أعمدة

صناعة اللحظة..

يقال: «المرء في المحنة عي» والمحنة هي تلك اللحظة الزمنية الحرجة التي تمر علينا؛ حيث تتم الاستجابة لمثير ما يحفز فينا المواجهة الفورية، ونحن في قمة الارتباك، صحيح؛ أنه ليس شرطا أن تكون حالة الارتباك هذه تفقد الواحد منا تماسكه، أو تغيبه عن واقعه بصورة مطلقة، أو تذهب به بعيدا عن استحكاماته لانفعالاته ومشاعره، ولكنها في كل أحوالها هي لحظة حاسمة يتقرر فيها الكثير مما يجب فعله في تلك اللحظة، وبقدر حتمية حدوثها في حياتنا اليومية لأسباب كثيرة، هي في الوقت نفسه مهمة جدا لنمر على «أنبوب الاختبار» لندرك قدرتنا على تجاوز الكثير من المعضلات التي تمر علينا بحكم تفاعلاتنا مع من حولنا، أو بحكم مواجهة الأمر الواقع الذي يفرض علينا في مسائل القضاء والقدر،

ومع هذا الواقع تظهر المعادن «الأصيلة» للفرد؛ والأصالة هنا ليست شرطا تلك الذاهبة إلى الجذور «التسلسل الهرمي للأسر» ــ مع أهميتها ــ ولكن هي المكون المعنوي والفطري «المواهب» التي يستطيع من خلالها الفرد أن يتصرف، ويأتي بحلول إبداعية تنقذ صاحب المحنة من محنته، وتوصله إلى الضفاف الآمنة بعيدا عن الوقوع في براثن المشاكل وتعقيداتها.

تأتي صناعة اللحظة لتعيد مسارات الكثير من المواقف، والقرارات؛ ولكثير من مشاريع حياتنا اليومية؛ حيث لا مجال للتأخير، هذه الصناعة تذهب إما إلى إقامة علاقة جديدة، أو التنازل عن علاقة قائمة، تذهب إلى التفكير في مشروع جديد أو العدول عن مشروع قائم، تذهب إلى النظر كثيرا لما يدور حولنا،

فاتساع الأفق ليس معناه إعطاء مزيد من التأمل والتفكر ــ مع ضرورياته ــ إلا أن الوقت يكون غالبا ليس في مصلحة المسَوّفْ «فخير البر عاجله»، فالتسويف مخاطرة خاسرة، واتخاذ القرار العاجل وإن كان فيه مخاطرة أيضا، إلا أن تعجيله أهون من فوات الفرص التي لا تتكرر؛ حيث تكون الخسارة كبيرة عندئذ.

نعم؛ ونحن في زحمة صناعة اللحظة؛ قد نفقد شيئا من ما يجب أن يكون؛ وهذه ضريبة اللحظات الفارقة في حياة الناس، مقابل مجموعة من المكتسبات التي ننقذ بها أنفسنا حينها، مع التأكيد أن ليس كل فرد يستطيع أن يتعايش مع اللحظات الفارقة في حياته، حيث يتطلب الأمر؛ بالإضافة إلى المواهب الذاتية؛ الكثير من تجارب الحياة التي مرت واستطاع الفرد الاستفادة منها، ومن العمر المكتسب،

فأصحاب الأعمار الصغيرة؛ ربما؛ يكونون أكثر ارتباكا في مثل هذه اللحظات الحرجة، بحكم نقص الخبرة، إلا من تسعفه مواهبه، أما بخلاف ذلك، فإن هناك فرصة لتعاظم الأخطاء، ولتأزيم المواقف، والوقوف عند حد المعاياة؛ حيث تذهب بصاحبها الأفكار مشرقا ومغربا، ولذلك عدت صناعة اللحظة اختبارا صارما؛ ومحوريا إلى حد بعيد.

يحدث أن يرافق صناعة اللحظة شيء من التشنج؛ سواء في اتخاذ القرار، أو التعصب لرأي، وهذه الصورة؛ وإن عدت تجاوزا للحكمة في بعض الأحيان، إلا أنه يمكن معالجتها عندما تهدأ النفوس قليلا، ويعاد ترتيب الأوراق من جديد، ففي اللحظة الحرجة كثير ما تخرج مشاعر الفرد عن حالتها الطبيعية، ويرافقها الكثير من التشنج؛ خاصة؛ إذا كان أحد الأطراف لا يقبل رأيا مخالفا، أو حجة عقلية معتمدة، وهناك أطراف في كل المواقف لا يذهبون إلى الانحياز للحلول الوسط، بقدر ما يتعصبون لآرائهم، ويرون في الجدل؛ وإن كان مفضيا إلى نهايات سلبية؛ أنه السبيل الذي يحقق لهم ما يريدون، وهذا التصرف ليس سليما بالمطلق، والصحيح أن الفرد في مثل هذه المواقف مطالب بأن يبرز حججه، وأدلته على طاولة النقاش، ويفند واقعيتها فيما يطرحه من آراء، بأسلوب فيه من الحكمة والتعقل،

ويقينا من يكون هذه ديدنه سيكسب الرهان، مهما كانت اللحظة حرجة ومحرجة، فالمسألة ليست صراعا لإثبات الذات، بقدر ما تؤسس لحوارات عقلانية، تعلي من شأن القدرة على صناعة لحظة ما، في زمن قياسي، وتتحقق؛ في المقابل؛ نتائج على قدر كبير من الأهمية في حياة الفرد؛ أو الجماعة.