ترجمة

ماذا كانت الحرب على الإرهاب؟

جوزيف ستيب

 

انتهت الحرب على الإرهاب. امتدت من 11 سبتمبر 2001 إلى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021. وفي الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، من المفيد، لأسباب تتصل بالتاريخ وصنع السياسات على السواء، تحديد معالم هذا الصراع.

اتسمت الحرب على الإرهاب بثلاث سمات رئيسية تحدّدها بوصفها حقبة تاريخية. أولاها أن صانعي السياسات نظروا إلى الإرهاب بوصفه شكلا من أشكال الحرب وتهديدا استراتيجيا من الدرجة الأولى.

والثانية أن استراتيجية مكافحة الإرهاب سعت، إلى جانب حماية الأراضي الأمريكية، إلى تغيير النظام الدولي بهدف معالجة الأسباب الجذرية للإرهاب. والثالثة أن الحرب على الإرهاب كانت، في جوهرها، محاولة للتعامل مع صعود الجهادية العالمية.

وقد تراجعت هذه السمات الثلاث الآن، أو طغت عليها أولويات أخرى. وانتهت الحقبة التي كان فيها الإرهاب بوصلة الاستراتيجية الأمريكية. ويساعد إدراك ذلك صانعي السياسات على تحديد موقعهم في العالم، ويتيح لهم أيضا فرصة التخلّص من عادات ابتُليت بها السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب على الإرهاب نفسها.

ومن هذه العادات الميل إلى تقديم تنازلات مفرطة للدول التي ساعدت في مكافحة الإرهاب، وتحويل أعداء الدول الأخرى من الإرهابيين إلى أعداء للولايات المتحدة.

على المستوى المباشر، كانت الحرب على الإرهاب ردا على هجمات 11 سبتمبر، التي قفزت بالإرهاب إلى قمة سلّم الأولويات الاستراتيجية. أما على مستوى أعمق، فكانت استجابة لمواطن الضعف التي أفرزها عالم يزداد عولمة.

وقد مثّلت هجمات 11 سبتمبر ذروة الإرهاب الدولي الحديث، وهو استراتيجية غير متكافئة تسعى فيها مجموعات صغيرة إلى استغلال التغيّرات في الإعلام ووسائل النقل والأسلحة لاكتساب النفوذ ولفت الانتباه.

ودفعت تلك الهجمات إلى تبنّي منظور جديد، حظي بتأييد الحزبين، ينظر إلى الإرهاب بوصفه حربا بدلا من اعتباره جريمة. وكانت هذه المسألة موضع أخذ وردّ طوال عقود، لكن هجمات 11 سبتمبر أظهرت أن الإرهاب قادر على تعطيل الحياة في المجتمعات الحديثة وإزهاق الأرواح على نطاق واسع. ودفعت إلى تبنّي نهج عسكري هجومي يستهدف، إلى جانب ملاحقة الجماعات الإرهابية في أنحاء العالم، إسقاط الأنظمة التي تدعمها أو معاقبتها.

أما السمة الجوهرية التالية للحرب على الإرهاب فتمثّلت في الاعتقاد بضرورة مواجهته على مستوى النظام ككل، من خلال الإصلاح السياسي. فقد خلص الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وإدارته إلى أن الوضع القائم في الشرق الأوسط، بما يتسم به من جمود واستبداد، يولّد التطرّف ويتعيّن تغييره. وكانت هذه القناعة أساس «أجندة الحرية»، أي فكرة أن إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط وتحديثه من شأنهما معالجة الأسباب الجذرية للإرهاب.

وأخيرا، نشأت الحرب على الإرهاب، على المستوى البنيوي، من تصاعد جهود الإسلاميين المتطرفين لإسقاط النظام الإقليمي المدعوم أمريكيا في الشرق الأوسط، عبر إخراج الولايات المتحدة من المنطقة. ومع أن هذه المواجهة لم تكن «صدام حضارات»، فإن العمليات العسكرية الأمريكية استهدفت، بصورة شبه حصرية، الإسلاميين المتطرفين. ولم يكن الإرهاب هو العدو؛ فالعدو، في نظر صانعي السياسات الأمريكيين، كان الجماعات الإسلامية المتطرفة والأنظمة التي تمدّها بأسباب البقاء.

تلك كانت السمات المحدِّدة للحرب على الإرهاب: التعامل مع الإرهاب بوصفه حربا، والربط بين الإصلاح ومكافحة الإرهاب، والصراع مع الجهادية العالمية. ومع ذلك، لم يكن هذا الصراع متجانسا. فقد مرّت الحرب على الإرهاب بثلاث مراحل، تحدّدها التغيّرات في الأهداف والسياسة الداخلية وتقدير خطورة التهديد، مع تداخل كبير بين العهود الرئاسية.

امتدّت المرحلة الأولى، التي أسمّيها المرحلة الراديكالية، من عام 2001 إلى عام 2006 تقريبا، حين أطلقت إدارة جورج دبليو بوش مشروعا طموحا شمل حروبا لتغيير الأنظمة وحملات مكثّفة لبناء الدول. وأكّدت الإدارة حقّها في التحرّك من جانب واحد لضرب دول يُزعم أنها تطوّر أسلحة دمار شامل وتدعم إرهابيين، حتى إن لم تستطع إثبات أن هجوما بات وشيكا.

كما خلصت الإدارة إلى ضرورة تغيير النظام العالمي والحياة السياسية في الشرق الأوسط لمعالجة جذور الإرهاب، الذي اعتقدت أنه نشأ من اليأس والغضب اللذين ولّدهما افتقار المنطقة إلى الديمقراطية والحداثة. وأصبحت هذه الرؤية مبرّرا أساسيا لحرب العراق، وكذلك لزيادة الضغط على الحلفاء العرب لدفع أنظمتهم السياسية نحو الانفتاح.

كانت هذه المرحلة من الحرب على الإرهاب راديكالية في وسائلها وغاياتها معا، لكنها سرعان ما استنفدت طاقتها. فقد فاقم انزلاق العراق إلى الحرب الأهلية مشكلة الجماعات الجهادية.

وفي أفغانستان، انحسر الأمن وخبت الآمال في بناء الديمقراطية مع عودة طالبان إلى الظهور في منتصف العقد الأول من الألفية. وأخيرا، تلاشت جهود الضغط على الرئيس المصري حسني مبارك لإجراء إصلاحات، وأفقد فوز حماس في انتخابات غزة عام 2006 المسؤولين الأمريكيين حماسهم لتعزيز الديمقراطية.

أفضى انهيار الرؤية الراديكالية إلى الانتقال نحو المرحلة الثانية: التثبيت، التي امتدّت من عام 2007 إلى عام 2018 تقريبا. واتسمت هذه المرحلة بالسعي إلى خفض سقف التوقعات الاستراتيجية، ووضع مكافحة الإرهاب على أسس أكثر قابلية للاستمرار، وخفض مرتبتها تدريجيا لحساب أولويات أخرى. وبدأت في عهد إدارة جورج دبليو بوش، مع تخفيف نبرة الخطاب المتعلق بالديمقراطية وتقليص الطموحات.

فعلى سبيل المثال، استهدفت زيادة القوات في العراق عام 2007 إنقاذ البلاد من الحرب الأهلية، بدلا من إرساء الديمقراطية فيها. وواصل الرئيس الأمريكي باراك أوباما نهج التثبيت، وإن كانت سياساته لمكافحة الإرهاب أضيق نطاقا وأكثر محدودية في أهدافها. فقد كان قد عارض حرب العراق، ولم يمنح الأولوية للهيمنة العالمية أو إرساء الديمقراطية.

ومع ذلك، ظلّ الإرهاب يحتل مرتبة متقدمة بين أولويات أوباما، وكثّف جهود بناء الدولة في أفغانستان بوصفها وسيلة لمكافحة الإرهاب. وفي أواخر عام 2009، أرسل 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان لخوض حرب لمكافحة التمرّد، ومدّ سلطة الحكومة المركزية إلى المناطق الريفية. لكنه، اتساقا مع رغبته في اتباع نهج أكثر توازنا، حدّد أيضا إطارا زمنيا مدّته 18 شهرا لتقليص تلك الزيادة في القوات.

في أوائل العقد الثاني من هذا القرن، طوّر أوباما نهجا أكثر قابلية للاستمرار في مكافحة الإرهاب، يحافظ على فاعليته ويتيح في الوقت نفسه التحوّل إلى اهتمامات أخرى. وفي إطار استراتيجيته المعروفة باسم «البصمة الخفيفة»، حدّ من نشر القوات، مستعينا بالقوات الخاصة والطائرات المسيّرة والإمكانات الاستخباراتية لقتل قادة الجماعات الإرهابية واعتقالهم، وتعطيل قدرات تلك الجماعات على تنفيذ العمليات. ووصف هذا النهج بأنه انتقال من «حرب عالمية على الإرهاب بلا حدود» إلى «جهود موجّهة لتفكيك شبكات محدّدة من المتطرفين الذين ينتهجون العنف».

لكن محاولة أوباما ضبط وتيرة الحرب على الإرهاب تعثّرت عام 2014، حين سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا. كما نفّذت خلايا شكّلها التنظيم أو استلهمت أفكاره هجمات في أوروبا والولايات المتحدة.

وردّ أوباما باتباع استراتيجية «بأيدي الشركاء، ومعهم، ومن خلالهم»، وفّر بموجبها الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتدريب للقوات التي تقاتل التنظيم، وساندها بعمليات خاصة ودعم جوي. واضطر أوباما أيضا إلى التصعيد مجددا في أفغانستان ردّا على سلسلة من هجمات طالبان في عامي 2015 و2016. ومع أن أعداد القوات الأمريكية المخصّصة لمكافحة الإرهاب تراجعت بدرجة كبيرة في عهده، فإن دوره في الحرب على الإرهاب تمثّل أساسا في تثبيت موقع الإرهاب ضمن الأولويات الرئيسة للسياسة الخارجية الأمريكية.

وفي أول عامين من ولايته، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهج التثبيت، مع مزيد من التراجع عن الإصلاح السياسي وبناء الدول. فقد هاجم بشدّة «أجندة الحرية» وحروب مكافحة التمرّد، واصفا إياها بأنها إهدار للأرواح والموارد.

ووعد، عوضا عنها، بشنّ حملة لمكافحة الإرهاب بلا قيود قانونية. وبعد تولّيه الرئاسة، وسّع استخدام الطائرات المسيّرة، وخفّف قيود الاستهداف، واحتضن حلفاء مستبدّين في المعركة ضد الإرهاب.

ومع ذلك، حدّ من اندفاعات ترامب ميلُه إلى إيكال تفاصيل السياسات إلى مستشاريه الأكثر التزاما بالنهج التقليدي. واستمرّ جانب كبير من آلة مكافحة الإرهاب التي بناها بوش وأوباما في العمل، ولا سيما في المعركة المتواصلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، التي واصل فيها ترامب، في جوهر الأمر، تطبيق استراتيجية أوباما.

غير أن ترامب زرع أيضا بذور المرحلة الثالثة والأخيرة من الحرب على الإرهاب: الانسحاب. وقد دفع تطوّران رئيسيان إلى هذا التحوّل. أولهما هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بوصفه كيانا يسيطر على أراض، خلال عامي 2017 و2018. وأتاح ذلك لترامب إعلان النصر والبدء بتقليص وجود القوات الأمريكية في العراق وسوريا.

أما التطوّر الثاني فكان الجمود في أفغانستان. فقد رأى ترامب أن هذا الصراع بلا جدوى، وبادر إلى إجراء محادثات مع طالبان أفضت إلى اتفاق الدوحة عام 2020. وبموجب الاتفاق، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستسحب جميع قواتها خلال 14 شهرا، إذا وافقت طالبان على وقف إطلاق النار، وإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية، وتقديم ضمان بعدم دعم جماعات إرهابية مثل القاعدة.

كان الاتفاق خطوة حاسمة نحو إنهاء الحرب على الإرهاب، إذ كانت الولايات المتحدة تُخرج نفسها، على ما في ذلك من انتهازية، من الحملة الأولى في هذا الصراع. ثم واصل الرئيس الأمريكي جو بايدن سياسة ترامب، فبدأ سحب جميع القوات من أفغانستان في أبريل 2021. ومع انهيار الحكومة الأفغانية، اتخذ قرارا مصيريا بعدم إعادة نشر القوات الأمريكية، ما أتاح لطالبان استعادة السيطرة على البلاد.

شكّل أغسطس 2021 نهاية للحرب في أفغانستان وللحرب على الإرهاب على السواء. فقد خفض بايدن، وكذلك ترامب في ولايته الثانية، مرتبة الإرهاب في سلّم الأولويات الاستراتيجية، وتجنّبا نشر قوات برية بأعداد كبيرة لدعم مكافحة الإرهاب. وانتقلا إلى مجموعة جديدة من الأولويات: التنافس بين القوى الكبرى، والانتشار النووي، والحروب الإقليمية، والسياسة الصناعية، وغيرها.

لم يعد الإرهاب إطارا مركزيا للسياسة الخارجية الأمريكية كما كان خلال الحرب على الإرهاب. أما فكرة هزيمة الإرهاب من خلال الإصلاح، فقد ماتت لدى الحزبين. وعلى الرغم من اختلافاتهما، استكمل بايدن وترامب مرحلة الانسحاب من الحرب على الإرهاب، وأنهيا هذا الصراع فعليا.

والقول إن الحرب على الإرهاب انتهت لا يعني أن الولايات المتحدة توقّفت عن تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب؛ إذ لا تزال منخرطة في مواجهة القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في خراسان، وفي مهام متنوعة لدعم الشركاء وتدريبهم. ولن تكون لمصطلح «الحرب على الإرهاب» قيمة تُذكر إذا كان يشير ببساطة إلى أي عملية لمكافحة الإرهاب في أي وقت. ولا يعني هذا القول أيضا أن الهياكل الحكومية والمنظومات القانونية التي أُنشئت خلال هذا الصراع قد زالت.

ما من حقبة تاريخية تنتهي نهاية فاصلة تماما، لكن إرث الصراع يختلف عن الصراع نفسه. فالحرب الباردة خلّفت آثارا ممتدة لا تزال تفعل فعلها، لكنها، بوصفها تنافسا عالميا بين قوى عظمى شيوعية وأخرى ديمقراطية رأسمالية، انتهت على نحو قاطع بين عامي 1989 و1991. وينطبق الأمر نفسه على الحرب على الإرهاب، التي ستتوالى تداعياتها لعقود، لكنها انتهت في جوهرها.