عيـن عـلى ظـفار
الثلاثاء / 3 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:10 - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 19:10
ولعل ما أعاد إليَّ اكتشافها أنني زرت كثيرًا من بلدان العالم، غير أن ظفار بدت لي حكاية نادرة تجتمع فيها الطبيعة والتاريخ والحضارة والثقافة والمغامرة ونكهة الأكلات الشعبية. ويتوج هذه الفسيفساء الإنسان الظفاري بعاداته وتقاليده وأصالته وفنونه وكرمه؛ ذلك الإنسان الذي أودع في المكان شيئًا من روحه، واستمد منه ملامح هويته.
وخلال الجولة شاهدنا عن قرب ثراء المزرعة وتنوع أشجارها؛ يتصدرها الموز، ثم النارجيل والفافاي، وتتوزع بينها أشجار التين والعنب والمستعفل وغيرها من الفواكه. وكانت الجولة، بما صاحبها من عرض وإرشاد سياحي، أشبه برحلة هادئة في ذاكرة الأرض وخيراتها، تتجاور فيها عناية الإنسان وسخاء الطبيعة.
فأينما يممت بصرك، عاد إليك مشبعًا بالماء والخضرة والرذاذ المنعش. وهذا ما عشناه ونحن نرتقي سهل أتين؛ حيث يتوارى الطريق بين الضباب، وتنساب الخضرة على امتداد السفوح في مشهد يفتح للروح نوافذها. كانت السحب تلامس رؤوس الجبال، والرذاذ يكسو الوجوه ببرودته اللطيفة، فيما بدت ظفار كلوحة لا تستقر على صورة واحدة؛ كلما تقدمنا فيها خطوة، كشفت لنا عن لون جديد وسر آخر من أسرارها.
التجارب في ظفار تتعدد بين المزارات والعيون والأودية والشواطئ، غير أن أثرها في النفس يكاد يكون واحدًا؛ سواء أكان الزائر قادمًا إليها للمرة الأولى أم عائدًا للمرة المائة، وسواء أكان سائحًا قطع المسافات الطويلة أم مواطنًا فر من قيظ الصيف بحثًا عن نسمة باردة، فالجميع يجد نصيبه من الراحة والطمأنينة بين أحضان وادي دربات وشاطئ المغسيل، وفي عيون رزات وأثوم وجرزيز، وأمام شلالات عين كور وجوجب وغيرها من الشلالات التي تهبها أمطار الخريف حياة موسمية آسرة.
ومن يقف على تلك الحافة مأخوذًا باتساع المشهد وهيبته، لا يجد عبارة تفيه حقه سوى أن يقول: لله در هذا الجمال. وكما أن هناك إطلالة فوق السحاب، فإن على مقربة منها شاطئًا خفيًا تلتقي فيه زرقة المياه بجمال الطبيعة الخضراء الآسرة.
وإلى جانب الأثر الموثق، تحتفظ ظفار بمواقع ارتبطت بالذاكرة الدينية والموروث الشعبي، كالمقام المنسوب إلى النبي أيوب، والأثر المعروف بناقة النبي صالح، فضلًا عن موقع شصر «وبار» الذي ربطته بعض الاجتهادات بمدينة إرم. وهكذا لا تمنح ظفار زائرها جمالًا يراه فحسب، بل تفتح أمامه كتابًا تتجاور في صفحاته الطبيعة والتاريخ والأسطورة والإنسان.
وكان يحرس القطيع شاب من قبيلة الحكلي بثيابه النيلية؛ عينه على إبله السارحة، وأخرى على إبريق الشاي الأسود.
رفنا لاحقًا أن ذلك الراعي، الذي يحمل في ملامحه سكينة الأرض وأصالة الأجداد، شاب متعلم تخرج في إحدى جامعات مسقط، ثم عاد إلى موطنه في أعالي الجبال ليخدم أبناءها، ويمنحهم من العلم والمعرفة زادًا للحاضر والمستقبل. في مسلم الحكلي رأيت صورة إنسان ظفار: متمسكًا بأرضه وموروثه وعاداته ولباسه، حاملًا في ذاكرته تراث آبائه وتقاليدهم، من دون أن ينسى نصيبه من العلم والمعرفة والمدنية.
عندها أدركت أن سر ظفار ليس في جمال أرضها وحده، بل في الإنسان الذي منحها روحها وحفظ لها هويتها. هذه هي ظفار التي رأيتها، وهذه هي العين التي رأيت بها ظفار.