رُهاب الإسلام في تزايد والساسة البريطانيون يتساهلون!
ترجمة: أحمد شافعي
الثلاثاء / 3 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:08 - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 22:08
منذ خمس سنوات، تساءل كثير من المسلمين ما إذا كانت التحيزات التي يواجهونها في طريقها إلى التلاشي.
كانت «الحرب على الإرهاب» تفقد أهميتها، وبدا أن الخوف من أعداء جدد من قبيل روسيا يزيح الخوف من الإسلام. فإذا برهاب الإسلام الإسلاموفوبيا في بريطانيا يزداد حدة منذ ذلك الحين.
إذ تبين لاستطلاع رأي منشور في يوليو أن اثنين من كل خمسة من البريطانيين يعتقدان أن المسلمين لا يمكن أن يندمجوا في المجتمع البريطاني.
وفي وقت مبكر من هذا الصيف، تردد أن أكثر من نصف المسلمين في بريطانيا تعرضوا على المستوى الشخصي لتحيز ضد المسلمين في السنة الأخيرة، وربع أولئك تعرضوا له في أماكن عامة.
والأدلة على تفاقم المناخ بالنسبة للمسلمين تتصاعد منذ عامين إذ اندلعت أعمال شغب عنصرية في أنحاء المملكة المتحدة مستهدفة المساجد ومآوي اللاجئين.
وقد أزعجني وأنا أشاهد فيديوهات لتلك الأحداث الآباء الذين جاؤوا بأبنائهم الصغار ليشاهدوا الغوغاء وهم يسعون إلى اقتحام المباني بنية القتل في ظاهر الأمر.
ولم يقتصر ذلك على الناشطين المتشددين من أقصى اليمين إنما اتسع ليشمل قطاعا أكبر في المجتمع البريطاني بدا عازما على المشاركة في عنف عنصري موجه إلى المسلمين أو طالبي اللجوء الذين يفترض أنهم مسلمون.
لكن انتشار اللامبالاة إزاء العنف العنصري المناهض للمسلمين هو الأدعى للأسى.
ففي أكتوبر الماضي، اغتصب رجل أبيض امرأة من السيخ في بيتها بمدينة وولسول وهو يصيح بإساءات تنم عن رهاب الإسلام، ظنا منه بأنها مسلمة قائلا لها إنه «سيد بريطاني».
لم تحظ القضية باهتمام يذكر من الرأي العام برغم أنها بدت جزءا من نمط جرائم جنسية عنصرية في المنطقة. وبالمثل لم نر إلا تغطية متواضعة لحادثة الطعن بالسكين التي بدأت في مسجد بإدنبرة ونجم عنها إصابة عدد من الرجال.
ولكي نفهم سبب هذا الانتشار الطاغي لرهاب الإسلام ينبغي أن ندرك القوى العميقة التي تيسّره. وأولها قاعدة مواقف معادية للإسلام تكونت خلال تسعينيات القرن الماضي.
وقد انتهت الحرب الباردة وبدأ مفكرون من المحافظين الجدد يرون في الإسلام عدوا جديدا يحل محل الشيوعية.
وبعد مظاهرات المسلمين احتجاجا على رواية (الآيات الشيطانية) لسلمان رشدي بدأ بعض الكتاب أيضا يعلنون أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية.
وكان يمكن أن يبقى كل ذلك مشكلة تكيف ثقافي قابلة للحل من خلال بناء المجتمع لولا أن العنصرية المناهضة للمسلمين تمأسست خلال «الحرب على الإرهاب» في دولاب العمل اليومي في ظل حكم العمال. فبات الوزراء يلقون خطبا دورية يصورون فيها أوساط المسلمين باعتبارها خطرا، وفي ظل (سياسة الوقاية) وهي برنامج حكومي بريطاني لمنع التطرف والتحول إلى الإرهاب ـ المترجم ، تم تدريب الآلاف من الموظفين في القطاع العام على اعتبار السلوكيات الدينية والسياسية العادية للمسلمين مؤشرات على التطرف.
والقوة الثانية لها علاقة بفلسطين؛ فالموجة العارمة من معارضة إبادة إسرائيل الجماعية لأهل غزة أثارت قلقا فادحا داخل مؤسسة السياسة الخارجية في بريطانيا.
في المقابل، جرى تصوير مئات آلاف الناس ممن خرجوا في مسيرات التظاهر باعتبارهم مناصرين للتطرف الإسلامي أو متحالفين معه. واستعاد ذلك مناخ العداء للمسلمين الذين بات ينظر إليهم مرة أخرى باعتبارهم خطرين أو عديمي الولاء.
وقد نفكر مثلا في وصف كير ستارمر للمظاهرات المخطط إقامتها في السابع من أكتوبر سنة 2025 باعتبارها «غير بريطانية» واقتراحه حظر أي مظاهرات إضافية ودعوته إلى مقاضاة المتظاهرين الذين يرفعون شعارات مثيرة للجدل من قبيل «هيا نعولم الانتفاضة»، برغم تكرار التفسيرات بأن هذه الشعارات ليست بدعوة إلى العنف. فأقواله هذه تعكس اعتقادا منتشرا بأن المظاهرة العادية ـ ضد إبادة جماعية! ـ هي في حقيقتها شيء آخر، أي أيديولوجيات أجنبية خطيرة يستوردها المسلمون وحلفاؤهم.
ولكن قول هذا يعني شيطنة علاقة الولاء بين مسلمي الغرب والمسلمين الذين يقاومون الاحتلال في أماكن أخرى من العالم.
وهذا التضامن الدولي القائم على جذور اجتماعية، أي التضامن الذي دأبت بريطانيا على استعماله دليلا على تسامحها، هو تضامن يجب الترحيب به.
ثالث القوى العميقة التي تيسّر انتشار رهاب الإسلام أن هناك حواجز تجعل محض إثارة موضوع العنصرية المناهضة للمسلمين على نحو مثمر أمرا عسير المنال.
وجرِّبوا أن تتكلموا في صدارة الحياة البريطانية العامة عن رهاب الإسلام وسوف تواجهون طقس مطالبتكم بإدانة التطرف الإسلامي والاعتراف بمعاداة المسلمين للسامية. وبالطبع لا بد من إدانة هجمة على معبد يهودي بمثل قوة إدانة الهجوم على مسجد.
ولكن السؤال السياسي الأصعب هو كيفية إيجاد الظروف التي لا يرجح فيها وقوع أي من الهجمتين. وفي هذا الصدد تحظى الأوساط اليهودية بدعم أكيد من الحكومة البريطانية، خلافا للمسلمين.
وعلى مدار عقود وهم يتلقون الازدراء الرسمي وكلما حاولوا المطالبة بتمثيل سياسي متواضع ووجهوا بالاتهام بـ«التصويت العائلي».
وهذا أمر له شأنه، لأن العنصرية أمر يتعلق بالسلطة؛ فهي تعمل على تقسيم المجتمع بحيث يمكن إخضاع جماعات معينة لأشكال استثنائية من الاستغلال أو المحو.
وعادة ما تمر بها الجماعات بوصفها انعداما روتينيا ممنهجا للسلطة، أي على هيئة كفاح يومي من أجل كسب لقمة العيش في مواجهة أصحاب العمل المتحيزين ضدهم والخدمات العامة المليئة بالارتياب فيهم والأجهزة الشرطية، والتنفيذ الصارم لقوانين الهجرة.
ومنذ خمسة وعشرين عاما كان صناع السياسة يتظاهرون على الأقل بالتعامل مع العنصرية بوصفها «أمرا مؤسسيا»، وكان هذا يساعد على إيضاح سماتها الهيكلية. ولم يعد هذا قائما؛ فالعنصرية اليوم مؤطرة أساسا باعتبارها مشكلة أفراد متطرفين تشددوا بسبب أيديولوجيات كراهية واستقطاب.
والتعامل مع العنصرية يعني التغلب على الافتقار إلى السلطة. لكن العكس هو ما يحدث؛ إذ ترسخ النخب باستمرار مواقفها العنصرية. فاتخاذ قرار على سبيل المثال يبيح للأوكرانيين الهاربين من الحرب دخولا تفضيليا إلى المملكة المتحدة في حين يتعين على كثير من الأفغان الهاربين من الحرب أن يخاطروا بحياتهم في عبور البحر ـ وهي سياسة تمييز عنصري مطلقة وعنيفة شأن قوانين جيم كرو العنصرية في الولايات المتحدة ـ وهي أيضا رسالة من رسائل الخطاب العام.
ولا يمكن أن يندهش صناع السياسة حينما يحذو المواطنون العاديون حذو هذه السياسات وينتهون إلى أن المهاجرين غير البيض يشكلون حتما تهديدا للهوية القومية؛ فالعنصرية المطبقة على الحدود تنسرب حتما إلى مجالات أخرى من مجالات الحياة العامة.
ويأتي من بعد ذلك رد الفعل على الحديث في رهاب الإسلام: أي تحويل الحديث إلى منافسة في من الضحية الكبرى، وإلى لعبة الأشد تعرضا للقمع، وهي لعبة لا نهاية لها، وكأنما لدينا وسيلة لتصنيف السود واليهود والمسلمين على مقياس للأهوال التي تعرضوا لها.
وما يغيب عن هذا الحديث هو أن مصير المسلمين لا ينفصل عن مصير جميع الملونين في المملكة المتحدة.
وما يحدث للمسلمين في بريطانيا اليوم يرجح أن يحدث للسود غدا، والعكس صحيح. ولو أن حكومة بريطانية قررت في المستقبل أن تنفذ على المسلمين ترحيلا جماعيا من البلد، فلا شك لدي في أنها مقررة بعد ذلك بقليل أن تفعل مثله في اليهود.
وحينما يروج أنصار إسرائيل رهاب الإسلام فإنهم يلعبون بنار فاشية ستنتهي إلى الإحاطة بنا جميعا.
لقد أسهم القادة السياسيون في بريطانيا على مدار عقود في إيجاد الظروف المثلى لصعود الأحزاب السياسية اليمينية. ولا يزالون يفعلون هذا، سائرين نياما إلى كارثة اجتماعية، بتهاون غير مقبول. ولقد آن الأوان تمامًا لأن يفيقوا.