أفكار وآراء

المشكلة ليست في أن أمريكا غير جديرة بالثقة !

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني

قبل فترة كنت في إنجلترا للمشاركة في ندوة ضمت العديد من الأوروبيين إلى جانب مشاركين من دول مختلفة، وما شهدته في هذه الندوة أن وابلا من الإهانات الكثيرة وبغير مقياس طالت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبصوت مشترك حمل قناعة بأن أمريكا «غير جديرة بالثقة»، وكذلك «لا يمكن أن يتنبأ أحد بتصرفاتها المستقبلية»، والخلاصة أن الثقة بأمريكا أصبحت معدومة لدى الأوروبيين تحديدا إلى جانب غيرهم من أنحاء العالم.

وفي تلك الأثناء قابلت أحد الأصدقاء الذي كان قد زار أستراليا، روى لي أنه قد سُئِل فور وصوله هناك «ما رأيك في أن أمريكا لم تعد جديرة بالثقة؟!»، إذن فالأمر لا يعنى الأوروبيين فقط، بل هذا الانطباع أصبح سائدا في العديد من الدول.

وفي المقابل نرى واشنطن ومؤسستها الخارجية وبعض حلفائها لا يبدو عليهم الاكتراث من أنهم لم يعودوا جديرين بالثقة، بل أنهم لا يشعرون بالقلق إزاء ذلك.

ويزداد الأمر وضوحا إذا كانت كلمة «جديرة بالثقة» أو «يمكن التنبؤ بتصرفاتها» تعني أن تقدم أمريكا شبابها من الرجال والنساء للقتال والموت من أجل آخرين، حتى لو كانوا حلفاء، بينما يهمل هؤلاء الدفاع عن أنفسهم، أو لا يحركون ساكنا للمساعدة عندما تشتد الحاجة إليهم، كما يحدث في الحرب الدائرة مع إيران.

وفي بعض الأحيان، فإن القدرة على التنبؤ المطلق ليست بالضرورة صفة مرغوبة، حتى في التحالفات؛ لأنها توجد حالة من الاطمئنان والتراخي، وتجعلك عرضة للمناورة والتفوق عليك بسهولة.

فعلى سبيل المثال، إذا كان الطرف الأقل قوة في العلاقة يعتقد أن الأمريكيين سيقاتلون من أجله بشكل «يمكن الاعتماد عليه» مهما فعل أو لم يفعل، فقد يميل إلى بذل أقل جهد ممكن، وهذا ما يمكن أن نستخلصه من تجربة أوروبا ما بعد الحرب الباردة.

ولم تكن إدارة ترامب أول إدارة تطالب حلف شمال الأطلسي «الناتو» بالمزيد، فقد سبقها آخرون إلى ذلك، لكن مطالباتهم قوبلت في الغالب بالتجاهل، وليس غريبا إذا أن يستخدم ترامب لغة قاسية، بلهجة كوينز في نيويورك، وأن يتسبب ذلك في جرح بعض المشاعر.

وعلى الجانب الآخر من العالم، تمتلك أستراليا قوة عسكرية محترفة للغاية، لكنها صغيرة جدا مقارنة بالقوى الأخرى مثل الأمريكية، كما عانت من نقص التمويل وغياب التوجيه الاستراتيجي المتماسك، ولا تبدو «كانبيرا» متحمسة لفعل الكثير حيال ذلك، ولن يكون شراء عدد قليل من الغواصات النووية من الأمريكيين كافيا لحل المشكلة، حتى لو كانت هذه الغواصات باهظة الثمن.

أما اليابانيون، الذين كانوا على يقين من أن الولايات المتحدة ستوفر لهم الحماية، فقد أمضوا ستين عاما في تحديد الحد الأدنى الذي يحتاجون إليه للدفاع عن بلادهم، ثم فعلوا أقل من ذلك بقليل. لكن طوكيو استيقظت الآن وأدركت أنه كلما عززت دفاعاتها بنفسها، من حيث الأموال والمعدات والقوى البشرية، أصبح الأمريكيون أكثر جدارة بالثقة بالنسبة إليها.

وكما أشار فريق دراسة الدفاع التابع للحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم في وقت سابق من هذا العام، فإنه لا يمكن لأي دولة أن تأتي لمساعدة دولة أخرى غير مستعدة للدفاع عن نفسها، ولذلك يتعين على اليابان أيضا أن تظهر بوضوح إرادتها الوطنية في الدفاع عن نفسها، وأن تبدي التصميم والعزيمة للاضطلاع بدور رائد في تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

وقد يشعر البعض بالارتياح عندما يوجهون الإهانات إلى الأمريكيين، وربما تلقى هذه الإهانات صدى داخل دوائرهم المغلقة، لكن الاستمرار في ذلك قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أن يصبح الأمريكيون، الذين يدفع أبناؤهم الثمن، ليسوا فقط «غير جديرين بالثقة»، وإنما أيضا غير راغبين في مساعدتكم!

وعلى السفراء الأوروبيين، إلى جانب السفراء الأستراليين وغيرهم، أن يخرجوا من واشنطن، وأن يذهبوا للحديث مع أندية «الروتاري» – وهي أندية مجتمعية تضم رجال أعمال ومهنيين وقادة مجتمع، وتركز على الخدمة المجتمعية والعمل التطوعي وبناء العلاقات، ولها أندية في أنحاء العالم. وتصفها منظمة الروتاري الدولية بأنها تجمع أشخاصا يريدون إحداث تغيير إيجابي في مجتمعاتهم من خلال العمل الخدمي- وجمعيات أولياء الأمور والمعلمين في يونغستاون بولاية أوهايو، وهاتشينسون بولاية كانساس، وغيرها من المناطق التي يطلق عليها الأمريكيون «بلاد ما وراء المدن الكبرى»، وأن يعرضوا وجهات نظرهم هناك، وأن يجربوا استخدام عبارات «غير جديرة بالثقة» و«لا يمكن الوثوق بها»، إذا كانت لديهم الجرأة على ذلك.

لكن الأفضل من كل ذلك هو أن يستمعوا.

ويبدو أن المعلومات التي تستند إليها النخب الأجنبية في تكوين رؤيتها عن الأمريكيين تأتي في الغالب من الصحافة الأمريكية، ومن الصحافة الأوروبية التي غالبا ما تكتفي بإعادة ترديد ما تنشره الصحافة الأمريكية، وكذلك من النخبة والمؤسسة الأمريكية، التي يعارض جزء كبير منها ترامب بشدة، وهذا أمر لا مشكلة فيه بحد ذاته، لكن «متلازمة اضطراب ترامب»، بخلاف مجرد معارضة ترامب، تعني أن نقطة الانطلاق هي أن «ترامب لا يفهم».

ولهذا رأينا الضحك الصريح عندما حذر ترامب الألمان في عام 2018 من الاعتماد على الطاقة الروسية، أو عندما تحدث نائب الرئيس «فانس» ووزير الخارجية «روبيو» في عامي 2024 و2025 عن أن أوروبا أصبحت أقل حرية بصورة متزايدة.

ولا يساعد على ذلك، بطبيعة الحال، أن جزءا كبيرا من المؤسسة الأكاديمية الأمريكية مصاب أيضا بـ«متلازمة اضطراب ترامب»، بحيث أصبح أولئك الذين يفترض أنهم أكثر موضوعية وأقل انفعالا يرددون القدر نفسه من الخطاب العدائي.

وقد تعتقد النخب الأجنبية أيضا أنها لا تحتاج سوى إلى الانتظار حتى تنتهي فترة ترامب، وبعدها ستعود الأمور إلى طبيعتها.

لكن ترامب يستند إلى تيار أوسع من الانعزالية الأمريكية، بل إنه يعكسه أيضا، أو على الأقل يعكس رغبة في أن تُترك الولايات المتحدة وشأنها وألا تنخرط في صراعات بعيدة عنها، وهو تيار حاضر بقوة منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومن المرجح أن يؤيده أيضا الديمقراطيون بقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إذا وصلوا إلى السلطة، وعندها ماذا سيفعل الأوروبيون والأستراليون وغيرهم؟

قد لا تمانع بعض الأوساط السياسية اليسارية والخضراء في ذلك، كما أن روسيا والصين لن تمانعا، لكن لأسباب مختلفة، إذ ستشمان رائحة الفرصة، وفي نهاية المطاف، فإن الأمر ليس معقدا إلى هذه الدرجة.

وقال لي صديقي الذي استوقفه السؤال في أستراليا: «في نهاية المطاف، لست متأكدا من أننا نحن الذين لا يمكن التنبؤ بتصرفاتنا أو أننا غير جديرين بالثقة، سنقاتل، وسنقاتل من أجل الآخرين دون شك، لكننا لن نقاتل نيابة عنهم عندما لا تكون لديهم مصلحة حقيقية في المعركة».

وعندما تستغرق البحرية الملكية البريطانية أسبوعا لإرسال مدمرتها الوحيدة المتاحة باتجاه قبرص بعد أن استهدفت طائرات مسيرة إيرانية قاعدة بريطانية، وعندما لا تمتلك البحرية الأسترالية سوى نحو 11 قطعة بحرية قتالية سطحية لتغطية مساحة هائلة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن ذلك لا يعني أن هناك مصلحة حقيقية في المعركة، أو أن الآخرين يشاركون فعليا في تحمل أعبائها.