الحنين القاسي
الاثنين / 2 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:45 - الاثنين 14 سبتمبر 2026 20:45
فالمتحدث عن السجل الثقافي الاجتماعي يتجاوز مرحلة الطفولة كأنها لم تكن في تقويم العمر. لكن الطفل الذي ترعرع في الطبيعة وبين الجبال والوهاد يجد صعوبة بالغة في تجاوز كل تلك المرحلة بما فيها من بؤس وشقاء ومرح وفرح أيضًا.
فالبيئة ذاتها التي كانت قاسية على الطفل في بداية تشكل وعيه، وهيمنت على تفكيره، بل وكانت جزءًا من مخاوفه، هي التي ستتحول إلى مصدر إلهام وتعافٍ، وتضبط لديه إيقاع المشاعر والأحاسيس.
ففي الصرب يدر الضرع، ويحين الصراب، أي الحصاد للمزروعات الموسمية، ويكثر السمن، ويهدأ البحر، ويبدأ موسم فتوح البحر وقدوم المراكب المحملة بالبضائع.
ومع ذلك الاهتمام، إلا أن الأضواء مُسلطة على جانب أصبح مُستهلكًا من كثرة تعرضه للعرض. لأن «الخطليت» كانت مناسبة اجتماعية مرتقبة، يُشارك فيها كل أفراد الأسرة ذكورًا وإناثًا، والأطفال والشباب، فقد كانت مناسبة للقاء والتعارف والفرح، فالأطفال مع الأطفال والبنات مع البنات والشباب مع الشباب، يؤدون الأدوار الموكلة إليهم في مشهد اجتماعي متكامل، لا ينفصل فيه العمل عن البهجة، ولا تنفصل العادة عن معنى الانتماء.
فإذا سرحت النوق صباحًا إلى المراعي، غدت المعاطن فضاءً للعب والضحك، ولا سيما لعبة (الآقات) أو «اليوس» في بعض المناطق.
وفي الأيام الأخيرة من «الخطليت»، يتوغل أصحاب النوق بعيدًا، فيرسلون من يجلب المصابيح والأغطية وأواني حلب النوق، شاهدةً على بساطة الحياة وتماسك الجماعة. أما الأطفال فيستمرون في تحويل المعاطن إلى ساحة للعب، وخاصة لعبة الاختباء، وتجتمع النسوة ويسردن القصص والحكايات المؤثثة بقصص الجان وأهل الخفاء، ومع ظلام الليل وأصوات الحشرات ونور القمر، يصبح المكان أكثر ألفة وأكثر أُنسًا.
ومن هنا تبدو الطفولة، رغم قسوتها أحيانًا، خزانًا روحيًا لا ينضب؛ كلما ابتعد الإنسان عنها عاد إليها باحثًا عن معنى أكثر صفاءً، وعن زمن كان الفرح فيه بسيطًا، لكنه عميق المعنى في القلب والذاكرة.