عينان تحبان كل شيء
الأربعاء / 4 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 18:57 - الأربعاء 16 سبتمبر 2026 18:57
في منتصف ليلة من ليالي وحدتي الفظيعة، شعرت أني أوشك على الموت، ضربات قلب متتابعة، رجفة جسد لا تتوقف، ودوخة غريبة لم أشعر بها في حياتي، فكرت أن أطرق باب جاري ليأخذني إلى المشفى، خرجت من البيت حافيًا، لكني أمام باب الجار تراجعت، لا أعرف لماذا.
تنفس، تنفس يا زياد، أتذكر أن صديقًا قالها لي مرة: حين تهاجمك نوبات الهلع فقط اهدأ وتنفس، وإذا لم تتذكر كلامي، في كل الأحوال، أسرع إلى الذكاء الاصطناعي واسأله حلًا.
هرعت إلى (لاب توب)، فتحت على صفحة الذكاء، بينما رجفة بدني ما زالت ترج قلبي وغرفتي، وبصعوبة، وبيد ترتعش، كتبت للذكاء: أنقذني يا ذكاء، يبدو أنها نوبة هلع. جاءت إجابته سريعة: اهدأ، اهدأ، اهدأ، واقتنع أن نوبة الهلع لا تقتل أبدًا، ثم تنفس شهيقًا وزفيرًا.
فعلت ذلك لعشر دقائق، تمددت على أريكتي، انصرفت النوبة رويدًا رويدًا، عدت إلى الذكاء، فوجئت به يسألني: إذا قلت لي ما تحتاج، ربما أساعدك، هل أنت وحيد مثلًا؟ ماذا تحتاج يا زياد؟
كتبت له مستغربًا من سرعتي في الإجابة: أحتاج امرأة الآن بعينين تحبان كل شيء، تنادي عليّ من تحت شرفتي، أمشي معها في مسار محمود درويش الرياضي، نحكي عن الانتخابات الإسرائيلية وعن زهرة الأزاليا، وعن شكل غضب أمي وعن شكل خوف أمها وعن أفضل زيت لقلي البطاطا، غير زيت الزيتون، وعما سنفعل فيما لو سئلنا: ما الذي يمكن أن نفعله لو علمنا أنها آخر ساعة في حياتنا؟
خلال ثوانٍ سمعت صوتًا دافئًا خفيضًا ينادي عليّ بنغمة ممطوطة: زياااااااد.
قفزت إلى شرفتي قفزًا، كانت تقف مبتسمة وطويلة بهدوء عجيب، رغم الليل الكثير الذي حولها ونباح كلاب في حديقة مجاورة واحتمال جنود احتلال كامنون هنا أو هناك. أنا نجوى. من نجوى؟ المرأة التي بعينين تحبان كل شيء.
إلهي، أمعقول قدرة الذكاء الاصطناعي على إحضار امرأة حقيقية لي؟ هل أنت حقيقية؟ طبعًا، ألا تشم رائحة عطري؟ طبعًا، طبعًا.
هبطت بسرعة، ناهبًا درجات العمارة نهبًا، كيف أحضرك لي الذكاء؟ سألتها بعد مصافحة خجولة.
لا تشغل نفسك بأسئلة لا فائدة منها، المهم أنا معك الآن، نمشي معًا كما طلبت إلى مسار محمود درويش الرياضي، وهناك طويلًا سنحكي عن كل ما طلبت.
في المسار الرياضي، في قلب ليل ثقيل، وحدنا نمشي بهدوء، نحكي عن كل ما تمنيت، كان كل شيء جميلًا وهادئًا، حاولت أن أمسك يد نجوى، كانت اللحظة عاطفية لدرجة أني لم أتحمل مقاومة ابتعاد يدها عن يدي، كان الليل متواطئًا ومتسامحًا ومتفهمًا لما أرغب، لكن نجوى سحبت يدها بسرعة، وظلت تبتسم وتحكي عن شكل خوف أمها، وعن أن أفضل زيت للقلي هو زيت النخيل، وعن أن آخر ساعة في حياتها سوف تلتهم ألف طن من الشوكولاتة الداكنة، وظلت تكرر أن زهرة الأزالية ذات رائحة حزينة، وثرثرت بشكل متكرر عن أن نتنياهو سيعود إلى الحكم وفق ائتلاف مع المعارضة بعيدًا عن بن غفير وسموترتش، استغربت كلامها المتكرر، سألتها: أين ولدت؟ لم تجب، أين درست؟ لم تجب، هل أنت متزوجة؟ لم تجب، استغربت، لم تسألني أي سؤال، لم يكن لديها فضول لتعرف أي شيء عني، هذه المرأة الغريبة لم تفعل أي شيء سوى المشي في المسار وتكرار الحديث نفسه.
فجأة قفزوا أمامنا من الوديان المجاورة للمسار، قفا، صرخوا، توقفنا، لم تخف هي بينما ارتجف جسمي كله.
ماذا تفعلان هنا؟ أجابت هي: (نمشي في مسار محمود درويش الرياضي، نحكي عن الانتخابات الإسرائيلية وعن زهرة الأزالية، وعن شكل غضب أمي وعن شكل خوف أمه وعن أفضل زيت لقلي البطاطا، غير زيت الزيتون، وعما سنفعل فيما لو سئلنا: ما الذي يمكن أن نفعله لو علمنا أنها آخر ساعة في حياتنا؟).
تبادل الجنود الإسرائيليون النظرات، أخفضوا بنادقهم، ابتسموا. هل أنتما مجنونان؟ لا، طبيعيان جدًا، أجبتهم، باستثناء أني كنت وحيدًا، فنهضت هذه المرأة من وحدتي لتخفف عني. هنا سمعت صوتًا صادرًا من فمي بشكل منخفض جدًا، كأنه صدى: هل تريد أن أتدخل يا زياد؟ من أنت؟ سألت الصوت: أنا الذكاء.
كيف يمكن أن تتدخل؟ ابتكر حدثًا، اجعل الجنود بسببه يغادرون. نعم، افعل ذلك أرجوك. صدر صوت من لاسلكي الضابط، كان الصوت باللغة العبرية، تراجع الجنود بسرعة وهبطوا الوادي، نظرت إلى نجوى، كانت تبتسم فقط. عاد الذكاء يسألني: إذا أردت يا زياد، أستطيع أن أخترع لكما موضوع حديث جديدًا.
هيا، افعل أرجوك، لقد مللت من زيت النخيل والشوكولاتة ونتنياهو، ولا تنسَ أن تجعلها تطلب الجلوس. تعبت من المشي، هيا نجلس تحت هذه الشجرة، قالت نجوى: هل تحب عينيّ؟ نعم، جدًا. لماذا؟ لأنهما تحبان كل شيء.
ما الذي يعجبك في عيون النساء؟ قبل أن تجيب، إياك أن تقول لي الحزن، لأن هذه الإجابة صارت (كليشيه) مثقفين. لا، لا، ليس الحزن بالتأكيد. ماذا إذن؟ أحب في عيون النساء... ممممم، وهنا احترت ماذا أقول، كنت أعرف أن صديقي بجانبي، سمعت صوته: هل تريدني أن أعطيك إجابة تعصف بقلبها؟ نعم، بسرعة. أحب في عيون النساء ذلك الخوف الخفيف الذي يشبه طلبًا للحماية. كررت لها عبارة الذكاء، فصرخت: واووو.
اقتربت بيدي من يدها، لمست يدي طرف إصبع يدها الصغير، سحبت يدها، فانفجرت غضبًا، وصرخت في وجهها: لماذا تسحبين يدك؟
لا أدري، والله، قالت. رأيت في عينيها جمودًا غريبًا، وقفت ومشيت بعيدًا عنها، ظلت جالسة، تنظر إليّ مبتسمة، قررت أن أعود إلى البيت، لكن الصوت نفسه خرج، وقبل أن يقول لي: هل تريد أن،.................................... صرخت في وجهه غير المرئي: أريدك أن تختفي من حياتي، لا أريد منك أي شيء، أريد أن أعود إلى البيت، مشيت تجاه بيتي، الساعة اقتربت من الثالثة صباحًا، عند مفترق مركز أبو ريا للتأهيل، على بعد مئة متر من بيتي، وقفت، رأيت مرضى على عربات متحركة، يجلسون في ساحة المركز يتحدثون، انتبهوا لي، نادوني: ما الذي تفعله في هذا الليل وحدك يا عم؟ تفضل اشرب قهوة، جلست بينهم، كانت رائحة القهوة قوية جدًا..