"السوريون" للحامدي: جغرافيا الذاكرة في قصائد
الجمعة / 28 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:00 - الجمعة 11 سبتمبر 2026 19:00
يحاول عبد الله الحامدي من خلال ديوانه الأخير «السوريون» الصادر عن دار نينوى، أن يستعيد سوريا من خلال الذاكرة: مدينةً وقريةً ونهراً وأغنيةً ووجهاً، ثم يضعها في مواجهة المنفى والحرب والاقتلاع وأسئلة الإنسان التي لا تنتهي.
لم يفارق الشاعر الحامدي في غربته وجه الوطن؛ بقي متمسكا بكل تفاصيله صغيرها وكبيرها، ولم يترك ذكرياته تتبعثر في غياهب النسيان، فهو يحمل بين جنباته كل لحظات العشق مثلما يتجرع غصات البعاد.
الحامدي المترع بحكايا الوطن الذي يحمله أينما ذهب، يدون أسفاره في ذاكرته الحية وهو الذي تنقل كثيراً ويحمل من كل شبر فيه ذكرى وقصة وغصة لم تلهه انشغالاته الكثيرة في العمل الثقافي والإعلامي عن قصائده التي تدغدغ شغفه لكل مكان ترك فيه بصمة.
منذ قصيدة «آثاري» يضعنا الشاعر أمام سوريا التي لا تُرى في الخرائط وحدها، وإنما في آثارها وذاكرتها. الآثار عنده تتكلم وتصرخ وتسأل؛ إنها كائن يستيقظ مذعورا من نومه، يبحث في المدارس والحارات عن أسماء تلاميذ ذُبحوا في ساحاتها. وفي صورة شديدة الكثافة يسأل:
'ما اسم الحصّة القادمة المطرزة بالدم؟ '
سؤال طفل، لكنه يحمل رعب أمة كاملة؛ فالمدرسة التي يفترض أن تكون مكاناً للمعرفة تصبح مكاناً لانتظار الموت. وهنا تتحول القصيدة بصورها السياسية الكبرى إلى مشاهد إنسانية تفيض بالأسئلة.
غير أن الحامدي لا يسمح للحرب بأن تبتلع القصيدة كلها. ففي مقابل الخراب هناك الذاكرة، وفي مقابل الموت هناك المكان الذي يستعيده الشاعر كما لو كان يستعيد طفولته.
تتوقف في ديوان «السوريون» بمحطات تجبرك على مغازلة الذاكرة العميقة فتلتقي بعامودا، ثم دمشق وحلب وإدلب وحماة والساحل وحوران وحمص وتدمر ودير الزور والفرات والحسكة. فلم تكن هذه قائمة جغرافية، وإنما خريطة وجدانية لسوريا، يرسمها شاعر يحاول أن يجمع وطنه المبعثر في قصيدة واحدة.
ويبلغ هذا الاستحضار ذروته في مقطع يخاطب فيه وطنه عبر أمكنته عبر قصيدة 'ربع قرن على مغادرة الجنة' فيقول:
'كيف مرت هذي السنون؟
كيف لم يرف لي قلب..؟'
هنا يناجي مسقط رأسه وأهل مدينته ويعاتب نفسه ويحذرهم بقلب محب.
ثم يمضي شمالاً وجنوباً وشرقاً، حتى يصبح الانتقال بين المدن أشبه برحلة داخل جسد واحد.
ولعل قصيدة «ثورتي» تكشف جانباً آخر من تجربة الحامدي: العلاقة بين الوطن والحلم. الثورة هنا ليست حدثاً سياسياً مجرداً، وإنما امرأة وحبيبة وموعد تأخر، قبل أن تصبح «ثورتي السورية في القرن الحادي والعشرين». هذه الطريقة في المزج بين العاطفي والسياسي تمنح القصيدة حرارة خاصة؛ فالشاعر لا يقف خارج الحدث ليعلّق عليه، وإنما يدخل إليه بأدوات العاشق الذي فوجئ بأن التاريخ الذي حلم به صار واقعاً أمام عينيه.
وفي قصيدة «حياة أخرى» تظهر دمشق بوصفها مدينة تسكن الشاعر حتى عندما يغادرها. يخاطب حارات الشام وأسواقها ودراويشها وأشجارها، ثم يخاطبهم معتذرا:
'فقط امنحوني لحظة واحدة
فما زلتُ منشغلاًبحياة أخرى! '
تعريف السوري وحضارته
أما قصيدة «السوريون» نفسها فتذهب أبعد من الحنين. إنها محاولة لإعادة تعريف السوري من خلال تاريخه المتعدد وهويته المركبة. الشاعر يستدعي الحوريين والآشوريين والعرب والكرد وغيرهم، ويضع سوريا في سياق حضاري لا يمكن اختزاله في هوية واحدة.
وفي ذلك تكمن قيمة واضحة للديوان حيث تبلغ القصيدة ذروة سياسية وإنسانية وجاءت مقسمة على مراحل ولكل مرحلة دلالاتها، وهنا يصبح السوري مسافراً أبدياً، يحمل معه أسماء المدن واللغات والأغاني والذاكرة. ثم تأتي عبارة شديدة الدلالة: «عشاق أزليون»، وكأن الرحيل لم يقطع علاقة السوري بمكانه، وإنما حوّل العلاقة إلى عشق مؤلم.
وفي «انهض» ينتقل الخطاب من الرثاء إلى التحريض على الحياة. القصيدة تقول إن الأرض القديمة ما زالت تخبئ ريحاً تحت ريح وجمراً تحت الرماد، وإن على الإنسان أن ينهض إلى «وقت جديد». وهنا لا يصبح الأمل شعاراً جاهزاً؛ إنه فعل مقاومة للانهيار.
وفي «بيروت» يتسع الوطن مرة أخرى. بيروت ليست مدينة خارج التجربة السورية، وإنما جزء من الذاكرة العربية التي يرى الشاعر أنها تتعرض للقتل والاقتلاع. يقول عنها: «بيروت عروس الشطآن، ذاكرة العربي الإنسان»، ثم يعود ليسأل أبناءها عن قدرتهم على الاحتفاظ بما تبقى من تجربة الحرب.
ولم تغب غزة عن قصائد الحامدي وحروفه 'هُنَا وَجْهُ أُمِّيْ
تَزُفُّ أَبْنَاءَهَا
لِلقِيَامَةِ
وَرْدةًَ وَرْدةًَ' فيكتب فيها وعنها ملحمة الصمود والشهداء.
وإذا كان الجانب الوطني والسياسي هو العمود الفقري للديوان، فإن الحامدي لا يهمل الحب والجسد والأم والأنثى. في قصائد «ضوضاء» و«أحوال» و«لوحات مائية» تنفتح اللغة على مساحة أكثر حميمية، ويصبح الشعر أكثر اقتراباً من الجسد والحواس. في «ضوضاء» مثلاً تتحول المرأة إلى ضوء وسط الضجيج، وفي «أحوال» يتحول النهر إلى جسر يحمل العابرين.
أما «أمي» فهي من أكثر نصوص الديوان بساطة وصدقاً. لا يحتاج الشاعر فيها إلى تاريخ أو رموز كبرى؛ يكفي وجه الأم، حضنها، شالها الأبيض، ورائحة حضورها. ثم تأتي الأمنية المستحيلة: أن يستعيد 'شيئاً من ابتسامتها الصغيرة'.
ويختم الحامدي ديوانه تقريباً بـ«ستعودين»، وهي قصيدة يمكن قراءتها باعتبارها عودة الحبيبة، أو الأم، أو المدينة، أو سوريا نفسها.
لم تكن الحرب ولا القسوة ولا الغربة والحنين وحدها تشكل حفيف القصائد في 'السوريون' ففي كل كلمة تتلمس مواطن الوفاء والإصالة التي حاول أن يبث فيها الحياة من جديد بعد خراب طال، ولهذا لم يفقد خيوط الأمل وتركها تشع في نهاية الديوان بقصيدة 'ستعودين' ففيها نظرة استشراف للمستقبل القادم:
'ستعودينَ مثل الفيضانِ
في كُلِّ ربيعٍ
وكُلَّما ذابَ الثلجُ
سأعجُنُ ما تبقَّى من تُرابِكِ بالقَشِّ
وأبني بيتَنا كالعُشِّ
بالماءِ والشَّمسِ والهواءِ'.
إن تفاوت الأزمنة التي كُتبت فيها القصائد تنقل القارئ عبر التاريخ في مراحل مهمة توحي بدلالات كثيرة، ومن خلالها يجعل الحامدي قارئه يبحث في التاريخ، ويؤكد أنه شاعر رافق سوريا في تحولاتها؛ فلم يقدمها كضحية على مذابح العابرين، إنما قدمها حضارة، وشعب تكمن جماليته في أنه لم يرضخ للموت والجلاد، بل كان ينهض كطائر الفينيق، وكانت زوادة السوريين التي تبعث فيهم الأمل دائما هي تلك الذكريات التي التقطها الحامدي من ثنايا قلبه وجسدها في اللوحات المرسومة بقصائد شعرية فيها كل تفاصيلهم التي لم تغب عن البال.