مؤامرات العلوم: الصلصة الخارقة، وخوارق أخرى
الأربعاء / 4 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 10:01 - الأربعاء 16 سبتمبر 2026 10:01
«أتعلمين، يبدو أن فلسفة العلوم تعمل كنظرية مؤامرة» قالت صديقة - درستُ معها فلسفة العلوم بالجامعة - نصف مازحة، تعليقًا على هوسي بإيجاد الخلل في دراسة حديثة وقعتُ عليها، تدعي أن تناول معجون الطماطم يُحسن الأداء الإدراكي للدماغ.
تناول الدراسةَ مقالٌ صحفي على موقع science alert ونُشر بعنوان «طلب علماء من أشخاص تناول معجون الطماطم لمدة 3 أشهر، فبدت صور مسح أدمغتهم مختلفة»، مع اعتذاري على ركاكة الترجمة، لكني أحاول نقل الصياغة الأصلية قدر الإمكان لدواعي تحليل الخطاب. بعد أيام تناولت مواقع أخرى الدراسة بعناوين تتباين إثارتها. غير أن عنوان الدراسة الأصلي هو «تناول الطماطم يحسّن الأداء الإدراكي ويُعدّل شبكات الدماغ الوظيفية لدى البالغين الأصحاء: تجربة سريرية تعابرية معشاة».
تُعنى التجارب السريرية (clinical trial) - كما نعلم - بدراسة أثر علاج أو تدخل طبي. يُقاس الأثر عبر «الضبط» الذي يعني تقسيم المشاركين إلى مجموعتين تخضع إحداهما للعلاج أو تتعرض لتدخل ما، فيما تتخذ الأخرى مرجعا لقياس الوضع دون تدخل طبي، وتُسمى في هذه الحالة تجارب منضبطة (controlled). التجارب التي لا يعلم المشاركون فيها ما إن كانوا ينتمون للمجموعة التي تتلقى العلاج أو تتعرض للتدخل تسمى تجارب معماة (من العمى). عدم معرفة المشاركين مهم لمحاولة تلافي التأثير النفسي، أو الإيحائي، الذي قد يأتي مع إدراك المريض بأنه يخضع للعلاج. تُحدد طبيعة التجربة ما إن كانت التعمية ضرورية أم لا. فتعمية تجربة دواء اكتئاب ضرورية - كما لنا أن نتخيل - بينما تُهدد التعمية نجاح تجربة يُطلب فيها من المشاركين أن يتجنبوا الطماطم. لهذا فهذه الدراسة السريرية غير معماة وهو أمر يتناسب مع طبيعتها.
أما كون تجربة ما تعابرية أو مزدوجة (crossover) فيعني أن جميع المشاركين يخضعون - بالتناوب - للتدخل خلال فترة الدراسة، أي أن كل مشارك يُوضع مرة في مجموعة التدخل أو المجموعة التي تتلقى العلاج، ومرة في المجموعة المعاكسة. وبالتالي، فهذه الدراسات تتطلب وقتا أطول لتنفيذها. أقول هذا لشرح عنوان الدراسة وتصميم التجربة فيها، ولكن أيضا لملاحظة عدم الدقة في العنوان (أعني عنوان البيان الصحفي وليس الورقة العلمية) الذي يوحي بأن المشاركين تناولوا معجون الطماطم لثلاثة أشهر.
والتجارب المعشاة (randomized والتي تترجم أحيانا لـ«تجارب عشوائية»، ترجمة - يجدها الكثيرون وأنا منهم - غير دقيقة) تعني ببساطة إسناد المشاركين عشوائيا للمجموعة التي تخضع للعلاج أو التدخل.
يحتوي الطماطم وغيره من الفاكهة التي لها لون أحمر مثل البطيخ والغريبفروت والجوافة، على مادة مضادة للأكسدة تُدعى «الليكوبين lycopene». وتاريخ دراسة واستخدام مضادات الأكسدة مرتبط أساسا بحفظ الأغذية، غير أن التوجه الحديث في دراستها يُركز على وجودها ودورها في الأطعمة المختلفة، وعلى تأثيراتها الفسيولوجية في جسم الإنسان،
تحديدا تأثيرها على عملية التمثيل الغذائي. ومضادات الأكسدة من المواضيع الأكثر دراسة في مجال علوم الأغذية، فنسمع كثيرا بالمصطلح التسويقي «الأطعمة الخارقة Super Fruits» الذي يُشير للفاكهة والخضار الغنية بالفيتامينات والمعادن والألياف ومضادات الأكسدة (بعض الفيتامينات كفيتامين سي وفيتامين إي تعد من مضادات الأكسدة). وتذهب الفرضية - غير المدعومة علميا بما يكفي حتى الآن - إلى أن مضادات الأكسدة تُساهم في الوقاية من أمراض مثل تصلب الشرايين، وبعض السرطانات، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والالتهابات المزمنة، والسكتة الدماغية، والشيخوخة.
تدرس التجربة التي نتتبعها اليوم العلاقة بين نوع محدد من مضادات الأكسدة (الليكوبين) ووظائف الدماغ. وتخلص إلى أن تناول الطماطم يحسن الأداء الإدراكي. والآن، لدينا مجموعة من الأدوات لمحاولة اكتشاف ما إن كان علينا أخذ نتائج دراسة ما بجدية؛ إذ لا يكفي أن تكون منشورة في مجلة محكمة لتكون موثوقة. فثمة تحديات من قبيل المشاكل المنهجية في تصميم التجارب وتفسير النتائج، ثمة تحيزات تولدها جهة التمويل؛ الناشر، وتوجهات وقيم الباحثين.
تعي المؤسسة العلمية أن التحيزات أمر واقع، وتحاول مجابهته لضمان موثوقية المعرفة التي تقدم، وللحفاظ على مكانة العلم في ضمائر الناس. يُفصح الباحثون في أوراقهم المنشورة (كما هو الحال مع ورقة صلصة الطماطم) عن مصادر التمويل، ويصرحون عن كل ما قد يبدو أنه تضارب في المصالح، في تأكيد بالتزام بحثهم المنشور بمبادئ الأمانة العلمية.
ليس من السهل على صحفيي العلم الاستقصائيين أن يكشفوا عن التحيز للممولين؛ لأن التأثير غالبًا ما يحدث على نحو معقد وخفي، وشبكات التعاون الرأسمالية-العلمية تعلمت كيف تتجنب الفضائح التي تهدد هذه السلطة الخارقة المولودة من زواج العلم بالمال.
واحد من الأمثلة الشهرى - في التاريخ المعقد لعلاقة المؤسسة العلمية بالشركات الكبرى - هو تلاعب كوكاكولا بالرأي العام بعد انخفاض مبيعاتها نتيجة تكشف ارتباط استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر؛ حيث وضعت الشركة جهدها في إعادة توجيه الاهتمام من التركيز على الحمية عالية الطاقة إلى أسلوب الحياة غير النشط، وإعادة تأطير المشكلة للقول إن المشكلة ليست في تناول المشروبات الغنية بالسكر، بل في عدم الانتظام على التمارين التي لا تحرق السكر؛ أي القول إن استهلاك الكوكاكولا ليس مشكلة ما دمت تمارس التمارين الرياضية. تمت محاولات إعادة توجيه الرأي العام عبر التعاون مع شبكة من العلماء للدفع بهذا الاعتقاد عبر المؤتمرات والأبحاث العلمية، ثمة غنى في المصادر التي يُمكن الرجوع إليها لمعرفة المزيد عن القصة.
الفكرة ليست في أن التمارين الرياضية ليست مهمة للوقاية من الأمراض، أو أنها غير مجدية في مجابهة الإسراف في تناول الحلو، فهي بالطبع مفيدة ومجدية، لكن الفكرة هي في الاستخدام غير الأخلاقي لهذه المعرفة من أجل حماية مصالح شركات الغذاء التي تخلق المشكلة أساسًا. فبدل أن توجه الجهود نحو محاربة المنتجات الغنية بالسكر والتحذير من استهلاكها، يؤطر الأمر ليبدو كما لو كان تهديدها الصحي هامشيًا.
إذًا نقول إن الكشف عن تحيز للممولين يصعب إثباته؛ لتعقيد الطرق التي يؤثر بها الممول على الأبحاث. والأبحاث قد تُجرى وفق أعلى درجات الأمانة العلمية، إلا أنها تُفسر على نحو يخدم مصلحة الممول.
وما دمنا نعيش هذا الواقع فالشك يُصبح أهم فضيلة للإعلام. طبعًا، إن كان الإعلام ملتزمًا بسلامة الناس، ويُدرك دوره في حماية صحتهم. لكن الإعلام العلمي اليوم يبدو - عن قصد أو جهل - مجرد أداة أخرى لتحقيق الربح عبر التسويق وحماية سمعة المتورطين.
ثمة شيء لافت أيضًا في تصميم هذه الدراسة يجعل التشكيك مشروعًا؛ فقد صُممت التجربة على النحو الآتي: تخضع مجموعة من المشاركين لحمية عالية الليكوبين عبر تناول مقدار من صلصة الطماطم في وجباتهم، ويُقارن أداءهم الإدراكي (عبر مجموعة من الاختبارات لن نذهب في تفاصيلها) بمجموعة الضبط الخاضعة لنظام غذائي منخفض الليكوبين؛ حيث - وأنا أقتبس من الورقة - «قلل المشاركون من تناول الطماطم وغيرها من الأطعمة الغنية بالليكوبين… كما تلقوا إرشادات مكتوبة وتوصيات فردية لتقليل استهلاك الليكوبين؛ وشمل ذلك قائمة بالأطعمة التي يجب تجنبها، وبدائل غذائية مقترحة (مثل استبدال البطيخ الأحمر بالشمام، نظرًا لتزامنهما في الموسم نفسه)، وكتيب وصفات يقدم خيارات لوجبات مزدوجة: أطباق تُحضر باستخدام معجون الطماطم (لتدخل الطماطم) وأخرى بديلة مكافئة خالية من الطماطم (لفترة التدخل الضابط)».
لكن.. ألا يبدو أن تجربة كهذه تكشف أثر الحرمان من عنصر غذائي (الليكوبين) أكثر مما تكشف عن التأثير الخارق لصلصة الطماطم؟
وإن أقل ما يُمكن أن يُقال عن المواضيع التي تناولت الدراسة إنها مظللة حين تظهر بعناوين مثل «تشير دراسة إلى أن تناول معجون الطماطم لمدة ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى تغيرات في الوظائف الإدراكية» أو «تأثير الطماطم على الوظائف الإدراكية: دراسة تخلص إلى أن الليكوبين يعزز الذاكرة» أو «الطماطم قد تساعد في «إعادة ضبط» الشبكات العصبية الكبيرة في الدماغ».
ثمة أسطورة بحثية لا تحظى بما تستحق من النقد، أعني ذلك الوهم بالقدرة على العزل وفصل العوامل ودراسة أدوارها. إننا نتعامل مع نظائم غذائي كامل، ومع جسد بشري معقد العمل، فكيف يثق باحث في أنه قادر على تصميم تجربة تقيس أثر تناول ملعقة صلصة؟ إننا لا نتحدث هنا عن أثر دواء مركز أو التعرض لمادة إشعاعية، بل عن طماطة!
التردد في قبول نتائج الدراسة قادم من أننا أُنهكنا من أبحاث الغذاء التي تدعي منافع صحية خارقة لأنواع محددة من الطعام. دراسات لا يبدو أنها تخدم سوى المسوقين والبيّاعين.
نعم، يحق لنا أن نُشكك، بل من واجبنا أن نرتاب ما دمنا نعيش في عصر العلم الذي توجهه مصالح الشركات والإعلام غير المسؤول.
نوف السعيدي كاتبة وباحثة في مجال فلسفة العلوم