أعمدة

القراءة وتبدّل الفكر

سعدتُ وأنا أطوف بعض المكتبات بوجود ظاهرة الإقبال على القراءة عند بعض شبابنا العربي، ومن حركة شبابية واعية تُجهد النفس والمال للهروب من سيطرة الخوارزميات احتماءً بالكتاب الورقي واستعادةً لعادة القراءة في الكتاب، تلمّسًا ومسْكا وتوريقا وتفكيرًا.

وفي الأثناء تبيّنت المشارب الفكرية والطلبات القرائية لبعض هؤلاء الشباب، فهم يُقبلون على الرواية بشكل لافت، ويُقبلون أيضا على كتابات فكرية تثير قضايا دينية بشكل مبسط وحديث وإشكالي دون حرج أو مبالغة، يقدرون على قراءتها وتمثلها وفهمها والاقتناع بها، بعض هذه الكتب فُقِد من السوق وطُبع طبعات عديدة، وهو أمر مبهجٌ، وفي الأثناء لم أفجأ من نوم الكتب التخصصيّة العميقة على رفوف المكتبات لا تروج ولا يُروَّج لها، لم أفجأ من وجود موسوعة الأعمال النقدية الكاملة لأستاذنا حسين الواد في أربعة أجزاء، على رفّ مهجور لا يطوف به طائف ولا يتصفّحه عابر، على قيمة ما في كتاباته بالنسبة إليّ، وعذرت أهل القراءة في ما يُحبّون وما يطلبون.

السؤال الذي خطر لي وقد أحسستُ أنّني في جزيرةٍ معزولا، منفردًا، ماذا قدّمنا لهذه الأجيال الصاعدة حتّى نأخذ بأيديهم ونؤمّن لهم قراءة تبني وعيًا وإدراكا، ماذا قدّمنا لتيسير تراثنا الصوفي وإعادة صوغه بما يُلائم العصر، حين أدركنا أن الشباب منصرفون إلى الصوفيّة ينهلون من منابعها؟ النصوص الصوفيّة الإسلامية جميلة ومرغِّبة، ولكنّها صعبة الفهم والإدراك لشبابٍ عمَّقنا لغته الأجنبية ونفّرناه من لغته العربيّة.

الشريعة نفسها وما تبسطه من قضايا خلافية تحتاج إلى خروج عن لغة السلف الناقل إلى منطق العقل الراشد، تحتاج إلى تبسيط وتيسير وتجميل وتلطيف وإقناع، حتّى لا نترك شبابنا في مهبّ رياح الأسئلة وفي دائرة التحريم والتحليل دون عقل ومنطق.

وهذا ما فتح المجال لدعاة ولأشباه مفكرين ليخوضوا في مسائل محرَّمة على العوامّ، ولكن ماذا نفعل إن كان الخواصّ يُلازمون خطابًا متحجّرًا مُحنَّطا؟ اللغة العربيّة نفسها تحتاج اليوم بالذات إلى إعادة تفعيل وتحيين، وإلى تبسيط في نحوها وصرفها وتركيبها ومعجمها حتّى نضمن جدواها وفاعليتها.

قسم كبير من شبابنا المهاجر يطلب كتبًا بعربيّة يُمكن أن يفهمها، يُمكن أن يُدرك معانيها، هذا الشباب يقرأ الشعر والقصص وقضايا الفكر والاستشراق ومسائل الدين وغيرها، ويُمكن أن يكون عنصرا فاعلا في تجذير الثقافة العربيّة الإسلامية وفي المحافظة على تراثنا الروحي والديني والأدبي والحضاري.

ليس غريبًا ألاَّ يقع الإقبال على الكتب العميقة التخصصيّة، وليس غريبًا أن نبدو مثل الديناصورات، نتدرّج نحو الانقراض، وليس غريبًا أن تبقى كتبنا في متناول أهل التخصّص، وفي دائرة ضيّقة، ولا ينبغي أن نأسى وأن نشكو من ذلك، ولكن العجيب ألاّ نسعى إلى تقديم معارفنا بشكل أبسط وأجمل، وأن نتّهم هؤلاء الشباب بالسطحيّة والجهل، وهم -حقّا- لهم من العمق والقدرة والمنطق ما يقدرون به على مواجهة أعمق المسائل وأعقدها، ومن المفروض أن يستظلّوا بنا لنساعدهم على حسن إعمال العقل، لا على تعطيله.

كنتُ أظنّ إلى وقت قريب أنّ الشباب قد أضرب عن قراءة الكتب وقد استحوذت عليه الخوارزميات، إلى أن تعرّفت على موجة صاعدة من شباب متلهّف إلى الكتاب، يبحث عن ابن عربي، وعن السهروردي، وعن الغزالي، وعن ابن رشد، وعن القضايا الخلافية في التاريخ الإسلامي، يبحث عن جذوره وعلى تأصّله الفكري والعقدي والقومي، لا يريد إجابات جاهزة، ولا يُمكن الضحك عليه، ولا تقديم القول الفصل، وإنّما يبحث على الجدل وعلى الاقتناع وعلى الفكرة التي تُقَارع بالفكرة، وأحسستُ فعلا بالذنب أنّنا ظلمنا أجيالاً، لم نفهم ما يريدون وأسقطنا عليهم ما نريد، لم ندرك حاجاتهم وأسقطنا عليهم حاجاتنا، وفي كلّ ذلك لم نتنازل عن أنانيتنا وادّعائنا المعرفي، ولم نعدِّل من بوصلتنا ولم نُيسّر لهم الفكر، ولم نتعامل معهم أندادا في المعرفة وفي القدرة على اكتسابها.

هذا الجيل لا يتبرّأ من تاريخه ولا من دينه ولا من حضارته، وإنّما هو يجتهد في الاقتناع بوجوده ضمن هذه الحضارة، يريد التصالح مع غوامضه. يشعر هذا الجيل الشبابي أنّنا لم نجتهد في التصالح مع تاريخنا، ولم نقف بجدّ وصراحة على المسائل الحارقة في أمر دنيانا وديننا، وأنّنا أكثر انغلاقا وعصبيّة من السلف، وهي نتيجة قريبة من الحقيقة وظنّ قريب من الصواب.

آن الأوان أن نتصالح مع أنفسنا وأن نقرّ بإشكاليات غامضة وخانقة ومحرجة في التاريخ العربي والإسلامي، ليس بالضرورة أن نقدّم لهذه الإشكاليات حلولاً، ولكن حسبنا أن نكفّ في مرحلة أولى عن تقديم الأجوبة اليقينية.