ترجمة

كيف مزّقت أحداث 11 سبتمبر النظام العالمي؟

خافيير سولانا ـ أنخيل ساز-كارانزا

 

قبل ربع قرن، غيّر العالم مساره في لحظة واحدة. فقد تزامنت بداية الألفية الجديدة تقريبًا مع وصول رئيسين جديدين إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة وروسيا، اللتين كانتا آنذاك أعظم قوتين عسكريتين في العالم. لكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة غيّرت بصورة جوهرية مسار البلدين، وكذلك مسار الصين الصاعدة، وأطلقت سلسلة من التطورات التي أفضت في نهاية المطاف إلى النظام الجيوسياسي المتشظي الذي نعيش فيه اليوم.

وما زال كل من كان في سن تسمح له بالتذكر يستعيد حتى اليوم أين كان في ذلك اليوم المشؤوم. كان أحدنا في شبه جزيرة القرم، والآخر في الخرطوم، ورغم ما أصابنا من ذهول، لم نكن نعلم بعد أننا نشهد بداية حقبة جديدة.

في الولايات المتحدة، القوة المهيمنة على العالم بلا منازع، كان الرئيس جورج دبليو بوش قد سلك طريقًا شاقًا وملتبسًا إلى البيت الأبيض، بعد إعادة فرز أصوات فلوريدا التي حُسمت في نهاية المطاف بقرار من المحكمة العليا.

وفي صباح الحادي عشر من سبتمبر، التقطت كاميرات التلفزيون الرئيس وهو يقرأ للأطفال في مدرسة ابتدائية بمدينة ساراسوتا في فلوريدا، حين همس أحد مساعديه في أذنه بأن البلاد تتعرض لهجوم. وقد بدت على وجهه علامات الحيرة والارتباك، في مشهد استبق السمة التي ستطبع لاحقًا السياسة الخارجية الأمريكية.

وسرعان ما أخضعت الولايات المتحدة كل أهدافها الأخرى لاعتبارات الأمن القومي، متخلية عن القيادة متعددة الأطراف التي كانت قد أحسنت توظيفها منذ عام 1945. وابتداءً من أواخر عام 2001، دفع وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد باتجاه انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، حتى تتمكن من الشروع في العمل على درع صاروخية لحماية «الوطن».

وأفضى ذلك إلى برنامج الدفاع الأرضي في مرحلة منتصف المسار، الذي نُشرت بموجبه صواريخ في ألاسكا وكاليفورنيا، مع خطط لنشرها أيضًا في بولندا، وهو ما فاجأ روسيا التي كانت قد خرجت لتوها من مرحلة ضعف. وفي خطوة لم يكن ينبغي أن تفاجئ أحدًا، رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتخلي عن معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الثانية (START II).

وفي الوقت نفسه، خاضت الولايات المتحدة حربين كبيرتين: الأولى في أفغانستان، حيث كان تدخلها قانونيًا وحظي بتأييد جانب كبير من العالم؛ والثانية في العراق، حيث شنت غزوًا من دون تفويض من الأمم المتحدة. وقد تسببت حرب العراق في انقسام داخلي داخل الاتحاد الأوروبي، إذ عارضتها دول عريقة في عضويته مثل فرنسا وألمانيا، بينما أيدت الجهد الأمريكي دول أحدث انضمامًا مثل بولندا، إلى جانب أعضاء أقدم مثل المملكة المتحدة.

وانتهت الحربان كلتاهما بالفشل، كما تركت رئاسة بوش وراءها هدية مسمومة: عرضًا، بقدر ما كان ضخم الطموح، كان أيضًا غير قابل للتنفيذ، بفتح الباب أمام عضوية جورجيا وأوكرانيا في حلف شمال الأطلسي مستقبلًا، وذلك خلال قمة الحلف في بوخارست عام 2008. ومن دون جدول زمني أو ضمانات حقيقية، أثار هذا الوعد مخاوف الكرملين من دون أن يفعل شيئًا لحماية أي من البلدين.

وكان صعود بوتين إلى الرئاسة الروسية عام 2000 قد بدا في البداية مبشرًا بالاستقرار والتنمية الاقتصادية بعد فوضى تسعينيات القرن الماضي. وفي الحادي عشر من سبتمبر، كان، بحسب التقارير، من أوائل من اتصلوا ببوش للتعبير عن تضامنه.

لكن ذلك لم يدم طويلًا. ففي عام 2003، استولى الكرملين على شركة «يوكوس» العملاقة للطاقة، التي كانت قد خُصخصت من قبل، وزج بمالكها، الملياردير ذي الطموحات السياسية ميخائيل خودوركوفسكي، في السجن.

وفي عام 2007، ألقى بوتين، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، خطابًا ناريًا اتهم فيه الغرب بازدواجية المعايير، قاطعًا فعليًا مع البنية الأمنية التي ورثتها روسيا والغرب عن حقبة الحرب الباردة.

وقد دفع اجتماع النزعة الأحادية الأمريكية مع تهميش روسيا بوتين نحو قومية تسعى إلى مراجعة النظام القائم، وسلطوية تزداد جرأة، ثم تدريجيًا إلى أحضان العملاق الصيني الصاعد. وفي أغسطس 2008، وبينما كانت الأزمة المالية العالمية تتفجر، وبالتزامن مع دورة الألعاب الأولمبية في بكين، غزت روسيا جورجيا، لترسي بذلك سابقة مهدت للغزو اللاحق لأوكرانيا.

لكن ربما كان التطور الأكثر إثارة للاهتمام والأشد أثرًا يتبلور في آسيا. ففي ديسمبر 2001، انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية بدعم كامل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكان الغرب يفترض أن الاندماج التجاري سيدفع النموذج الاقتصادي الصيني نحو التقارب مع الرأسمالية الليبرالية.

لكن الصين سلكت مسارًا مختلفًا، واعتمدت نموذجًا فعالًا من رأسمالية الدولة شديدة التوجيه. وبدلًا من أن يتراجع، تحول النموذج الصيني إلى أداة جيوسياسية قوية، أثبت النموذج الغربي -القائم على تنافس شركات عديدة بعضها مع بعض من دون استراتيجية تقودها الدولة- عجزه عن مجاراتها.

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي كان قد دخل ولايته الثانية بالفعل، من أوائل من بادروا إلى الرد. فتخلت الولايات المتحدة عن محاولة إصلاح منظمة التجارة العالمية، وأطلقت اتفاقيتين تجاريتين شاملتين استُبعدت الصين منهما صراحة: شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، التي جرى التخلي عنها في نهاية المطاف، والشراكة عبر المحيط الهادئ، التي دخلت حيز التنفيذ لاحقًا تحت اسم «الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ» من دون الولايات المتحدة، التي كانت مهندسها الأصلي.

وفي عام 2012، وصل شي جين بينج إلى السلطة في الصين، وبدأ يركز السلطة ويفرض السيطرة على المجتمع. وفي عام 2017، أُدرج مذهبه السياسي في دستور الحزب، إلى جانب مذهبي ماو ودنغ شياو بينج، وبعد عام واحد، ألغى المجلس الوطني لنواب الشعب القيود المفروضة على عدد الولايات الرئاسية.

ومنذ ذلك الحين، مضى شي في تركيز السلطة على نحو متزايد، وفصل الحياة المدنية والأكاديمية في الصين عن بقية العالم. ففي عام 2017، حجبت الصين تطبيقي واتساب وسكايب، ما جعل تواصل قادة المجتمع المدني وقطاع الأعمال الصينيين مع نظرائهم الغربيين أكثر صعوبة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، خضع مئات من كبار المسؤولين والضباط العسكريين للتحقيق، أو أُقيلوا، أو طالتهم حملات التطهير. وبعد الاختفاء غير المفسر لوزيري الخارجية والدفاع في عام 2023، طالت حملة تطهير هذا العام جميع أعضاء اللجنة العسكرية المركزية تقريبًا.

كان بوسع العالم أن يسلك مسارًا مختلفًا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001. لكن القوى الكبرى ظلت، بدلًا من ذلك، أسيرة فهم ضيق أكثر مما ينبغي لمفهومي الأمن والقوة. فقد انكفأت الولايات المتحدة على نفسها وتبنت مبدأ «القوة تصنع الحق»؛ وتحولت روسيا، بعد تهميشها وإضعافها، إلى قوة تسعى إلى مراجعة النظام القائم؛ فيما حولت الصين نموذجها الاقتصادي إلى أداة للقوة لا يعرف الغرب كيف يتصدى لها.

أما بالنسبة إلى أوروبا، فقد جعلت هذه التطورات حقيقة واحدة واضحة أكثر من أي وقت مضى: لم يعد بوسعنا الاعتماد على الحماية الأمريكية. ويتعين على أوروبا أن تبني قوة عسكرية موثوقة خاصة بها لمواجهة روسيا، وأن تبتكر أدوات تحمي اقتصادها من التوجيه الاقتصادي الصيني الصارم. أما ما إذا كانت أوروبا ستسلك هذا الطريق أخيرًا، فأمر لم يتضح بعد.