عمان اليوم

التشخيص المبكر لـ "جنف المراهقين" يمنع تطور الانحناء.. ولا علاقة للحقائب المدرسية بالإصابة

 


مع دخول الأطفال مرحلة النمو السريع بعد سن العاشرة، قد تلاحظ بعض الأسر تغيرا طفيفا في تماثل الكتفين أو ميلان الجذع، وهي علامات قد تشير إلى الإصابة بـ 'جنف المراهقين'؛ هذا التشوه الهيكلي الذي يثير قلق الوالدين إلا أن مستشفى خولة دعا إلى التشخيص المبكر الذي يفتح الباب أمام حلول تحفظية كالدعامات والتمارين المتخصصة، ليبقى الخيار الجراحي ملاذا أخيرا للحالات المتقدمة فقط، مؤكدا عدم وجود علاقة بين الإصابة بالمرض ووزن الحقيبة المدرسية أو طريقة الجلوس تسبب المرض.


مجهول السبب
وقال الدكتور عبدالرحمن بن علي الصبحي، استشاري جراحة العظام والعمود الفقري بمستشفى خولة: إن الجنف يُعد من تشوهات العمود الفقري التي قد تبدأ في أعمار مختلفة، إلا أن أكثر أنواعه شيوعا هو الجنف مجهول السبب لدى المراهقين، والذي يُعرّف بظهور الانحناء بعد سن العاشرة وقبل اكتمال النمو، موضحا: أن الغالبية العظمى من هذه الحالات لا تحتاج إلى تدخل جراحي، وإنما تتم متابعتها أو علاجها بوسائل تحفظية، مثل الدعامة في الحالات المناسبة، وفق درجة الانحناء وعمر المريض ومرحلة نموه.
وأوضح أن الجنف هو انحناء غير طبيعي في العمود الفقري يكون مصحوبا عادة بدرجة من دوران الفقرات، وقد يترافق مع تغيرات في الشكل الطبيعي للعمود الفقري، ولذلك يُنظر إليه باعتباره تشوها ثلاثي الأبعاد وليس مجرد انحناء جانبي، وينقسم الجنف إلى أنواع متعددة، من بينها الجنف مجهول السبب، والجنف الخلقي، والجنف المرتبط بالأمراض العصبية والعضلية، إضافة إلى أنواع أخرى تختلف بحسب السبب والعمر الذي تظهر فيه.
وبين أن الجنف مجهول السبب لدى المراهقين هو النوع الأكثر شيوعا، ويظهر خلال فترة النمو وقبل اكتمال النضج العظمي، ورغم أن السبب المباشر لهذا النوع لا يزال غير معروف، تشير الأبحاث إلى وجود عوامل وراثية وبيولوجية متعددة قد تسهم في ظهوره وتحديد شدته، إلا أنه لا يوجد حتى الآن عامل واحد يمكن اعتباره السبب المؤكد للمرض.
وأوضح أن الجنف قد يُكتشف أحيانا بصورة عرضية أثناء إجراء الأشعة لأسباب صحية أخرى، كما قد تلاحظ الأسرة بعض علاماته، ومن أبرزها عدم تماثل مستوى الكتفين، وبروز إحدى لوحي الكتف، وعدم تماثل الخصر، أو ميلان الجذع إلى أحد الجانبين، وقد يصبح عدم التماثل أكثر وضوحا عند انحناء الطفل إلى الأمام، وملاحظة مثل هذه العلامات تستدعي تقييما طبيا مناسبا بدل الاعتماد على الملاحظة المنزلية وحدها.
التشوهات الخلقية
وأضاف: إن هناك أنواعا أقل شيوعا من الجنف قد تظهر منذ الولادة أو خلال السنوات الأولى من عمر الطفل، ومن بينها الحالات الناتجة عن تشوهات خلقية في الفقرات، إضافة إلى الحالات المرتبطة ببعض الأمراض العصبية والعضلية، ويختلف تقييم وعلاج هذه الحالات بحسب السبب الأساسي وطبيعة التشوه.
وأشار إلى أن تسمية 'جنف المراهقين' ترتبط بظهور الجنف بعد سن العاشرة وقبل اكتمال النمو، موضحا: أن خطر زيادة الانحناء يكون أعلى خلال فترة النمو السريع، ولذلك تكون المتابعة مهمة بشكل خاص خلال هذه المرحلة.
وأوضح أن تقييم المريض يبدأ بالفحص السريري، ثم تُجرى عند الحاجة أشعة كاملة للعمود الفقري في وضعية الوقوف لتأكيد التشخيص وقياس درجة الانحناء باستخدام زاوية كوب، وتحديد موقع الانحناء ونمطه، إضافة إلى تقييم الاتزان العام للعمود الفقري والجسم ومرحلة النضج العظمي للمريض، وتساعد هذه المعلومات مجتمعة في تقدير خطر تقدم الانحناء ووضع الخطة العلاجية المناسبة.
وبيّن أن بعض المرضى قد يكون لديهم أكثر من انحناء في العمود الفقري، مثل وجود انحناء صدري أساسي وانحناء قطني تعويضي، أو نمط مزدوج، حيث قد يسهم الانحناء التعويضي في المحافظة على اتزان الجسم.
الانحناءات البسيطة
وحول درجات الجنف وطرق التعامل معها، أوضح أن الانحناءات البسيطة لدى الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في مرحلة النمو تخضع في كثير من الحالات للملاحظة والمتابعة الدورية، وتختلف فترة المتابعة بحسب درجة الانحناء وعمر المريض ومرحلة النمو وخطر التقدم، وقد تكون المتابعة كل عدة أشهر خلال فترة النمو، ثم تقل وتيرتها إذا استقر الانحناء.
وبيّن أن الدعامة الخارجية تُستخدم في حالات محددة، خصوصا لدى المرضى الذين ما زالوا في مرحلة النمو ولديهم انحناءات متوسطة معرضة للتقدم، وغالبا عندما تتجاوز درجة الانحناء نحو 25 درجة وتكون أقل من 45 إلى 50 درجة، مع اختلاف القرار من مريض إلى آخر، ويهدف استخدام الدعامة بصورة أساسية إلى الحد من تقدم الانحناء أثناء فترة النمو وتقليل احتمال الوصول إلى درجات قد تستدعي الجراحة، وليس إلى إعادة العمود الفقري إلى وضع طبيعي بصورة دائمة.
فوائد الدعامات
وأكد أن الدراسات السريرية أثبتت فائدة الدعامة في تقليل خطر تقدم الانحناء لدى المرضى المناسبين لها، كما أظهرت إحدى الدراسات السريرية الكبيرة أن استخدام الدعامة يزيد من احتمال الوصول إلى النضج العظمي دون تقدم الانحناء إلى درجات شديدة، وأن الالتزام بارتدائها وفق الخطة العلاجية يرتبط بزيادة فعاليتها.
وقال الدكتور عبدالرحمن الصبحي: إن معظم حالات جنف المراهقين لا تكون مصحوبة بألم واضح، وقد تكون المشكلة الأساسية مرتبطة بشكل الظهر أو القلق من المظهر الخارجي، إلا أن الألم الشديد أو المستمر، أو الألم غير المعتاد، خصوصا إذا ترافق مع أعراض عصبية، يستدعي تقييما إضافيا للتأكد من عدم وجود سبب آخر.
وقال: إن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعا الاعتقاد بأن حمل الحقيبة المدرسية يؤدي إلى الإصابة بالجنف، موضحا أنه لا توجد أدلة علمية مقنعة تثبت أن وزن الحقيبة المدرسية يسبب الجنف مجهول السبب، وقد تؤثر الحقيبة الثقيلة أو طريقة حملها في الوضعية والتوازن أو تسبب إجهادا وأعراضا لدى بعض الأطفال، إلا أن ذلك يختلف عن التسبب في الجنف الهيكلي، كما أن الجلوس بطريقة غير صحيحة أو الجلوس لساعات طويلة أمام المكاتب أو الأجهزة الإلكترونية لا يُعد سببا للجنف الهيكلي، وقد يؤدي الجلوس لفترات طويلة إلى إجهاد عضلي أو تغيرات مؤقتة في وضعية الجسم، لكنها ليست السبب المعروف للجنف مجهول السبب.
الأنشطة الرياضية
وفيما يتعلق بممارسة الرياضة، أوضح أن وجود الجنف لا يعني منع الطفل أو المراهق من ممارسة النشاط البدني في معظم الحالات، بل يُشجع على الحفاظ على النشاط والحركة بما يتناسب مع حالته، ويمكن أن تكون التمارين العلاجية المتخصصة جزءا من العلاج المحافظ لدى بعض المرضى.
وأشار إلى أن هناك برامج متخصصة تُعرف باسم التمارين العلاجية المتخصصة للجنف، ومن أشهر أساليبها تمارين شروث، والتي تعتمد على تصحيح وضعية الجسم في ثلاثة أبعاد، وتمارين التنفس والتحكم بالجذع وفق نمط الانحناء لدى كل مريض، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه التمارين قد تساعد في تحسين درجة الانحناء ودوران الجذع وبعض جوانب جودة الحياة لدى المرضى المناسبين، إلا أنها ليست علاجا سحريا ولا تُغني عن الدعامة أو الجراحة عندما تكون هذه الخيارات ضرورية.
وأكد أن العلاج الطبيعي العام وتمارين تقوية العضلات قد يكونان مفيدين في تحسين القوة واللياقة والوظيفة، لكنهما يختلفان عن برامج التمارين المتخصصة للجنف، كما أن الهدف من العلاج ليس بالضرورة إزالة الانحناء الهيكلي بصورة كاملة، وإنما التحكم في تطوره وتحسين المظهر وجودة الحياة بحسب الحالة.
الخطة العلاجية
وأوضح أن المريض الذي تكون لديه درجة جنف بسيطة يستطيع في الغالب ممارسة حياته بصورة طبيعية، وقد لا يكون الانحناء واضحا بشكل كبير، بينما يصبح التشوه الخارجي أكثر وضوحا مع زيادة درجة الانحناء ودوران الجذع.
وأشار إلى أن الخطة العلاجية لا تعتمد على درجة الانحناء وحدها، وإنما تأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل، تشمل عمر المريض، ومرحلة النضج العظمي، ومقدار النمو المتبقي، ونمط الانحناء، ومدى تقدمه مع الوقت، واتزان الجسم، إضافة إلى الأعراض والحالة الصحية العامة، لافتا إلى أنه لا توجد أدوية تعالج الجنف مجهول السبب لدى المراهقين، بينما يختلف التعامل مع الأنواع الأخرى بحسب السبب، خصوصا إذا كان الجنف مرتبطا بمرض عصبي أو عضلي أو تشوه خلقي.
وحذر من استخدام الأحزمة أو الدعامات التجارية التي تُسوّق باعتبارها علاجا للجنف دون تقييم طبي، موضحا أن الدعامة العلاجية تُختار وتُضبط وفق شكل الانحناء ودرجته ومرحلة نمو المريض، وأن استخدام دعامة غير مناسبة لا يُعد بديلا عن العلاج المتخصص.
وحول مدى انتشار الجنف في سلطنة عُمان، أوضح أنه لا توجد، بحسب المتاح من البيانات المحلية، دراسة سكانية وطنية شاملة يمكن الاعتماد عليها لتحديد معدل انتشار الجنف في سلطنة عمان بصورة دقيقة، ولذلك لا يمكن إعطاء نسبة مؤكدة، أما الدراسات الدولية فتشير إلى أن الجنف يُصيب نسبة محدودة من الأطفال والمراهقين، مع اختلاف النسب بحسب العمر وتعريف الجنف وطريقة الكشف.
التدخل الجراحي
وقال الصبحي: إن مستشفى خولة يستقبل تحويلات مرضى الجنف من مختلف المحافظات، وإن الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي تمثل جزءا من إجمالي الحالات، في حين يمكن التعامل مع عدد أكبر من المرضى بالمراقبة أو وسائل العلاج غير الجراحية بحسب شدة الانحناء ومرحلة النمو.
وحول التدخل الجراحي، أوضح أن الجراحة تُناقش عادة في الانحناءات الكبيرة، وغالبا عندما تبلغ درجة الانحناء نحو 45 إلى 50 درجة أو أكثر، أو عندما يكون هناك خطر واضح لاستمرار تدهور الانحناء، مع الأخذ في الاعتبار العمر والنمو والتوازن ونمط التشوه وتطور الحالة مع الوقت، وتهدف الجراحة إلى تصحيح التشوه وتحسين اتزان العمود الفقري والحد من خطر استمرار التقدم في الحالات المناسبة.
وبيّن أن الانحناءات الكبيرة، خصوصا التي تتجاوز نحو 50 درجة، يمكن أن تستمر في التقدم بعد اكتمال النمو، كما تشير الدراسات طويلة المدى إلى أن بعض الانحناءات المتوسطة والكبيرة قد تستمر في الزيادة تدريجيا خلال مرحلة البلوغ، ولذلك يتم اتخاذ قرار الجراحة بعد مناقشة جميع العوامل المتعلقة بالمريض، وليس اعتمادا على رقم واحد فقط.
وبيّن أن توقيت الجراحة يُحدد بشكل فردي، إذ تؤخذ في الاعتبار درجة الانحناء، ومرونة العمود الفقري، ومرحلة النمو، والتوازن العام للجسم، وحالة المريض الصحية، ولا يعني ذلك أن إجراء الجراحة في أصغر عمر ممكن هو الأفضل دائما، وإنما الهدف هو اختيار التوقيت المناسب الذي يحقق أفضل توازن بين الفائدة والمخاطر.
تطور الجراحات
وأكد أن جراحات الجنف شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة مع تحسن تقنيات التخدير والمراقبة العصبية أثناء العملية وتقنيات التثبيت والتصحيح والرعاية بعد الجراحة، ويبدأ المرضى عادة بالحركة والمشي تدريجيا بعد العملية، بينما يختلف توقيت الخروج من المستشفى والعودة إلى النشاط الطبيعي من حالة إلى أخرى وفق نوع العملية وسرعة التعافي والبروتوكول المتبع.
وأوضح أن العودة إلى النشاط تكون تدريجية بعد الجراحة، وقد يُنصح بتجنب حمل الأوزان الثقيلة وبعض الأنشطة المجهدة خلال الأشهر الأولى، ويحدد الفريق المعالج توقيت العودة إلى الأنشطة المختلفة بحسب نوع الجراحة والتئام الجرح والتعافي والاندماج العظمي.
المفاهيم الخاطئة
وأكد الدكتور عبدالرحمن الصبحي أهمية تصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالجنف، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن الحقيبة المدرسية أو طريقة الجلوس تسبب المرض، أو أن كل طفل مصاب بالجنف يحتاج إلى عملية، أو أن الطفل المصاب بالجنف يجب أن يتوقف عن ممارسة الرياضة.
وأوضح أن الرسالة الأهم للأسر هي عدم الخوف من تشخيص الجنف، وفي الوقت نفسه عدم تجاهله، لأن اكتشافه خلال فترة النمو يتيح تقييم خطر تقدمه واختيار العلاج المناسب في الوقت المناسب، كما شدد على أهمية عدم استخدام الدعامات أو برامج العلاج غير المتخصصة دون تقييم طبي، وضرورة الاعتماد على المعلومات العلمية والتقييم الفردي لكل حالة.