اجتماع صلالة فرصة نادرة قد تمهد لتسوية حرب الخليج الرابعة
الاحد / 1 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:13 - الاحد 13 سبتمبر 2026 20:13
يقدم اجتماع صلالة الذي بادرت سلطنة عمان بالدعوة إليه حدثا استثنائيا وفريدا تتجمع فيه لأول مرة منذ فترة طويلة دول الخليج العربية مع إيران.
وهي تتجمع أيضا لمناقشة قضية تخص أمنها وأمن المنطقة المشترك مع بعضها البعض بدون حضور أو تدخل خارجي.
الأهم من ذلك أن اختيارها الجلوس معا هو انتصار مرحلي لتقدم مفهوم التفاوض على الصراع، وينطوي على شجاعة وروح قيادية من الداعي والمدعوين استطاعت التغلب على مرارة استمرار حرب الخليج الرابعة التي ما زالت جارية بوتائر متباينة عسكريا واقتصاديا، وتشهد تبادلا متقطعا، ولكن مؤسفا للهجمات بين ضفتي الخليج التي عاش شعبها العربي والفارسي آلاف السنين معا، وسيعيشون معا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لكن قيمة هذا الاجتماع تكمن في الفرصة المواتية التي يقدمها ليس فقط لحل الشق المستعجل الأهم المتعلق بالاتفاق بحل أزمة إغلاق مضيق هرمز عبر إقرار المسار البحري الجديد كترتيب مؤقت لاستعادة حرية الملاحة الدولية، ولكن أيضا تكمن الفرصة الفريدة في قدرة المشاركين فيه لرفع الطموحات إلى ما بعد الحرب أي لتحقيق مسار طال انتظاره؛ أي أن تتطاول الإرادة السياسية لوضع الأساس لإنشاء بنية أمن إقليمي خليجي تتمتع بقبول دولي وإقليمي وعربي، ويضمنها قرار أممي من مجلس الأمن الدولي.
لماذا رغم الحرب -بل ربما بسبب الحرب- تنفتح بهذا الاجتماع طاقة ضوء في النفق المعتم الذي دخلته المنطقة خصوصا منذ بدء الحرب على إيران في ٢٨ فبراير الماضي؟
لقد تبدى بوضوح لدول الخليج خاصة العربية في الأسابيع الأخيرة - وهي من دفعت الثمن الفادح لحرب لا ناقة لها ولا جمل لم تكن فيها مصلحة إلا لرجل واحد هو بنيامين نتنياهو- أن هذه الحرب تبدو بلا أفق زمني محدد للنهاية، بل الأخطر من ذلك أنها تشهد اتساعا في دائرتها، لتشمل كامل الجزيرة العربية، وتنتقل من هرمز والخليج وبحر عمان وبحر العرب إلى البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والقرن الأفريقي.
وبعبارة أوضح فإن الاجتماع كمبادرة من سلطنة عمان وكاستجابة شبه جماعية من دول المنطقة هو إعلان ضمني أن دول المنطقة لا تريد أن يكون قرار إنهاء الحرب بيد غيرها كما كان قرار شنها، وأنها تريد أن تشارك أو تمسك على الأقل بقدر من مقاليد الأزمة؛ حتى توقف اتساع نطاقها، وتقصر مداها الزمني الذي يبدو الآن مقلقا وغير محدد، بل ويربط بانتخابات أمريكية وإسرائيلية محلية مرة أخرى لا علاقة للخليج وأمن شعوبها المهدد واقتصادها الذي ضربته الحرب بقسوة غير مسبوقة بها البتة.
دول الخليج لن تحتمل ترك مصير الحرب يقررها الأمريكيون والإسرائيليون والإيرانيون وحدهم؛ فقد جربت ذلك، فتعرضت لأخطر تهديد وجودي جماعي منذ خروج بريطانيا الشهير من شرق السويس ومنطقة الخليج قبل ما يقرب من ٦٠ سنة.
فحتى حرب الخليج الأولى بين العراق كانت دول المجلس بشكل عام خارج المواجهة العسكرية. وفي حرب غزو الكويت كانت دولة واحدة من دول المجلس هي التي تعرضت للحرب.
في حرب غزو العراق كانت بعض مناطقها ممرا استراتيجيا للمجهود الحربي الأمريكي البريطاني، لكن كانت كدول وشعوب بعيدة كليا عن الحرب.
اتساع نطاق الحرب وغياب الحسم العسكري فيها يقدم مناخا تتجه فيه دول المنطقة على الأقل إلى ما يعرف بنضوج استعداد الأطراف لحلول وسط و(win win situation)، وهو وضع كانت المنطقة وصلت إليه عند توقيع مذكرة التفاهم في إسلام أباد قبل الانقلاب عليها.
في هذا الوضع يعترف الإيرانيون بأن الحرب والحصار وتشديد العقوبات قد أنهكت الاقتصاد، ووضع الشعب الإيراني في معاناة شديدة، وهي بهذا المعنى مستعدة لحلول وسط مع دول المنطقة، وليست في وضع يسمح لها بأن تطلب صيغة أمنية تحقق لها مثلا ما كان الشاه يسعى إليه من هيمنة فارسية علي المنطقة نائبا عن واشنطن، وليست في وضع يسمح لها بالانفراد بالتحكم الكامل في مضيق هرمز، وتجاهل حرية الملاحة الدولية وحقوق المرور البريء، بل تقبل بوضع يضمن لها ولعمان سيادتهما يشرفان على الملاحة كدولتين مشاطئتين لا قوى أجنبية.
ما وفرته خبرة الحرب من عجز الأمريكيين على حماية دول المنطقة من الهجمات الإيرانية، وتوصلها إلى استنتاج استراتيجي شبه جماعي بأنها لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد على مصدر واحد للحماية، وهو المظلة والقواعد الأمريكية، ويجب عليها الوصول لترتيبات أمنية بنفسها سواء عبر التفاوض مع إيران، أو تنويع خيارات تحالفاتها الأمنية مع أطراف إقليمية، كما حدث مؤخرا في اتفاق مكة مثل تركيا وباكستان.يستند الاجتماع في صلالة اليوم إلى إنجاز استراتيجي وأساس صلب أنتجته جولات تفاوض شاقة وصبورة بين مسقط وطهران حملت فيه سلطنة عمان على عاتقها مصالح الحفاظ على حقوقها السيادية على جنوب المضيق ومصالح شقيقاتها في مجلس التعاون بعدم فرض رسوم عبور ومصالح المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي في ضمان حرية الملاحة، وتطبيق قواعد القانون الدولية.
هذا الإنجاز أي التفاهم العماني - الإيراني على ترتيبات مؤقتة لمضيق هرمز يشمل مخرجا مشرفا للجميع بما فيها الولايات المتحدة؛ فالسيادة الوطنية لعمان وإيران، وليس لطرف أجنبي موجودة. وإشراك دول المنطقة في ترتيب جماعي قائم. وتحييد فكرة الانفراد الإيراني بالتحكم في قواعد المرور، وتثبيت أنه مضيق دولي يهم العالم كله وتحترم فيه حرية الملاحة والمرور البريء واضحة جدا في الصيغة التي تم التوصل إليها بين مسقط وطهران.
تقدم الصيغة مخرجا مشرفا للجميع؛ فهي تسقط المطالب المتشددة للطرفين المتحاربين؛ فلا هو مضيق ترامب، ولاهو مضيق الحرس الثوري، وتعطي أمريكا مكسب فتح المضيق وضمان حرية الملاحة، وتعطي عمان وإيران حقهما الذي لا يقبل المساومة وهو السيادة على الضفة الوطنية لكل منهما على جانبي المضيق؛ أزواج متبادلة من التنازلات يقابلها أزواج متبادلة من المكاسب.
تعطي الصيغة -وهذا هو الأهم لدول المنطقة- مساحة وهامشا للدفاع عن المصالح الوطنية دون قطيعة مع أمريكا، وتطوير خبرة الحرب، وجعل الوجود العسكري الأمريكي في إطار ثنائي مع كل دولة، وليس حلفا جماعيا عربيا أمريكياً إسرائيليا تحت القيادة المركزية موجها ضد الضفة الأخرى للخليج.
يعطي الاجتماع فرصة للطرفين للتخلي عن وهم يطيل الحرب، وهو أن الوقت يمضي لصالحي، سواء من الإيرانيين أو من الأمريكيين، أو حتى من بعض أطراف الخليج.
تصريحات الرئيس الحالي بزشكيان والأسبق روحاني عن ضرورة التفاوض وإنهاء الحرب تكشف عن تنبه إيراني رسمي لعدم دقة فكرة الوقت ولا روح الانتقام من ترامب والشعب الإيراني يعاني في حياته اليومية ربما بما يفوق طاقة البشر.
الأهم من ذلك أن هذا هو الوقت المثالي لاختبار مشروعات بإنشاء بنية أمن إقليمي خليجي يتم تداولها منذ أكثر من ٦٠ سنة منذ عهد الشاه وليس فقط منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وتوجد فيه أفكار عمانية شديدة الواقعية، وتضمن صيانة أمن المنطقة بحقوق متساوية.
يمكن أيضا الاستفادة من مشروعي خاتمي وروحاني اللذين طرحتهما طهران على المنطقة، وهناك مشروع الأمير سعود الفيصل والمشروع الصيني والمشروع الروسي، وجميع هذه المشروعات تحتوي رغم اختلافات على قواسم مشتركة يمكن استخلاصها والتوصل لإطار أمن خليجي مشمول بضمانات دولية.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري