عُمان وأفريقيا .. شراكة في التنمية
الاثنين / 2 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 21:48 - الاثنين 14 سبتمبر 2026 21:48
تمنح زيارة الدولة المرتقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية بوتسوانا دفعة جديدة لتوجّه عُماني يربط توسيع العلاقات الدولية بأولويات التنمية الوطنية. وتكتسب الزيارة أهميتها من تعاون بدأ يأخذ شكل مشروعات محددة، ومن فرصة ترسيخ شراكة مع دولة أفريقية تلتقي مع عُمان في السعي إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة تقلبات الأسواق.
ويمنح السعي المشترك إلى التنويع هذه العلاقة أساسا عمليا.. أسهم النفط في تمويل التنمية العُمانية، مثلما أدّى الألماس دورا رئيسيا في اقتصاد بوتسوانا. وتؤكد تقلبات أسواق المواد الأولية حاجة البلدين إلى مصادر دخل أوسع وأكثر استقرارا، وتتيح الشراكة بينهما توظيف الخبرات ورأس المال والموارد في أنشطة توسّع قاعدة الإنتاج. ويُفسّر هذا الاحتياج الترابط بين التعاون في الطاقة والتعدين وتخزين الوقود؛ فاستقرار الإمدادات شرط لجذب الاستثمارات وتشغيل الصناعات وتنمية الأعمال.
ويقدّم مشروع ماون للطاقة الشمسية مثالا ملموسا على هذا الترابط، فقد وُضع حجر أساس المشروع، البالغة قدرته المخططة 500 ميغاواط، في أبريل الماضي، ضمن برنامج تعاون يستهدف ثلاثة آلاف ميغاواط. ويُنتظر أن يسهم المشروع عند اكتماله في تعزيز إمدادات الكهرباء ودعم موثوقيتها. وتلك منفعة تمتد إلى المؤسسات التي تحتاج إلى طاقة مستقرة لتخطط وتتوسّع، وإلى أنشطة اقتصادية تعتمد جدواها على توافر البنية الأساسية.
ولعُمان مصلحة واضحة في أن تصل آثار هذا التوسّع إلى اقتصادها المحلي. وتستطيع الاستثمارات الخارجية أن تفتح أمام المؤسسات الوطنية فرصا في التوريد والخدمات الهندسية والتشغيل، وأن تمنح الكفاءات العُمانية مجالا أوسع للعمل والتعلّم. ويستدعي ذلك بناء صلات بين المشروعات الكبرى والقطاع الخاص، بحيث تتسع المشاركة وتعود المعرفة والعوائد إلى الداخل. عندئذ تصبح الشراكات الخارجية جزءا من تنمية القدرات التي يحتاجها الاقتصاد العُماني في مرحلته المقبلة.
وتكتسب الشراكة مع بوتسوانا أهمية إضافية ضمن التوجه العُماني نحو أفريقيا، فلعُمان روابط تاريخية عميقة مع القارة، ويضيف التعاون مع بوتسوانا مجالات جديدة لحضورها في الجنوب الأفريقي. وتوفر تقاليد الاستقرار السياسي في بوتسوانا أرضية مناسبة للاستثمارات طويلة الأجل، فالمشروعات التي تحتاج إلى سنوات للبناء والتشغيل تستفيد من انتظام المؤسسات واستمرار الالتزامات، مثلما تستفيد من وفرة الموارد. ولكل دولة أفريقية أولوياتها التي ينبغي أن تُبنى الشراكات في ضوئها. وفي قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والتعدين، يمكن لشراكات طويلة الأجل أن تجمع بين عائد الاستثمار وحاجة المجتمعات إلى الكهرباء والمهارات والعمل، وأن تفتح أمام الطرفين فرصا تمتد إلى الأسواق الإقليمية.
وتزداد فرص نجاح هذا المسار حين تصاحبه روابط مباشرة بين أصحاب الأعمال، ومعلومات واضحة عن الفرص والتشريعات، ومتابعة مستمرة لتنفيذ الاتفاقيات. المؤسسات التي تدخل أسواقا جديدة تحتاج إلى شركاء محليين وخبرة بظروف العمل، كما تحتاج إلى التمويل. وهنا تتكامل مسؤولية الجهات الحكومية وغرف التجارة مع مبادرات القطاع الخاص في تحويل التفاهم السياسي إلى نشاط اقتصادي يستمر ويتوسّع.
وتبقى استفادة المجتمعات المضيفة من التدريب والتوظيف ونمو مؤسساتها عاملا أساسيا في استدامة الاستثمار. وكل مشروع يوسّع قدرات الشريك على الإنتاج يهيئ فرصا لتعاون إضافي، ويمنح العلاقة قاعدة أعمق من الثقة. وتنسجم هذه المقاربة مع سياسة عُمان القائمة على احترام الدول وتبادل المنافع، وتتيح لها تطوير حضور أفريقي يرتبط بأولويات التنمية لدى شركائها.
وتتيح الزيارة السامية، بما تحمله من دعم سياسي، تثبيت هذا المسار وتوسيع المشاركة فيه. والرهان في بوتسوانا هو أن يثمر التعاون اقتصادا أقدر على الإنتاج لدى الجانبين. وحين تجد عُمان فرصا لنمو شركاتها وتنويع دخلها، ويجد شريكها فرصا لتعزيز طاقته وتنمية اقتصاده، تصبح الصداقة أكثر اتصالا بمصالح الناس، وأكثر قدرة على الاستمرار.