أفكار وآراء

الإرث العُماني في شرق إفريقيا.. ذاكرة تعزز الحضور الثقافي والدبلوماسية الحضارية

في وقتٍ أصبح فيه التراث يحظى بأهمية متزايدة على المستوى العالمي بوصفه ركيزة للهوية والتنمية وأحد عناصر القوة الناعمة للدول، فقد أصبح الحفاظ على المباني التاريخية اليوم يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يركز على كونه نشاطا ثقافيا أو جهودا لترميم المعالم الأثرية ليؤدي دورا محوريا في حماية التراث، وإحياء الذاكرة الإنسانية التاريخية، وتعزيز الانتماء، وغدا استثمارا استراتيجيا في الهوية الثقافية الوطنية والحفاظ عليها، ودعم التنمية المستدامة.

ومن هذا المنظور فقد خلف العُمانيون إرثا ثقافيا في شرق إفريقيا متمثلا في تراثٍ ماديٍ وغير مادي يشهد على مرحلة محورية من تاريخ سلطنة عُمان، وعلى تجربة حضارية تركت بصماتها في شرق إفريقيا والمحيط الهندي. وتعتبر المباني التاريخية من أهم الشواهد الأثرية التي خلفها العُمانيون، وخاصة في زنجبار.

وفي إطار جهودها المستمرة لحماية هذا الإرث وصونه تعمل سلطنة عُمان على تنفيذ عدد من مشاريع ترميم وحماية هذه المعالم المعمارية التاريخية، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية في تنزانيا، والمنظمات الدولية ذات الصلة بالحفاظ على التراث؛ إيمانا منها بأهمية صون الإرث التاريخي المشترك، وترسيخ أواصر التعاون الثقافي والحضاري.

لقد كانت زنجبار في عهد البوسعيديين خاضعة لعُمان؛ حيث امتد حكمهم وشمل مناطق في شرق وشمال شرق إفريقيا مثل مومباسا وماليندي ومقديشو. وفي القرن 19 الميلادي مرت زنجبار بحقبة تاريخية مهمة بعد أن تحولت إلى مركز سياسي واقتصادي مهم لعُمان، وميناء تجاري عالميٍ شهد ازدهارا ملحوظا في حركة الملاحة والتجارة البحرية، وتداخلت فيه الثقافات العربية والسواحيلية والإفريقية والهندية إضافة إلى التطور العمراني والثقافي. وخلال حكمهم قام سلاطين البوسعيد بتشييد عدد من المباني من قصور وحصون لا تزال موجودة حتى اليوم كمبانٍ تاريخية ومواقع أثرية شاهدة على الحضور العماني في تلك الحقبة.

وتعتبر المدينة الحجرية (Stone Town) واحدة من أهم هذه المواقع الأثرية المهمة التي أدرجت في عام 2000م ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي؛ حيث تمثل شاهدا حيا على تاريخ طويل من التفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي بين عُمان وشرق إفريقيا.

ففي القرن 19م اتخذ السيد سعيد بن سلطان من زنجبار عاصمة له ومقرا لحكمه؛ وذلك بهدف تعزيز النفوذ العُماني في شرق إفريقيا، والاستفادة من الموقع التجاري الاستراتيجي لها.

ومن هذا المنطلق لم يكن انتقال مركز الحكم إلى زنجبار مجرد إجراء إداري، بل جاء انعكاسا لفهم استراتيجي لأهمية الموقع الاقتصادي والسياسي في منطقة المحيط الهندي. وفي ظل هذا التحول شهدت زنجبار ازدهارا عمرانيا وثقافيا، يتمثل في معالم تاريخية لا تزال قائمة حتى اليوم، مثل المدينة الحجرية التي تعكس شواهد معمارية وثقافية مهمة للوجود العُماني في زنجبار. ولعل من أشهر المباني التاريخية التي شيدها العُمانيون هو بيت العجائب الذي يعد من أهم المباني التاريخية في زنجبار، ويمثل قصرا كبيرا استخدم كمقر للحكم والاستقبالات والاحتفالات الرسمية.

ويعتبر بيت الساحل الواقع على واجهة المدينة الحجرية البحرية بالقرب من بيت العجائب من القصور الأخرى التي شيدها العُمانيون في زنجبار؛ حيث كان مقرا سكنيا لإقامة سلاطين عُمان. كما قام السلطان برغش بن سعيد ببناء قصر المرهوبي الذي لا تزال بقاياه واضحة على الساحل على بعد نحو 4 كيلومترات شمال المدينة الحجرية، وقد استخدمه مقرا لإقامة زوجاته وحاشيته.

وتعكس هذه المباني التاريخية والمواقع الأثرية بُنية دولة كانت تمتلك مؤسسات، ونظام حكم، ورؤية اقتصادية واضحة، وتعتبر واحدا من الأدلة الحية والأمثلة الواقعية المهمة على التواصل الثقافي والسياسي والاقتصادي بين سلطنة عُمان وتنزانيا.

وللحفاظ على هذا الإرث الثقافي العُماني يبرز الدور المهم الذي تلعبه سلطنة عُمان عبر التعاون الثقافي مع حكومة تنزانيا في تقديم الدعم المالي والفني لتنفيذ مشاريع ترميم وصيانة المواقع والمباني التاريخية التي تعود إلى فترة الحكم العُماني في شرق إفريقيا، وخاصة في المدينة الحجرية مثل بيت العجائب، وبيت الساحل والقلعة القديمة. وتسعى سلطنة عُمان من خلال هذه المشاريع إلى المحافظة على هذه الشواهد المعمارية، وإعادة تأهيلها لتجسّد عمق التاريخ والإرث الحضاري المشترك، وتعزيز العلاقات الثقافية مع تنزانيا. وتساعد سلطنة عُمان في وضع استراتيجيات الحفظ والصون لهذه المعالم الأثرية والتاريخية، وتقديم الدعم الفني لتنفيذ هذه الاستراتيجيات من خلال تبادل الخبرات، وتنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، ودعم المعارض والدراسات والبحوث عن المنجز الحضاري العُماني في شرق إفريقيا.

كما تسهم سلطنة عُمان في دعم الدراسات الهندسية وتقارير الحفظ والصون لحالة المباني الأثرية، والتعاون مع الجهات المختصة في عملية الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للمعالم التاريخية، وإدارة وصيانة المواقع التراثية إضافة إلى تطوير بعض المباني التاريخية، وتحويلها إلى متاحف ومراكز ثقافية في زنجبار؛ بهدف توثيق واستعراض التاريخ المشترك بين البلدين، ودعم السياحة الثقافية فيها.

وتشمل المساهمات كذلك تمويل المشروعات المتعلقة بحفظ الوثائق التاريخية التي تتناول تاريخ عُمان في شرق إفريقيا، وتأسيس مراكز أرشفة ومحفوظات لهذه الوثائق وما يتصل بها. يضاف إلى ذلك المساهمة في تدريب الكوادر في مجالات إدارة التراث الثقافي والمتاحف، وصيانة وترميم الأدوات الأثرية والمباني التاريخية.

إن ما تقوم به سلطنة عُمان اليوم من دور في الحفاظ على إرثها الحضاري في زنجبار يجسد منظورا أوسع واستثمارا في الذاكرة الوطنية يقوم على حماية الإرث التاريخي المشترك وصونه، وتعزيز أواصر التواصل الثقافي، وإظهار الدور الحضاري والتاريخي الذي جمع الشعبين عبر قرون طويلة من التفاعل والتواصل الثقافي والاجتماعي مما يُظهر عمق العلاقات التاريخية بين عُمان وزنجبار. فالحفاظ على المباني التاريخية في زنجبار يؤدي دورا في صون الذاكرة التاريخية، وتعزيز الانتماء بالهوية الوطنية، وترسيخ الوعي بأهمية تاريخ عُمان، وتأكيد دورها الثقافي الفاعل الذي قامت به في شرق إفريقيا. ويحمل هذا الحفاظ على المباني التاريخية والأثرية التي أسسها العمانيون في زنجبار شعورا لدى المواطن العُماني بالفخر بتاريخ بلاده ودورها الحضاري، وهو ما ينعكس عليه إيجابا من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والهوية الوطنية.

ومن هنا لا تقتصر الأهمية التي تكتسبها هذه الجهود على بعدها التاريخي وحده، بل تمتد إلى أبعاد أخرى منها البعد الوطني، وذلك من خلال ما قد تسهم به في ترسيخ ارتباط المواطن العُماني بإرثه الحضاري، ويُكوّن لديه وعيا راسخا بالإسهام الحضاري والسياسي الذي أدّته عُمان في نطاقها الإقليمي، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء، ويُجسّد مفهوم أن الهوية الوطنية تمتد إلى ما هو أبعد من الحيز المكاني لتشمل ما خلفته الحضارة العُمانية من تاريخ وعمارة وثقافة. وهنا يصبح التراث أداة تعليمية بقدر ما هو رمز ثقافي للأجيال القادمة التي قد لا تدرك عمق هذا التاريخ إلا من خلال ما تبقى من شواهده.

كما ينعكس هذا الحفاظ على الإرث العماني في زنجبار على الحضور السياسي الدبلوماسي؛ فهو يمثل إحدى أهم صور الدبلوماسية الهادئة التي اعتمدتها سلطنة عُمان في إدارة علاقاتها الدولية؛ إذ يُستثمر الإرث الثقافي والحضاري بوصفه وسيلة لتعزيز التواصل والشراكة. ويجسد التعاون العُماني مع جمهورية تنزانيا في مجال صون المعالم التاريخية أنموذجا للشراكة المرتكزة على الاعتزاز بالماضي المشترك، وحماية التراث الحضاري الإنساني؛ فقد أصبحت مشاريع التعاون الثقافي المختلفة منصة لتعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون من خلال مشاريع ثقافية وبحثية وسياحية تسهم في بناء جسور التواصل والتعاون الثقافي والسياسي بين البلدين. ويؤكد هذا التوجه دور سلطنة عُمان في الدبلوماسية الثقافية، والتزامها بتوظيف الرصيد الثقافي والإرث الحضاري بوصفهما وسيلتين لتعزيز التقارب بين المجتمعات، ودعم التفاهم الحضاري، وترسيخ مبدأ صون التراث الإنساني باعتباره مسؤولية مشتركة تتجاوز الاعتبارات السياسية.

ويمثل هذا التوجه أيضا إحدى ركائز القوة الناعمة -أي القدرة على التأثير من خلال الثقافة والتاريخ والهوية- التي تسهم في تعزيز مكانة سلطنة عمان وحضورها على المستويين الإقليمي والدولي؛ حيث إن المشاركة في دعم مشاريع توثيق وصيانة وترميم المعالم التاريخية في زنجبار، وتعزيز البحث العلمي، وبناء شراكات مع الجهات والمؤسسات الثقافية تعتبر أدوات تسهم في إبراز الدور الحضاري لعُمان في المحيط الهندي وشرق إفريقيا، وتجسّد استمرار تأثيرها الثقافي عبر الروابط التاريخية المشتركة بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو سيادية، وفي إطار يقوم على التعاون الثقافي، وتقدير الإرث الحضاري المشترك. وبالتالي يجسد الحفاظ على المكونات التاريخية صورة حضارية لعُمان تعكس تقديرها لتاريخها وحرصها على استدامة تراثها ونشر معرفته ما يعزز مكانتها الدولية، ويؤكد دورها في دعم حماية التراث الإنساني المشترك.

ومن ناحية أخرى يحظى هذا الإرث بـبعد آخر يتمثل في الجانب الاقتصادي الذي يتمتع بأهمية مماثلة لأبعاده التاريخية والثقافية والسياسية؛ فجهود المحافظة على الإرث العُماني في زنجبار تنعكس إيجابا على القطاع السياحي؛ حيث تُشكل المواقع التاريخية فيها أحد أبرز مقومات الجذب السياحي الثقافي ما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي، ويفتح آفاقا أوسع للتعاون بين سلطنة عُمان وتنزانيا في مجالات الاستثمار السياحي وتنظيم الفعاليات والمعارض والبرامج المشتركة التي تستثمر هذا التاريخ المشترك في خدمة التنمية المستدامةإضافة إلى الترويج للتاريخ العُماني على المستوى الدولي.

وعلى الرغم من الإنجازات والنتائج الإيجابية المحققة في مجال صيانة عدد من المواقع التاريخية، إلا أن حجم الإرث العُماني في زنجبار يحتاج إلى مزيد من الجهود ورؤية أكثر شمولا واستدامة، خاصة في ظل ما يواجهه من تحديات طبيعية تتمثل في تأثير المناخ الساحلي والرطوبة العالية التي تسرّع من تدهور المباني القديمة ما يتطلب صيانة مستمرة. يضاف إلى ذلك وجود مواقع تاريخية عديدة تعود إلى الفترة العُمانية لا تزال تنتظر إدراجها ضمن برامج الصيانة والترميم الشامل، والتوثيق العلمي الشامل الذي يعزز فهم قيمتها التاريخية والحضارية، ويقدم معالجة تاريخية تستند إلى الوثائق والأدلة العلمية والبحوث الأكاديمية، وتوضيح الدور العُماني في زنجبار.

ومع ذلك فإن التحدي لا يتمثل فحسب في الحفاظ على البعد المادي لهذه المواقع، ولكن في إدارة السردية التاريخية المرتبطة بها وتقديمها بصورة دقيقة. ففي سياق قد تُعاد فيه صياغة السرديات التاريخية تبعا لتوجهات سياسية يصبح الحفاظ على هذه الأدلة التاريخية ضرورة ذات أهمية مضاعفة. ومع التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة من حيث تزايد الاهتمام الدولي بالتراث الثقافي؛ فقد ظهرت محاولات عديدة لإعادة قراءة وتفسير تاريخ زنجبار؛ حيث يُظهر بعضها التزاما بالمنهجية والموضوعية بينما يحمل بعضها الآخر تفسيرات يمكنها أن تقلل من الدور العُماني، أو تنسبه مجددا إلى أطراف لم يكن لها دور فاعل أو حضور مؤثر خلال تلك المرحلة، أو تعيد توزيعه بصورة لا تتوافق بدقة مع المعطيات التاريخية. من هنا توجب هذه المعطيات تعزيز وتوسيع برامج التوثيق العلمي والأثري إضافة إلى تشجيع البحوث الأكاديمية المتخصصة في توثيق تاريخ العلاقات العُمانية-التنزانية، الأمر الذي يعزز تقديم قراءة تاريخية دقيقة تستند إلى الوثائق والمصادر الموثوقة.

ولذلك تستلزم المرحلة المقبلة رؤية استراتيجية طويلة المدى تشمل تبني نهجٍ متكامل لإدارة الموارد التراثية يتجاوز الاقتصار على أعمال الترميم إلى منظومة شاملة تُعنى بالحماية والاستدامة والاستثمار الثقافي.

ويمكن تطوير الجهود الحالية مثلا من خلال تبني برامج طويلة الأمد تشمل توسيع نطاق أعمال الصيانة لعدد أكبر من المباني التاريخية والأثرية، وإنشاء شراكات بحثية مع الجامعات والمؤسسات العلمية في تنزانيا لضمان حماية مشتركة ومستدامة لهذا الإرث، وتأسيس مراكز بحثية وثقافية مشتركة تركز على دراسة التاريخ العُماني في شرق إفريقيا والعلاقات العُمانية-التنزانية بما يسهم في إنتاج رصيد معرفي موثق عن الوجود التاريخي العُماني في زنجبار إلى جانب دعم السياحة الثقافية المرتبطة بالتراث العُماني من خلال تنظيم معارض وفعاليات ثقافية وبرامج تبادل ثقافي تبرز العمق التاريخي للعلاقات بين البلدين مما يعزز الدبلوماسية الثقافية.

يضاف إلى ذلك تشجيع إنتاج محتوى معرفي وإعلامي يوثق هذا الإرث، ويعرّف به بلغة معاصرة، ويبرز الدور الحضاري لعُمان في شرق إفريقيا.

كما يجب أن تشمل استراتيجية الإدارة تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، وفي مقدمتها اليونسكو بما يضمن صون وحماية المعالم التاريخية، وتقديمها بصورة صحيحة بما يضمن استمرار حضورها في الذاكرة المحلية والعالمية.

ونخلص هنا إلى أن الإرث العُماني في زنجبار يمثل رصيدا حضاريا واستراتيجيا ليس فقط من الناحية الأثرية-التاريخية، بل باعتباره أحد عناصر القوة الناعمة التي تعزز الهوية الوطنية، وترسخ حضور سلطنة عُمان الثقافي على المستويين الإقليمي والدولي. وقد برهنت الجهود المختلفة التزام سلطنة عُمان بصون هذا الإرث باعتباره جزءا من الذاكرة التاريخية المشتركة بين عُمان وشرق إفريقيا، وأحد المقومات التي تسهم في ترسيخ التعاون الثقافي، وتعميق الحوار الحضاري.

ولتدعيم هذه الجهود هناك حاجة إلى تبني رؤية متكاملة لإدارة هذا الإرث، وخاصة في ظل تنامي التنافس الدولي على السرديات التاريخية والرمزية.

د . ناصر الجهوري أستاذ في قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس