وصفها بايدن وترامب بالإبادة الجماعية ثم انصرفا عنها!
الاحد / 1 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:14 - الاحد 13 سبتمبر 2026 20:14
ترجمة: أحمد شافعي
عندما يجتمع قادة العالم في نيويورك هذا الشهر في الجمعية العامة للأمم المتحدة أتوقع منهم أن يتعمدوا تجاهل أسوأ كارثة إنسانية في العالم، أي أهوال السودان التي وصفتها إدارتا بايدن وترامب بالإبادة الجماعية، ثم حدد الرئيس ترامب المسار بتخفيضه المساعدات للسودان.
كيف تبدو الأزمة على الأرض؟ دعوني أحكي لكم عن فتاة شديدة الذكاء في الثالثة عشرة من العمر طلبت عدم الإفصاح عن اسمها خشية أن تتعرض هي وأبواها للقتل في حال كشفه. هي فتاة ذات بشرة ملساء ووجه بيضاوي وجبهة شماء، وعلى شعرها وشاح أحمر.
كانت في السنة الماضية من المتفوقين في الصف الخامس ضمن ستين تلميذا في فصلها بمدينة الفاشر الواقعة في منطقة دارفور بالسودان، وتحلم بأن تكون طبيبة حينما تكبر. قالت لي: كنت أريد أن أساعد الناس وأسعفهم،
لكن ميلشيا وحشية تعرف بقوات الدعم السريع حاصرت المدينة، ومنعت أغلب إمدادات الغذاء، وناشد عمال الإغاثة وخبراء السياسة قادة العالم ومنهم الرئيس جو بايدن أولا ومن بعده ترامب؛ لكي يحاولوا منع قوات الدعم السريع من ارتكاب مجزرة في أهل المدينة. فلم يفعل أي منهما الكثير، وصدقت النبوءات واجتاحت قوات الدعم السريع الفاشر في أكتوبر الماضي، وارتكبت مجزرة في قرابة ستين ألف شخص.
حاولت أسرة الفتاة الهرب، لكن نقطة تفتيش تابعة للقوات أوقفتها وفق روايات الفتاة وأربعة من أفراد أسرتها حاورتهم عبر تطبيق زوم بمساعدة عامل إغاثة أعرفه.
قالوا: إن الرجال والصبية الذكور انفصلوا عنهم بتهديد السلاح، ثم احتجزت النساء والفتيات لأربعة أيام في ما يعد معسكرا للاغتصاب.
حكت لي البنت أن مأساتها بدأت ـ وهي في الثانية عشرة من العمر ـ حين جردها رجلان من ثيابها، واعتديا عليها.
قالت بصوت واهٍ مطأطئة الرأس: إنهم «كانوا يأتون كل يوم لاغتصابي؛ ففي أحيان واحد، وفي أخرى اثنان، وأحيانا ثلاثة وسط صراخي». وتعرضت أختها ووالدتها أيضا لاغتصاب جماعي يوميا كما قلن لي، وقالت لي خالة كبيرة في السن: إنها حاولت التدخل، فتعرضت للضرب.
في اليوم الخامس وافق قائد الميلشيا على إطلاق سراح النساء والفتيات، لكنه قال: إن الرجال والذكور سيقتلون. قالت والدة الفتاة: «إننا توسلنا إليهم ألا يقتلوهم»، فسمح القائد أخيرا للجميع ومنهم الرجال والصبية بالمضي بعدما استولى على ما كان بحوزتهم من أغراض. ففقد بعض أفراد المجموعة جميع ثيابهم، واضطروا حسبما قالوا إلى أخذ ثياب جثث من لقوا مصرعهم في نقطة التفتيش.
لكن الفتاة عانت من جريمة أخرى لم تستطع هي وأسرتها الحديث عنها إلا بشق الأنفس.
فالجماعة العرقية التي تنتمي إليها لا تختن الفتيات في حين تختنهن جماعات أخرى كثيرة في السودان، وبجور فادح في كثير من الأحيان.
قالت خالة الفتاة -وهي قابلة-: إنها استعملت علاجا عشبيا موروثا لإيقاف النزيف، ثم خاطت الفتاة بإبرة وخيط. وقال أفراد من الأسرة: إن الجرح تلوث، وربما تفاقمت حالته بسبب عدوى جنسية أيضا.
وصلت الأسرة أخيرا إلى معسكر للنازحين بعرف بـ(الطويلة)، واستقرت هناك مع نحو سبعمائة ألف غيرهم من الناجين من الصراع. أنجبت أخت الفتاة في هذه السنة طفلا هو ابن ذلك الاغتصاب، وكانت ترضعه بينما تتكلم معي. أما الرجال فلا يحكون ما جرى لهم في فترة احتجازهم، لكن النساء حكين أنهن رأين بعض الصبية والرجال يتعرضون أيضا للاغتصاب.
ما الدافع إلى هذه الوحشية؟ هو جزئيا تنافس على الأرض بين الأعراق. وهو جزئيا رغبة أطراف خارجية في السيطرة على السودان والبحر الأحمر. وهو جزئيا عنصرية تجاه الأفارقة السود غير العرب.
حكت والدة الفتاة «أنهم كانوا يقولون لي كلمات شديدة السوء، فينعتوننا بالعبيد والكلاب، وقالوا: إن الأفارقة عبيد لهم». ومثل تلك الأقوال شائعة خلال الهجمات على الجماعات العرقية الأفريقية.
ليس بوسعي تأكيد تفاصيل هذه الهجمة، لكن العديد من أفراد أسرة الفتاة أكدوا الرواية. وقال عاملا إغاثة في المعسكر -طلبا عدم الإفصاح عن هويتيهما حرصا على أمنهما-: إنهما سمعا الرواية نفسها من الأسرة. وأفادت جماعات إغاثة من قبيل منظمة العفو الدولية أيضا بوقوع قتل واغتصاب جماعيين هناك، وتتفق هذه الروايات مع تقاريري التي كتبتها عن المذبحة في دارفور.
قالت جانتي سوريبتو رئيسة منظمة (أنقذوا الأطفال): إن روايات أسرة الفتاة تتوافق مع ما عرفته في رحلة قامت بها إلى دارفور هذا العام لتفقد عمليات المنظمة هناك.
قالت: «لقد رأيت عواقب ذلك العنف والندوب التي تخلفت عنه، المادي منها والمعنوي، وتكلمتْ مع زميلة في وجهها ندوب من جراء قتالها لحماية ابنتها ذات ستة عشر عاما».
أضافت سوريبتو أن الوضع مزر، وقالت: إن «الاستجابة إجمالا لا تزال غير كافية لتلبية احتياجات البلد الإنسانية المتزايدة».
بوجه من الوجوه هذه مقالة عديمة القيمة؛ فليس فيها خبر جديد، فمنذ أكثر من ثلاث سنوات من هذه الحرب يقتل رجال مسلحون ويغتصبون وهم آمنون من العقاب، ويتضور عوام الناس جوعا.
إليكم إطارا آخر للفكرة نفسها. بعد الهولوكوست وبعد الإبادتين الجماعيتين الكمبودية والرواندية كانت المقولة المتواترة (وغير الصادقة صدقا تاما) على ألسن القادة هي هذه: ليتنا كنا علمنا. ولا مجال لهذه الذريعة فيما يتعلق بالسودان؛ فقادة العالم على علم تام بهذه الأعمال الوحشية الجماعية، ولكن موقفهم في الغالب هو الحرص على غض البصر والتزام الصمت.
ثمة وفرة من الأدلة المدعومة بتقرير للأم المتحدة -صدر هذا الشهر- على أن دولة خليجية تسلح وتدعم قوات الدعم السريع، لكن بايدن رفض أن يطالبها علنا بإيقاف شحنات الأسلحة.
ويتردد أن إيران وبلادا أخرى عربية تدعم القوات المسلحة السودانية، وهي الطرف الآخر في هذه الحرب الأهلية، وأفادت نيويورك تايمز وواشنطن بوست في الآونة الأخيرة بأنها ربما استعملت أسلحة كيميائية. فلن ينسى التاريخ لأطراف هذه الحرب قسوتهم مثلما لن يسنى للمواطنين العاديين بطولتهم ولقادة العالم عدم اكتراثهم.
إلى اليوم لم تتعاف الفتاة من العنف الذي تعرضت له.
قالت: «لا أستطيع أن أمشي مشية طبيعية» بسبب آلام الحوض الناجمة عن الاغتصاب والتشويه التناسلي.
وفي معسكر الطويلة لا تتوافر رعاية طبية كافية لها، أو مدرسة تلتحق بها، بل إن أسرتها عاجزة عن الحصول على خيمة، فهي وأخريات يعشن في كوخ عشبي أقمنه، لكنه لا يقيهن البلل عند هطول المطر. وبرغم توزيع بعض الأطعمة، لكنها غير كافية.
قالت والدة الفتاة: «إن الناس يعانون حقا من عدم كفاية الطعام»، وأكد عمال الإغاثة أن الحاجة ماسة إلى مزيد من الطعام وغيره من أسباب الرعاية.
وقد تكون هذه الفتاة محظوظة؛ لأنها لم تفقد من أفراد أسرتها أحدا، ولأنها خلافا لأختها لا تكافح من أجل تربية طفل هو ابن أحد مغتصبيها. وقد كتبت في رحلة سابقة إلى المنطقة عن قرية قتلت فيها قوات الدعم السريع جميع رجالها وكل صبي يتجاوز عمره عشر سنين.
ولكن محض الظن بأن هذه الفتاة قد تكون سعيدة الحظ يعني أننا خذلنا شعب السودان أشد الخذلان.
وأمر آخر؛ حينما أكتب عن حقوق الإنسان والكوارث في أماكن من قبيل السودان أجد الحوار ينحرف في كثير من الأحيان إلى نقاشات حول غزة.
فيتساءل أنصار إسرائيل -ولهم في ذلك بعض الحق-: لماذا لا يدين طلبة الجامعة المناصرون للفلسطينيين حصيلة قتلى السودان برغم كونها أكبر حجما؟ ويرد الطلبة -ولهم أيضا بعض الحق-: نحن على الأقل فيما يتعلق بالسودان لا ندفع إسهاما في جرائم الحرب.
ورأيي أن من يشمئز فقط من اغتصاب السودانيات على أيدي العرب، أو يشمئز فقط من اغتصاب الفلسطينيات على أيدي الإسرائيليين إنما يشغله الفريق الذي ينتمي إليه، وليس حقوق الإنسان.
وللإنصاف يعارض كثير من وسط حقوق الإنسان جميع الأعمال الوحشية. ويجدر بالذكر هنا أن بعض أشد أعضاء الكونجرس التزاما بمحاسبة إسرائيل من أمثال السناتور كريس فان هولين عن ولاية ميريلاند هم الأشد سعيا إلى على إيقاف دعم الأعمال الوحشية في السودان. في الوقت نفسه يحتاج ثلثا شعب السودان البالغ عدده قرابة ثلاثة وخمسين مليون نسمة مساعدات غذائية منقذة بحسب ما تقول الأمم المتحدة التي لا تتلقى إلا قرابة 40% من التمويل الذي طلبته.
وفي العام الماضي قدّر توم بيريلو أن حرب السودان الأهلية قد تكون أسفرت عن مصرع أربعمائة ألف شخص من جراء العنف أو الجوع أو المرض، لكنه وغيره يعترفون بأن أحدا لا يعرف بدقة حصيلة الموتى.
مؤكد أن قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة سوف يلقون خطبا جليلة عن السلام، لكنهم يبدون غير مهتمين بالمحاسبة أو بتوفير المساعدة الكافية.
لقد قال توم فليتشر ـ مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة لمجلس الأمن: إن «شعب السودان بحاجة إلى الغذاء والماء والدواء، لكن العالم يرسل إليه المسيرات والأسلحة والمرتزقة».
وأضاف مبرزا نقطة مهمة أن «هذا المجلس ليس عديم الحيلة»، وأن «المجتمع الدولي ليس عديم الحيلة، وأن مأساة السودان ليست أننا لا نعرف ما الذي يجب عمله، وإنما في أننا لم نجد بعد الإرادة اللازمة لعمله».
نيكولاس كريستوف من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ 2001