أفكار وآراء

العنصر الغائب في التنمية العالمية

في رسالته البابوية الأولى بعنوان (الإنسانية الرائعة)، يعرض البابا لاون الرابع عشر مُـستَـقْـبَلين محتملين للبشرية: حكم تكنوقراطي من أعلى إلى أسفل، ورمزه برج بابل، وعملية إعادة بناء من أسفل إلى أعلى، على غرار ما فعله نَـحَـمْـيا عندما نظم المنفيين لإعادة بناء القدس في مواجهة معارضة شرسة.

في عالم يهيمن عليه أصحاب المليارات على نحو متزايد، تبدو الرؤية الثانية المتمثلة في العمل الجماعي جديرة بالثناء بقدر ما هي عديمة الجدوى، لكنها كانت موضع تنفيذ من قَبل.

يتمثل التحدي اليوم في أن معظم الناس العاديين يفتقرون إلى السبل التي يمكنهم من خلالها تحقيق رؤية نَـحَـمْـيا. وفقا لمعهد V-Dem (معهد أَشكال الديمقراطية)، يعيش 74% من سكان العالم حاليا في ظل أنظمة استبدادية، في حين أن أولئك المحظوظين الذين يقيمون في ظل أنظمة ديمقراطية ينتقدون على نحو متزايد طريقة عمل حكوماتهم.

يُـعلي الناس بأغلبية ساحقة من شأن الديمقراطية، لكن غالبية عظمى منهم أيضا لا يعتقدون أن المسؤولين المنتخبين يهتمون بآرائهم. كان التغير التكنولوجي والثقافي السريع، إلى جانب انعدام الأمن الاقتصادي المتزايد، سببا في تآكل الدعم المقدم للمؤسسات الليبرالية وتأجيج المشاعر المعادية للنخب عبر الطيف السياسي.

في صميم هذا السخط تكمن مشكلة أعمق: أزمة الإرادة الفاعلة. الناس يفتقرون إلى القدرة على التأثير في القرارات التي تشكل حياتهم. وكما يكتب لاون في رسالته البابوية: «معظم الناس يراقبون وينتظرون، ويلاحظون من بعيد مكتفين بالأمل في الأفضل».

هذه هي الحال بكل تأكيد في مجال التنمية العالمية، حيث تُـصمَّم المشاريع غالبا بواسطة وكالات المساعدة وتديرها شركات مقاولات أجنبية ومنظمات غير حكومية.

في عام 2023، طلبت «المنظمة المسكونية الشعبية لتنمية هايتي»، و«مجتمعات الإيمان المنظمة من أجل العمل في السلفادور»، ومنظمة «الإيمان الفاعل» الدولية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) تعليق أعمالها غير الطارئة لمدة ستة أسابيع وإرسال موظفيها للاستماع إلى الناس حول نوع المساعدة التي يريدونها.

كانت المنظمة الهايتية في خضم جهد عقيم لتغيير البرامج الزراعية التي تنفذها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في مجتمعاتهم المحلية. ورغم أن سامانثا باور، التي كانت تشغل منصب مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية آنذاك، تبنّت مهمة إصلاح الوكالة، فقد عجزت هي وموظفوها عن سبر أغوار عملية نقل صناعة القرار إلى المستفيدين.

كان أفضل ما استطاعوا الإتيان به هو تقديم عرض عن عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في البلاد، أُقيم في مكتب المنظمة في تيرير-روج. ولم يبق أمام الهايتيين سوى الأمل في الأفضل.

يتعين على الحكومات الديمقراطية والمؤسسات الدولية أن تعمل على إنشاء قنوات فعّالة تتيح للأشخاص المتأثرين بقراراتها صياغة المخرجات. من المؤكد أن كثيرين انبروا إلى تنفيذ إصلاحات أملتها نوايا حسنة.

فقد شهدنا مخططات للميزانية التشاركية تمنح الناس حق إبداء الرأي في كيفية إنفاق بعض أموال الحكومة، وآليات للشكاوى من المجتمع المدني لدى المؤسسات المالية الدولية، ومبادرات لتحويل تمويل التنمية من المنظمات العالمية إلى منظمات محلية.

ولكن، كما يوضح مثال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في هايتي، تفشل حتى الإصلاحات القائمة على أفضل النوايا غالبا في تحقيق النتائج المرجوة.

فمن غير المرجح أن تخضع المؤسسات البيروقراطية الضخمة للمساءلة الكاملة دون ضغوط خارجية.

هذا هو الجانب المتعلق بالطلب في عجز الديمقراطية: يحتاج ملايين الأشخاص إلى منظمات يمكنهم من خلالها التفاوض بشكل جماعي بشأن مصالحهم.

بوسع المؤسسات الدينية الملتزمة بكرامة الإنسان والتعددية أن تضطلع بدور أساسي في هذا الصدد، ليس فقط في إلهام الناس للتحرك، بل أيضا في تشييد البنية الأساسية اللازمة للتنظيم على نطاق ضخم.

من النماذج على ذلك الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية. استلهاما من الرسالة البابوية التي أصدرها البابا بولس السادس عام 1967 بعنوان Populorum Progressio (تَرَقي الشعوب)، أنشأ أساقفة كاثوليك في الولايات المتحدة بعد ذلك بعامين الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية في شيكاغو بهدف دعم المنظمات التي تتصدى لأسباب الفقر الجذرية.

تجمع الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية الأموال من خلال حملة جمع تبرعات سنوية وتوزعها استنادا إلى مبدأ التبعية الكاثوليكي، والذي يعني على وجه التحديد أن القرارات يجب أن تُتخذ على أقرب مستوى ممكن من الأشخاص الذين تؤثر عليهم.

لكي تكون أي منظمة مؤهلة للحصول على منحة، يجب ألا تكتفي بالسعي إلى تغيير السياسات والأنظمة التي تُبقي الناس في حالة الفقر، بل يجب أيضا أن يتولى إدارتها مجلس إدارة يتألف نصف أعضائه على الأقل من ذوي الدخل المتدني قسرا وليس باختيارهم.

لأكثر من 50 عاما، اضطلعت الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية بدور أساسي في تعزيز نظام بيئي لمكافحة الفقر حقق انتصارات ملموسة: أجور أعلى، وإجازة عائلية مدفوعة الأجر، ووحدات سكنية بأسعار معقولة، وتغطية صحية لغير المؤمن عليهم.

كما ساهمت في رعاية أجيال من القادة والمنظمات الشعبية. واليوم، نرى كثيرا من أبرز المجموعات المحلية وعلى مستوى الولايات، العلمانية والدينية على حد سواء، والتي تُرسي أسس الدفاع عن الديمقراطية الأميركية، وقد بدأت نشاطها بفضل مِنَح الدعم العام المتعددة السنوات المقدمة من الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية.

يحتاج العالم إلى آلية مماثلة ــ ولنقل «حملة دولية للتنمية البشرية الشاملة» ــ توفر التمويل الطويل الأمد لمساعدة الناس على تأسيس وتوسيع منظمات شعبية قوية بالقدر الذي يسمح لها بالتأثير على السياسات على المستوى الوطني أو العالمي.

ومن الممكن أن تستفيد هذه الحملة من التجربة الكاثوليكية مع إشراك أديان أخرى، فضلا عن الجهات الممولة العلمانية التي دأبت على التأكيد على ضرورة نقل عملية صنع القرار إلى المجتمعات المحلية.

من المؤكد أن أي صندوق عالمي يواجه خطر الإفراط في البيروقراطية واحتضان نهج يتجه من أعلى إلى أسفل. يتخذ نموذج الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية سبل الحماية من هذه النتيجة من خلال الجمع بين معايير واضحة وهيكل لامركزي.

الواقع أن اتخاذ القرارات على المستويين المحلي والإقليمي، كما تفعل الحملة الكاثوليكية للتنمية البشرية، من شأنه أن يساعد في التخفيف من بعض التحديات التي ينطوي عليها تشغيل صندوق مشترك المقصود منه العمل في سياقات مختلفة بدرجة كبيرة. والأمر يستحق العناء: فتخصيص حتى 1% من تمويل التنمية الخاص للتنظيم على مستوى القاعدة الشعبية كفيل بإحداث تغيير جذري.

في رسالة الإنسانية الرائعة، يصف لاون الاستماع والحوار بأنهما «الأرضية المشتركة التي تُـبنى عليها العدالة والأخوة». الحوار ليس غياب الصراع، لكن بدون صراع يغيب التغيير.

وبدون تغيير، سيظل عدد كبير من الأشخاص الأكثر ضعفا في العالم عاجزين، يراقبون وينتظرون تحسن أوضاعهم. وإذا جرى تخصيص ولو حصة صغيرة من تمويل التنمية لتوجيه أولوياتهم، فسوف يكون بوسعهم الشروع في بناء مسار إنساني إلى الأمام من أجل مجتمعاتهم والعالم، أو ما يسميه لاون «موقع البناء في عصرنا».

جوردون ويتمان المدير العام لمنظمة «الإيمان في العمل الدولية» (Faith in Action International).