الشراكة العسكرية بين كوريا الشمالية وروسيا لها تداعيات تتجاوز أوكرانيا بـ"كثير"
الاحد / 1 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:06 - الاحد 13 سبتمبر 2026 20:06
لندن'د. ب. أ': تتجه العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا إلى مزيد من التقارب، مع توسع التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بما يثير تداعيات تتجاوز حدود الصراع إلى أمن شرق آسيا.
هذا ما أكده سونج-يون لي، وهو زميل مشارك في برنامج آسيا والمحيط الهادئ بالمعهد الملكي للشؤون الدولية 'تشاتام هاوس'، ومتخصص في شؤون كوريا الشمالية، وذلك في تقرير نشره المعهد.
وقال سونج إنه جرى هذا الأسبوع افتتاح أول جسر بري يربط كوريا الشمالية وروسيا، في أحدث مؤشر على تعمق الشراكة بين البلدين منذ بداية الحرب الروسية في اوكرانيا قبل نحو اربع سنوات ونصف.
وأضاف أن الشراكة العسكرية بين كوريا الشمالية وروسيا تجاوزت بكثير نطاق إمدادات الأسلحة القائمة على المصالح المتبادلة، والتي تطورت بعد بداية الحرب. وتتحول بيونج يانج بصورة متزايدة إلى جزء مؤسسي من القدرات الحربية لموسكو، من خلال تزويدها بالذخائر والصواريخ الباليستية والجنود. وفي المقابل، يحصل النظام الكوري الشمالي على موارد اقتصادية، وتقنيات عسكرية محتملة، وخبرة واسعة في الحرب الحديثة، وهي أمور سيجد صعوبة في الحصول عليها من أي مكان آخر.
-تعميق التعاون العسكري-
وقد تعزز التعاون العسكري منذ أن وقع البلدان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في يونيو 2024.
وتقدر وكالة استخبارات الدفاع الكورية الجنوبية أن كوريا الشمالية أرسلت أكثر من 16 ألف فرد إلى روسيا منذ أكتوبر 2024، وقدمت أكثر من 15 مليون قذيفة مدفعية. وأقرت كوريا الشمالية نفسها للمرة الأولى في أبريل 2025 بأنها أرسلت قوات إلى روسيا، قائلة إن تلك القوات قاتلت إلى جانب القوات الروسية في كورسك. وأرسلت بيونج يانج لاحقا نحو ألف مهندس عسكري للمشاركة في عمليات إزالة الألغام.
وبحسب سونج، تواصل العلاقة العسكرية تطورها. وأفادت الاستخبارات الأوكرانية في أغسطس الماضي بأن وحدة صواريخ كورية شمالية تضم نحو 90 فردا بدأت الانتشار في منطقة فورونيج غرب روسيا. وقالت إن موسكو تتوقع أن يصل قوام الوحدة في نهاية المطاف إلى ما يصل إلى 120 صاروخا باليستيا وست منصات إطلاق. وكانت بيونج يانج قد زودت روسيا بالفعل بعشرات الصواريخ من طرازي 'كي إن -23' و'كي إن - 24'.
وقد يتم بعد ذلك ارسال أعداد أكبر بكثير. وأشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أغسطس إلى أنه سيتم في نهاية المطاف نشر 30 ألفا إلى 50 ألف جندي كوري شمالي إضافي.
وكانت الاستخبارات الكورية الجنوبية أكثر حذرا، إذ خلصت إلى أن بيونج يانج تستعد لاحتمال نشر قوات، لكنها لم تجد مؤشرات على أن ذلك بات وشيكا. ورفضت كيم يو جونج، شقيقة زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون والمعروفة بتصريحاتها الحادة، الادعاء الأوكراني ووصفته بأنه 'لا أساس له على الإطلاق'.
-منفعة متبادلة-
وقال سونج إن احتمال تنفيذ عملية نشر أخرى واسعة النطاق أمر ينذر بالخطر، لكن تحول كوريا الشمالية إلى ترسانة احتياطية لروسيا، وربما جيش احتياطي لها، بدأ بالفعل. ومن المرجح أن يستمر هذا التعاون لأنه يحقق منفعة متبادلة للجانبين.
وتحصل روسيا على ذخائر هي في أمس الحاجة إليها، إلى جانب صواريخ باليستية وقوة بشرية يمكن أن تعزز قواتها. وفي المقابل، تحصل كوريا الشمالية على تعويضات اقتصادية ومادية.
وتقدر دراسة صادرة عن كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن قيمة الذخائر والصواريخ الكورية الشمالية التي جرى توريدها بين سبتمبر 2023 وفبراير 2024 وحدهما تراوحت بين4.3 و4.8 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم مقارنة بحجم اقتصاد كوريا الشمالية. ولا يعني ذلك أن بيونج يانج تلقت دفعة نقدية تعادل هذه القيمة، إذ لا تزال شروط الصفقة غير واضحة، فيما اتخذ جزء على الأقل من التعويض الروسي شكل إمدادات أساسية، مثل النفط والغذاء وسلع استراتيجية أخرى.
لكن لهذا التعاون حدودا. فلا تستطيع كوريا الشمالية استنزاف مخزونات ذخيرتها أو قوتها البشرية إلى أجل غير مسمى، من دون إضعاف وضعها العسكري في الداخل. لكن سونج يقول إن 'النظام الشمولي' في كوريا الشمالية يسمح لنظام كيم بتحمل تكاليف، من بينها خسائر بشرية كبيرة في ساحة المعركة، وهي تكاليف قد تجد حكومات كثيرة صعوبة سياسية في تحملها والاستمرار فيها.
التداعيات بالنسبة لشرق آسيا
ويقول سونج إن هذه الديناميكيات تجعل الشراكة بين روسيا وكوريا الشمالية أكثر بكثير من مجرد قضية تتعلق بالأمن الأوروبي.
ويضيف أن أي مساعدة روسية تعمل على تحسين موثوقية الصواريخ أو قدرات الحرب الإلكترونية أو القدرات العسكرية الأخرى يمكن في نهاية المطاف دمجها في قوات بيونج يانج داخل البلاد. وقد يثبت ذلك قيمته بالنسبة لكوريا الشمالية في أي صراع مستقبلي مع كوريا الجنوبية أو اليابان أو الولايات المتحدة.
فعلى سبيل المثال، يجري اختبار الصواريخ الكورية الشمالية التي أُطلقت على أوكرانيا في مواجهة منظومات دفاع جوي زودت بها الدول الغربية كييف. وقد تساعد البيانات الناتجة عن ذلك بيونج يانج على تحسين تكتيكاتها في مواجهة منظومات دفاع مختلفة، لكنها مرتبطة تكنولوجيا بها، ويستخدمها حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا.
كما تعزز الشراكة الموقف الدبلوماسي لبيونج يانج. فالدعم الروسي وحده لا يفسر بشكل كامل تنامي الترسانة النووية لكوريا الشمالية أو برنامجها الصاروخي المتزايد التطور. لكنه يقلل اعتماد كيم على تحسين العلاقات مع واشنطن من أجل تخفيف العقوبات، أو الحصول على اعتراف دبلوماسي، أو تعزيز الشرعية الدولية.
كما تمنح الشراكة مع موسكو كيم مساحة أكبر للمناورة في التعامل مع الصين، الحليف التقليدي لكوريا الشمالية وشريكها الاقتصادي الرئيسي. فالمال الروسي والطاقة والتعاون العسكري يقللون قدرة بكين على استخدام اعتماد كوريا الشمالية الاقتصادي عليها كورقة ضغط. لكنهم لا يستطيعون أن يحلوا محل الصين بالكامل، إذ تضمن الجغرافيا والتجارة والعلاقات السياسية الممتدة منذ فترة طويلة بقاء بكين شريكا لا غنى عنه لبيونج يانج.
-التأثير على الدبلوماسية الأمريكية-
كل ذلك مهم في الوقت الذي يستكشف فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا إمكانية الدبلوماسية مع كيم جونج أون. ففي أغسطس، أمر ترامب وزارة الدفاع الأمريكية 'بخفض' المناورات العسكرية الأمريكية-الكورية الجنوبية 'بشكل كبير'، وقال إنها 'ترسل إشارة غير مناسبة ومعادية تماما' إلى كوريا الشمالية.
لكن بيونج يانج لم تقدم أي تنازل مقابل ذلك. وبدا أن كيم يو جونج تدعو ترامب فعليا إلى تقديم عرض أكبر، عندما أعلنت أن 'السياسة العدائية' للولايات المتحدة لم تتغير. وأجرت بيونج يانج اختبارات لصواريخ باليستية بعد فترة وجيزة من تصريحها.
ولا تزال واشنطن تمضي قدما في مناورة 'فريدوم إيدج' الثلاثية التي تستمر خمسة أيام مع كوريا الجنوبية واليابان، والتي بدأت في 7 سبتمبر. ويعكس ذلك حدود استعداد واشنطن للتكيف مع مطالب بيونج يانج، فعلى الرغم من أن ترامب خفض بعض المناورات الثنائية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، تظل الولايات المتحدة ملتزمة بالردع الثلاثي طويل الأمد، الذي يستهدف ليس كوريا الشمالية فحسب، بل الصين أيضا.
وفي الوقت الراهن، لا يترك ذلك مساحة كبيرة للتوصل إلى أرضية مشتركة تتيح استئناف دبلوماسية مقبولة لدى جميع الأطراف. فواشنطن غير مستعدة لتفكيك الهيكل الأمني الإقليمي الذي تعارضه بيونج يانج، بينما قلل الدعم الروسي حاجة كيم إلى قبول تنازلات محدودة من الولايات المتحدة. وبالتالي، تمنح موسكو كيم حرية أكبر للانسحاب من المفاوضات، ونفوذا أكبر للمطالبة بثمن أعلى مقابل العودة إليها.
-تحالف صُمم ليتجاوز الحرب-
كما تتوسع البنية التحتية المؤسسية الداعمة للعلاقة بين روسيا وكوريا الشمالية. ويضيف استكمال أول جسر بري فوق نهر تومين رابطا ماديا جديدا عبر الحدود إلى جانب خط السكك الحديدية القائم. وتوفر مثل هذه البنية التحتية أسسا عملية دائمة للعلاقة، تتجاوز ساحة المعركة في أوكرانيا.
وبحسب سونج، قد يقدم هذا الشهر دليلا إضافيا على الاتجاه المستقبلي للعلاقات. ويُعد يوم تأسيس كوريا الشمالية في 9 سبتمبر أحد أبرز المناسبات السياسية السنوية في البلاد، وقد يوفر لبيونج يانج منصة طبيعية للتأكيد على علاقتها بموسكو.
وبغض النظر عن أي مراسم، لم تعد العلاقة الثنائية ترتيبا قصير الأمد وقائما على المصالح المتبادلة. فقد أصبحت علاقة راسخة، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أوكرانيا.
وقد تشهد أزمة مستقبلية في شبه الجزيرة الكورية، أو حتى أزمة أوسع نطاقا في شرق آسيا، على سبيل المثال إذا تضمنت مضيق تايوان، كوريا شمالية تمتلك أسلحة اختُبرت في القتال وقوات مسلحة أكثر خبرة، بحسب سونج.
ويقول إنه لذلك، سيكون من الخطأ بالنسبة إلى صانعي السياسات افتراض أن أي وقف لإطلاق النار في أوكرانيا في نهاية المطاف سيؤدي تلقائيا إلى تفكك هذه الشراكة. فقد أدت الحرب الروسية إلى تسريع العلاقة، لكن هناك الآن أسبابا عسكرية واقتصادية واستراتيجية تجعلها تستمر بعد انتهاء الحرب.
وستحتاج واشنطن وسول وطوكيو إلى استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة شراكة ستستمر تداعياتها إلى ما هو أبعد بكثير من أي قمة. وينبغي أن تشمل هذه الاستراتيجية تعزيز مراقبة العقوبات وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية، مع مواصلة تكييف دفاعات الحلفاء الصاروخية والمضادة للطائرات المسيّرة استنادا إلى الدروس المستخلصة من أوكرانيا.
ويخلص سونج إلى أنه في جوهر الأمر، يجب أن تفترض أي استراتيجية أن بيونج يانج ستحتفظ بمعرفتها المكتسبة في ساحة المعركة وبجزء كبير من الدعم الروسي، بعد فترة طويلة من انتهاء القتال في أوكرانيا.