب إليه، بعيدا عن هذه الواقعية.
يرى ألبير كامو أن الفن هو محاولة لتشكيل العالم بمنحه المعنى الذي يفتقده. ربما لذلك يهرب الناس من الواقع إلى الفن. لأن له معنى. بينما الخوف هو كل ما وهبه الواقع للبشر. الخوف من المجهول، من غير الواضح، مما يختبئ في الظلام. لذلك تحاول الفنون أن تكون مرتبة، ومفهومة، ولها منطقها.
قد تبدأ القصة قديما. منذ حكت الأنثى الأولى لطفلها حكاية النشوء. لماذا هم تحديدا، أسرتهم دون غيرهم من المخلوقات حولهم، يبدون مختلفين! من أين أتوا؟ لماذا الشجرة شجرة؟ ولماذا تكرههم الأفاعي؟ منذ ذلك اليوم، في كهف بعيد، غالبا كان في مكان ما من إثيوبيا، استنادا إلى نظرية «الخروج من أفريقيا»، منذ ذلك اليوم بدأ الأدب، تحت حائط رُسمت عليه نقوش تصور عملية صيد.
منذ بدأ الإنسان الفن، أراد أن يحكي قصة. واستمر ذلك، من جوار النار في الكهف وحتى حمل أجهزة الهاتف الذكية. يهرب لعالم من الخيال. لعالم مليء بالصور الملونة.
ربما بدأ الفن بحكايا مختلطة، يحكي الأب عن واقع يومه والصيد ومعاناة العشيرة، وتحكي الأم عن الوحوش التي تختبئ في الظلام، وكيف تشرق الشمس. في زمن لاحق أراد الناس من الفن أن يكون ملهيا. أن يقدم صورا ملونة فاقعة، بنهايات سعيدة. يريد القارئ أن ينتصر الخير في القصة.
يرغب النظارة أن ينتصر البطل في المسرحية. يتمنى المشاهدون أن ينتصر الحب في الفيلم. وأرادت السلطة من الفن أن يكون مروجا لها. أن يكون الخير صفها، البطولة قدرها، الحب لها، والنصر نصيبها.
لكن الحكايا ليست أفيونا، الحكاية لا تقدم عالما وهميا ملونا يشغلنا عن الواقع. الحكايا ليست هلاوسنا. الحكاية تخبرنا عن العالم الآخر الجميل. الذي لا نراه. لا نعرفه. وتخبرنا عن العالم القاتم الذي نعيش فيه.
العالم الجميل ليس عالما من الخير المطلق، ليس يوتوبيا. ففي اليوتوبيا لا بد أن الصحف مملة جدا، كما قال آرثر كلارك.
يقدم لنا الفن العالم كما هو، محملا بالدم والهم والطين، لكنه محمل بلذة الجمال. الفن هو الجمال، لا تجميل الواقع. هو الجمال الذي ننشئ به عالما مرتبا منطقيا داخل وعينا. الفن ليس نقلا أصمَّ بليدا للواقع المعاش. إنه واقع موازٍ، له شروطه وأحكامه وضوابطه، ومنطقه. لكن نستطيع فيه أن نفكك ونفهم واقعنا. وسره أنه يقدم ذلك عبر شرط رئيسي: المتعة.
من العسير أن تجد فنا لا يقدم المتعة. أيا كان نوع الفن وموضوعه فهو حين يطرق الأبواب يأتي حاملا المتعة. تلك الرشوة التي تفتح له الطريق إلى النفوس والعقول.
لعل هذا سحر الفن. لا يجب أن يكون موضوعيا، ولا دقيقا، ولا معرفيا، يجب أن يكون ممتعا. قد لا تقبل موضوعه، لكنك تجد فيه المتعة. لا يلزم أن تكون روسيا أرثوذكسيا لتجد المتعة في «الجريمة والعقاب». قد تكتشف أخطاءه مثل «حول العالم في ثمانين يوما» لجول فيرن، التي تمتلئ بحساب مسافات ومواقيت خاطئة، لكنها ممتعة. ربما لا يقدم أي معرفة مثل الروايات التجريبية، إلا أنها ممتعة.
هذه المتعة هي ما ينقلنا من وادي الواقعية اليومية، من همومنا، من هزائمنا، من ضعفنا، من خديعتنا لأنفسنا وللآخرين، من الآخرين ذاتهم، تنقلنا من كل ذلك لعالم آخر. قد نجد فيه شبيها لكل ما هربنا منه.
هزيمة الجنرال أورليانو بوينديا عند غابرييل غارسيا ماركيز، ضعف سعيد عند حنا مينة، خديعة راسكولينكوف لنفسه عند دوستويفسكي. خبث سيف الدين عند الطيب صالح. لأن الفن لا يخدعنا، ولا يخفي عنا عالم الواقع. لكنه يعيد تقديمه لنا عبر دفقة الفن والجمال. عبر المتعة.
في نهار صيفي -وكل نهارات قرانا في السودان صيفية- جلس الطيب صالح إلى أهل بلدته بعد غياب سنين. قال له أحدهم: لقد سافرت يا الطيب وقيل إنك أصبحت مشهورا بالكتابة، فاقرأ لنا شيئا مما شهرك. فتناول الطيب من حقيبته رواية «عرس الزين» وشرع يقرأ للحاضرين. لما فرغ أو كاد، ضحك أحد أقاربه، وقال له: هذه حكاياتنا ذاتها! لكنك أدخلت عليها شيئا من حركات!
فقال الطيب صالح: هذه الحركات هي الأدب.
هكذا يلخص الطيب الأدب، والفن عموما، إنه الحركات التي ندخلها على الواقع. فيصبح اليومي، العادي، المزعج، عالما فنيا ملونا موازيا.
يرى غابرييل غارسيا ماركيز أن ما يقدمه كروائي ربما لا يكون مفيدا للناس مثل السباك أو النجار، وكل من يقدم خدمة مباشرة ومفهومة. لكنه يقول: «لا يمكن للبشرية أن تستمر دون الفن».
فربما لا يبدو الفن مفهوما للجميع. لكنه مؤثر على حياة الجميع، حتى من يعادونه. لذلك قد يكون هو المنجاة لكثيرين من العالم المضطرب الذي نحياه. ففي الفنون لا تبدو الأشياء ملونة بالضرورة، لكنها تكون منطقية.