تحذير: الديمقراطية لن تصمد أمام عدم القراءة!
ترجمة: أحمد شافعي
الاثنين / 2 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 21:43 - الاثنين 14 سبتمبر 2026 21:43
تخيلوا ما يلي: بمحض الصدقة يعرض عليكم تيك توك مقاطع مصورة للفاشيين الذين شاركوا أخيرا في استعراض للقوة شديد التنظيم في ميناءي دوفر وبورتثموث (وأمام مقر صحيفة ديلي ميل يوم الأربعاء الماضي مطالبين ببيت لوالدة زعيمهم دانيال «تومو» توماس).
ولأن الصور الثابتة لم تلفت انتباهكم، ها أنتم ترون وتسمعون لقطات سريعة مع الشرح، لكنكم كدأبكم، تواصلون استعراض مقاطع الفيديو فتنتقلون إلى فيديو لشخص يقفز من أعلى بناية شاهقة، ثم إلى شجار في محطة قطار الأنفاق بلندن، ثم كلب يقوم بحركات بهلوانية.
يفترض أن مستخدمي تيك توك قادرون على استعراض قرابة مئتين وستين مقطع فيديو في أقل من خمسة وثلاثين دقيقة، وبهذه الطريقة المشتتة السريعة يتلقى كثير جدا من الناس المعلومات التي قد تكون مسئولة عن الإحصاءات المثيرة للقلق التي أتاحتها منظمة يوجوف (YouGov) الأسبوع الماضي.
فقد أظهر استطلاعها المتعلق بأحداث دوفر وبورتسموث أن 53% ممن تتراوح أعمارهم بين ثماني عشرة سنة وأربع وعشرين ليست لديهم ببساطة وجهة نظر حول ما إذا كان مظاهرات مرتدي الأقنعة «وسيلة مشروعة للتظاهر»، فضلا عن أن 43% من جميع الأعمار كانوا إما لا يعرفون بالخبر، أو لا يتابعونه على الإطلاق.
لعل هذه الأرقام تلقي الضوء على أحد أكثر مظاهر العصر الذي نعيش فيه إثارة للقلق، وهو تراجع القراءة.
والملايين منا يعرفون إحساس هذه الظاهرة أي المحاولة اليائسة من المرء للحفاظ على تركيزه مثبتا في كتاب أو مقالة مع يقين كريه بأنه سوف يستسلم لغواية الرجوع إلى الجاذبية العابرة التي يوفرها الهاتف.
ولكن خلفية العصر ما قبل الرقمي تساعد الناس لا على محض متابعة الأحداث الوطنية والعالمية، وإنما على استيضاحها ووضعها في سياق.
وفي هذه الحالة، ومع قبولي لمخاطرة أن أبدو متغطرسا بائسا، فالخوف الذي شعر به الكثيرون منا ونحن نشاهد ما جرى في ميناءي دوفر وبورتسموث كان بلا شك ممتلئا بوجهات نظر استقيناها من سني التهام الكتب والجرائد، والإحساس بأن التاريخ إما أنه يعيد نفسه أو يلتزم ببعض القوافي.
ولنكن صرحاء في ما يتعلق بارتداء زي أسود: إن رجالا يرتدون زيا موحدا ويريدون «استعادة حدود بلدنا، واسترداد النظام، وتوجيه رسالة صريحة مفادها أن بريطانيا للبريطانيين فقط» وفي ثنايا ذلك يزعمون أنهم يحمون النساء والفتيات، ذلك كله مشهد يقع في ما بين أصحاب القمصان السود الفاشيين من أتباع السير أوزوالد موزلي ـ ومن ثم هتلر والنازيين ـ وجماعة كوكلوكس كلان العنصرية الأمريكية، فضلا عن انتشار الأقنعة الطاغي بينهم بما أضفى على المشهد برمته سمت حقبة الاضطرابات نحو ثلاثين سنة من أعمال العنف في أيرلندا الشمالية-المترجم .
أما إذا كنتم تتلقون المعلومات في هيئة خليط مشتت يبدو لانهائيا من الصور المتحركة، فما الذي يمكن أن تعلموه عن أغلب ما ترونه؟
كل ذلك جال بخاطري بفضل كتاب جديد ممتاز يمثل علامة على لحظة تحول تمر بها المجتمعات في شتى أرجاء العالم. فـ(العصور المظلمة الجديدة) كتاب من تأليف كاتب التايمز جيمس ماريوت، وعنوانه الفرعي هو (نهاية القراءة وفجر مجتمع ما بعد الأمية).
ويبدو أن الكتاب يتكيف مع التغيرات التي يرصدها فهو قصير يتألف من مئتين وثماني صفحة؛ لكنه في الوقت نفسه مليء بالبصيرة والأهمية.
في السنوات العشرين التالية لشروع (الصندوق الوطني لتعليم القراءة والكتابة) بالمملكة المتحدة في متابعة القراءة لدى الأطفال والشباب، انخفض عدد من يقولون إنهم يستمتعون بالقراءة في أوقات فراغهم بنسبة 36% ليصل إلى أدنى مستوى مسجل.
وفي عام 2024، أوردت صحيفة الجارديان استطلاعا أجرته جمعية (هيئة القراءة) الخيرية وتبين له أن 35% من الراشدين يقولون إنهم الآن «قراء منقطعون» بما يعني أنهم كانوا يقرأون للمتعة ثم باتوا «نادرا» ما يقرأون أو «لا يقرأون مطلقا».
نشرت مجلة أطلنطيك أخيرا مقالة ذات عنوان جريء هو «حانت نهاية القراءة» طرحت كاتبته روز هورويتش الكثير من المزاعم المثيرة للقلق؛ إذ كتبت أنه «سوف يتبين أن حقبة إجادة القراءة والكتابة كانت فاصلا قصيرا بين العصرين الشفاهي والرقمي» مستندة إلى ما لا حصر له من الأدلة والحكايات.
من ذلك على سبيل المثال أن مدير برامج في أكاديمية الفنون والعلوم الأمريكية شكل مجموعات نقاشية وسأل أفرادها عن «القراءات الترفيهية» وكانت النتيجة أن «أغلبهم رأوها ممارسة غريبة».
ويقول ماريوت إنه عندما كتب في هذا الموضوع للمرة الأولى «قال له بعض الأساتذة إن مشكلة الشباب في فصولهم ليست أنهم لا يريدون القراءة وإنما أنهم لا يستطيعون القراءة».
في بريطانيا أغلقت أكثر من ثلاثمئة وعشرين صحيفة في ما بين 2009 و2019 وهذه إحصائية يعلق عليها الكتاب تعليقا صادما هو «أنه تتزايد إمكانية الحياة دونما تعرض لأي أخبار على الإطلاق».
وفي غداة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، قابلت أشخاصا قالوا إنهم توقفوا تماما عن الاهتمام بالأحداث الجارية من جراء غضبهم الشديد، والآن لا أدري إن كان السبب الحقيقي في ذلك التوقف هو التكنولوجيا.
وما ينجم عن هذا من جهل ـ وأعرف أن الكلمة قاسية لكن لها ما يسوغها ـ يبقى محجوبا وراء شاشات هواتف؛ إذ يبدو أن المادة الوحيدة القادرة على خرق هذا الحجاب لا بد أن تكون غاضبة ومثيرة للريبة وصادمة.
وبسبب تراجع القراءة، فإن من ينشرون هذا اللغو والسم يزدادون ثقة في أن قليلا للغاية من الناس هم الذين قد يقعون على أي شيء شبه انتقادي أو تحليلي.
وبهذا المعنى فإن عصر الشاشة يتجسد في دونالد ترامب، نعم، فبحسب ما قال مستشار اقتصادي حكيم لم يقرأ ترامب خلال ولايته الأولى «أي شيء، ولا مذكرة من صفحة واحدة، ولا التقارير السياسية، ولا أي شيء».
وأسلوبه في الخطب أميّ لأنه كما يكتب ماريوت «لا يطرح أدلة على أفكاره. وبدلا من أن يرتب معلوماته تحليليا من خلال فقرات وفقرات فرعية متبعا أسلوب التواصل الكتابي، يكتفي بأن يراكم مقولاته القطعية».
وليس اقتراح رشوة انتخابية بمقدار خمسة آلاف دولار إلا مثالا سرياليا واحدا، لكن غيره كثير.
ولقد شاهدت أخيرا فيديو على الإنترنت لشين دافي المذيع الاقتصادي السابق في فوكس ووزير النقل الحالي في إدارة ترامب، وكان مبتهجا بسعي الإدارة إلى التخلص من المفاتيح الإلكترونية لتشغيل السيارات، فاستشعرت أن سبب بهجته هو نوع من التعلق شبه الفرويدي الغريب بالشكل الأسطواني للمفاتيح التقليدية.
لو كان كلامه مكتوبا بهدف أن يبدو حجة متماسكة، لبدت قضيته متهافتة سخيفة. لكن بتقديمها وكأنها محض «أمر مزعج» لدافي على المستوى الشخصي، يمكنني أن أتخيلها وقد قوبلت بتحية من الجمهور المستهدف بها.
والمثل ينطبق بطبيعة الحال على أي عدد من مواقف ترامب ونزعاته الأكثر ضررا من قبيل إنكار تغير المناخ والعنصرية السافرة تجاه الأمريكيين الصوماليين، ورهابه الصريح من الإسلام وفكرة أن الولايات المتحدة توشك أن تمتلئ بالمجرمين ونزلاء السجون والمصحات العقلية من أبناء البلاد الأخرى.
يكتب ماريوت أن «سعة انتشار إجادة القراءة والكتاب ظاهرة حديثة. وكذلك سعة انتشار الديمقراطية. ونحن بالفعل لا نعرف إن كان لأي من الأمرين أن يصمد بغير الآخر».
في الوقت نفسه، وعلى ملايين الشاشات، ثمة أشباه الميلشيات الفاشية، والشعبويون الممولون من أساطين العملات الرقمية، وآخرون من تجار الكراهية والعبث يتداخلون جميعا مع متزلجين بهلوانيين ومتشاجرين في قطارات الأنفاق وكلاب تؤدي الحيل.
فيتجردون هكذا من سياقهم، ويبدو صعودهم طبيعيا، وشيئا فشيئا، ننتقل إلى مستقبل فيه أصداء من ماض سيعجز عن فهمه كثير جدا من الناس. وهذه المرة، لن توجد كتب كي تحرق، لأننا سنكون قد توقفنا عن قراءتها.