عمان العلمي

دلفين بلا أذن يعلّمنا كيف نسمع: حكاية السونار الذي استعرناه من البحر

 

في عام 1989، كانت شبكة تنصت سرّية تابعة للبحرية الأمريكية، بُنيت لرصد الغواصات السوفيتية لا لسماع الشجن، تلتقط إشارة صوتية غريبة وسط المحيط الهادئ. مصدرها حوت يُصدر نداءه عند تردد 52 هرتز، أعلى بكثير من نداءات الحيتان الزرقاء أو الزعنفية التي لا تتجاوز 28 هرتز. والنتيجة أن هذا الكائن ظل ثلاثين عاما كاملة، يصرخ في محيط مزدحم بالحيتان دون أن يسمعه أحد، حتى لُقّب إعلاميا بـ«الحوت الأكثر وحدة في العالم»، في واحدة من أكثر القصص العلمية التي نجحت في جعل الجمهور يتعاطف مع مخلوق لم يره أحد قط.

هناك مفارقة مؤلمة بعض الشيء في أن أكثر جيوشنا تطورا استمعت لهذا النداء لعقود دون أن «تفهمه»، بينما كائنات أخرى في المحيط نفسه، الدلافين تحديدا، تقرأ الأصداء وتفكك تفاصيل دقيقة عن الأجسام من حولها بسهولة تُخجل أعتى الرادارات البشرية. وكأن الطبيعة تقول لنا، بلطف شديد: «أنتم تصرفون المليارات على أجهزة استشعار، وأنا هنا منذ ملايين السنين أحمل الحل في فك دلفين». هذا بالضبط ما دفع باحثين حول العالم إلى التوقف عن محاولة اختراع العجلة الصوتية من جديد، والذهاب لسؤال أكثر تواضعا: ماذا لو تعلّمنا من دلفين، بدلا من أن نتفوق عليه؟

حين يضيع الصوت في الزحام

تواجه أنظمة الاستشعار التقليدية، رادارات كانت أم سونارات، مشكلة مزعجة حين تعمل في بيئات صاخبة ومزدحمة؛ فالمياه الضحلة القريبة من السواحل مليئة بأصداء متضاربة من قاع البحر والأمواج والكائنات الحية، ما يجعل تمييز هدف صغير، كسمكة مختبئة تحت الرمال، مهمة شاقة تُرهق حتى أذكى خوارزميات المعالجة.

وهنا يدخل الدلفين على الخط، بلا أي شعور بالغرور رغم أنه يستحقه تماما، فقد أثبتت تجارب موثقة أن هذا الكائن قادر على اكتشاف أسماك مدفونة على عمق 30 إلى 45 سنتيمترا تحت رمال ضفاف جزر البهاما، وهو إنجاز يعجز عنه أي سونار صناعي مماثل في الحجم. والطريف أن «عتاد» الدلفين البيولوجي ليس متفوقا بالضرورة من الناحية الفيزيائية البحتة على المستشعرات الصناعية؛ فهو ببساطة أذكى في التعامل مع ما يملكه، بينما نحن غالبا ما نحاول تعويض ضعف الفكرة بمزيد من الحديد والمعدن.

أذن لا وجود لها، لكنها

تسمع كل شيء

لا تمتلك الحيتان المسننة والدلافين آذانا خارجية على الإطلاق، وهو نقص تشريحي كان يمكن أن يكون كارثيا لأي كائن يعتمد على السمع للبقاء، لولا أن التطور، بحسّه العملي المعتاد، وجد حلا بديلا: أجسام دهنية داخل الفك السفلي تعمل كموصل صوتي ينقل الاهتزازات إلى الأذن الداخلية، فتؤدي وظيفة الأذن الخارجية دون أن تكون أذنا من الأساس.

ولم يكن هذا الحل جاهزا من اليوم الأول، بل مرّ بمسودات كثيرة، إن جاز التعبير. فحفريات كائن منقرض يُدعى «زينوروفوس» (Xenorophus) أظهرت أن الأجسام الدهنية قرب فتحة نفخه كانت أقل عدم تناسق مقارنة بالحيتان الحية اليوم، ما يعني أنه لم يكن بارعا في إصدار أصوات عالية النبرة أو سماع ترددات مرتفعة كأحفاده. بمعنى آخر: حتى الطبيعة احتاجت إلى نسخ تجريبية عديدة قبل أن تصل إلى «الإصدار النهائي» من السونار الحيوي، وهو ما يمنح أي مهندس واجه نموذجا أوليا فاشلا عذرا وجيها لمواصلة المحاولة.

دلفين يصمم لنا آلة،

ولا يطلب أجرا

انتقل هذا الفهم من التأمل النظري إلى التطبيق العملي في مشروع بحثي أنجزه فريق من معهد العلوم البحرية الاستوائية بجامعة سنغافورة الوطنية. درّب الباحثون دلفينا على فحص أجسام صوتيا ثم مطابقتها بصريا، وسجّلوا الأصداء التي يستقبلها أثناء العملية، ليكتشفوا أن هذه الأصداء تحمل معلومات دقيقة عن شكل الجسم، وهي المعلومة التي بنوا عليها لاحقا سونارهم الاصطناعي، دون أن يخبروا الدلفين بالطبع أنه أصبح مستشارا هندسيا غير مدفوع الأجر.

يبلغ عرض هذا النظام نحو 25 سنتيمترا، أي بحجم رأس الدلفين تقريباً، ويعتمد على ثلاثة مرسلات صوتية تُصدر نقرات حادة تحاكي نقرات تحديد الموقع بالصدى. لكن الابتكار الحقيقي ليس في العتاد، بل في البرمجية التي استلهمت مبدأً أطلق عليه الباحثون «الوعي بالتناثر» (sparsity-awareness): افتراض مسبق بأن الهدف يشغل جزءاً صغيراً فقط من الحيز الممسوح، تماماً كما يفترض دماغنا أن الضوء يسقط من الأعلى حين يفسّر صورة. النتيجة صور صوتية أوضح بعدد مستشعرات أقل، وهي معادلة يحلم بها أي مهندس يحاول إقناع إدارته بميزانية أصغر لنتائج أفضل.

لماذا يهمّ هذا مهندس

ا لم ير بحراً في حياته؟

قد يبدو هذا كله حكراً على عالم الصوتيات البحرية، لكن التشابه الرياضي بين معالجة الإشارات الصوتية والكهرومغناطيسية جعل «تحديد الموقع بالصدى الحيوي» مصدر إلهام مباشر لتصميم الرادارات أيضاً، لا السونار وحده. فالمبدأ واحد في النهاية: أرسل إشارة، ثم استمع بذكاء إلى ما يعود منها، بدلاً من الصراخ بصوت أعلى على أمل أن يعود صدى أوضح.

وقد نشرت دوريات هندسية، من بينها «IEEE»، أبحاثاً تتناول تحديد الموقع بالصدى عند الخفافيش والحيتان والدلافين كمصدر إلهام لأنظمة استشعار أكثر كفاءة في بيئات صاخبة، بخلاصة واحدة تتكرر في كل مرة: التفوق البيولوجي لا يأتي من قوة الإشارة، بل من ذكاء التفسير. وهو استنتاج محرج قليلاً للهندسة البشرية التي طالما اعتقدت أن الحل هو مزيد من الطاقة والمكونات، بينما كان الحل الأرخص والأذكى يسبح على مسافة أمتار منها طوال الوقت.

ولعل المثال الأصدق على هذا التقاطع هو «نظام الثدييات البحرية» الذي اعتمدته البحرية الأمريكية لعقود، إذ درّبت دلافين حقيقية على اكتشاف الألغام المدفونة في قاع البحر، ببساطة لأن أياً من أجهزتها المتطورة لم يستطع منافسة دلفين عادي في هذه المهمة تحديداً. وهذا ربما أكثر اعتراف عسكري تواضعاً سُجّل في التاريخ الحديث.

حين تنجح الحديقة

حيث فشل المختبر

الطريف أن هذا المنطق لا يقتصر على البحار، بل يتكرر في أماكن لا علاقة لها بالمحيطات إطلاقاً، وأحياناً بأسلوب يشبه المزحة العلمية أكثر من الاكتشاف الجاد. ففي جامعة تكساس بأوستن، طوّر باحثون عام 2026 مستشعرات من الغرافين تُوصَل مباشرة بورقة نبات لقياس رطوبته، لكن هذه المستشعرات لم تكتفِ بالقياس، بل أظهرت سلوكاً «شبيهاً بالمشبك العصبي»، أي أنها تحتفظ بذاكرة قصيرة المدى لما استشعرته سابقاً، تماماً كخلية عصبية كسولة تحاول أن تتذكر أين تركت مفاتيحها. وهكذا وجد النبات نفسه، دون أن يطلب ذلك، عضواً فعلياً في عالم «الحوسبة العصبية» (Neuromorphic Computing) الذي يحاكي دمج الدماغ للاستشعار والذاكرة والمعالجة في وحدة واحدة.

وهناك مثال أكثر دلالة على سخرية هذا الحقل بأكمله، من جامعة آر إم آي تي الأسترالية (RMIT). فقد عمل باحثون سنوات على مادة «الفوسفور الأسود» أملاً في استخدامها في إلكترونيات فائقة السرعة، ليكتشفوا أنها تتحلل بسرعة مزعجة عند ملامسة بيئتها، وهو أسوأ ما يمكن أن يحدث لمكوّن إلكتروني من المفترض أن يبقى ثابتاً. المادة، ببساطة، كانت «سيئة» في وظيفتها المفترضة. لكن بدلاً من رميها في سلة المهملات العلمية، تعاون الفريق مع باحثين في الأحياء الدقيقة والكيمياء الحيوية، فاكتشفوا أن خاصية «التحلل الذاتي» نفسها، التي أفشلت المادة كمكوّن إلكتروني، هي بالضبط ما يجعلها فعّالة في مقاومة البكتيريا المقاومة للأدوية. أي أن العيب الذي طُرد بسببه من مختبر الإلكترونيات، فتح له باباً خلفياً إلى مختبر الطب، وربما كانت هذه أنجح قصة «فشل» في تاريخ علم المواد الحديث.

يكشف هذان المثالان، النبات الذي أصبح وحدة استشعار عصبية، والمادة «الفاشلة» التي وجدت طريقها إلى جسم الإنسان، عن درس إنساني بسيط قبل أن يكون علمياً: مفهوم «الفشل» في الاستشعار نسبي إلى حد محرج، ومرهون بالسياق الذي نضع فيه الشيء، لا بقيمته الجوهرية. فالمادة أو الكائن الذي لا يصلح «بيئة استشعار» مثالية في تطبيق ما، قد يكون هو الحل الأمثل في تطبيق آخر لم يخطر على بال أحد بعد، تماماً كما وجد الدلفين بلا أذن خارجية طريقة أفضل من الأذن نفسها، وكما أن حوت الـ52 هرتز، الذي فشل نداؤه في الوصول إلى أذن حوت واحد طوال ثلاثين عاماً، ربما لم يكن ينتظر أذناً حوتية أصلاً، بل أذناً بشرية، فضولية بما يكفي لتصغي أخيراً.

في النهاية.. درس من

كائنات لا تعرف أنها معلّمتنا

يذكّرنا هذا المسار البحثي، الممتد من حفريات «زينوروفوس» المنقرض، مروراً بمختبرات سنغافورة، ووصولاً إلى ورقة نبات في تكساس ومادة «فاشلة» في أستراليا، بأن التطور البيولوجي والابتكار الهندسي ليسا مسارين متوازيين بقدر ما هما حوار طويل، مليء بسوء الفهم أحياناً، بيننا وبين كوكب سبقنا في حل أغلب مشكلاتنا الهندسية. فحين تعجز الهندسة الكلاسيكية عن حل معضلة استشعار معقدة، يصبح الاستماع إلى حل جربته الطبيعة عبر ملايين السنين، بدل إعادة اختراعه من الصفر، أقرب إلى التواضع منه إلى الاستسلام. وما دام دلفين بلا أذن يرى ما تحت الرمال، ونبات بلا دماغ يتذكر رطوبته الأخيرة، ومادة «فاشلة» تشفي جرحاً بشرياً، فربما السؤال الأنسب لم يعد «كيف تتفوق الهندسة على الطبيعة؟»، بل «متى سنكف أخيراً عن التفاجؤ كل مرة يتضح فيها أن الطبيعة سبقتنا؟».  

علياء السعيدية باحثة في علوم وهندسة الطاقة والمعلوماتية