أفكار وآراء

صـيـن مـاو تـسـي تـونـج بـعـد نـصـف قـرن

بـحـلـول الـتـاسـع مـن سـبـتـمـبـر مـن هـذا الـعـام (2026) تـكـون الـصـيـن قـد أحـيـت ذكـرى مـرور نـصـف قـرن عـلى رحـيـل زعـيـمـهـا وقـائـد تـحـررهـا ونـهـضـتـهـا الحـديـثـيـن مـاو تـسـي تـونـج (ت 9 سـبـتـمـبر 1976).

لـيـس بـيــن نـجـاح الـثـورة الصـيـنـيـة (1 أكـتـوبـر 1949)، بـقـيادة مـاو تـسـي تـونـج، ورحـيـل الأخـيـر سـوى زمـن قـصـيـر: نـيـف وربـع قـرن. مـع ذلـك، كـان فـي وسـع صـيـن مـاو تـسـي تـونـج أن تـأتـي الـكـثـيـر مـن عـظـيـم المـكـتـسـبـات التي طـوت بـهـا قـرون الاحـتـلال والـتـخـلـف، اللـذيـن تـجـرعـتـهـمـا مـنـذ ابـتـدأت مـوجـة الـتـدفـق الـعـسـكـري عـلى الصـيـن، مـن قـبـل الـبـرتـغـالـيـيـن والإسـبـان والهـولـنـديـيـن فـي القـرن السـادس عـشـر، إلـى أن انـطـلـقـت الحـروب الكـولـونـيـالـيـة (البـريـطـانـيـة، والفـرنـسـيـة، والـروسـيـة، واليـابـانـيـة) عـلـيـهـا بـدءا مـن أربـعـيـنـيـات الـقـرن الـتـاسـع عـشـر (فـي مـا سـمـي حـيـنـهـا بـ«حـروب الأفـيـون»).

مـنـذ مـاو تـسـي تـونـج حـتى شـي جـيـن بـيـنـج - مـرورا بـهـواكـو فـيـنـج، وديـنـج شيـاو بـيـنـج، وجـيـانـج زيـمـيـن، و هـو جـيـنـتـاو- سـارت الـصـيـن فـي خـط مـن الـتـنـمـيـة الشـامـلـة مـتـصـاعـد لـم يـجارهـا فـيه دولـةٌ مـعـاصـرة، ولا شـهــدت عـلـيـه دولـةٌ أخـرى قـبلهـا بـمـا فـي ذلك اليـابـان وألـمـانـيـا.

لـقـد حـقـقـت فـي ثـلاثـة أربـاع قـرن واحـد مـا حـقـقـتـه الـرأسـمـالـيـات الكـبـرى فـي العـالـم (الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، بـريطـانـيـا، فـرنـسـا) فـي ثـلاثـة قـرون، ولـكـن مـع فـارق لا يـلـيـق بـعـاقـل أن يـتـجـاهـلـه: لـقـد أصـابـت عـظـيـم الـنـجـح فـي ذلك مـن غـيـر أن تـخـوض حـربـا أو تـحـتـل بـلـدا أو تـنـهـب ثـروتـه وتـسـتـخـدم شـعـبـه فـي أعـمـال الـسـخـرة كـمـا فـعـلـت الـدول الاسـتـعـمـاريـة، فـحـقـقـت تـراكـم خـيـراتـهـا ومـنـجـزاتـهـا بـريـع الـمـنـهـوبات!

وإذا كـان مـاو مـؤسـس الـدولـة وقـائـد الـثـورة الـذي فـرض زعـامـتـه بـاقـتـداره الـمشـهـود لـه فـإن صـانـع مـجـدهـا الـنـهـضـوي والـتـنـمـوي الأكـبـر هـو شـي جـيـن پـيـنـغ الـذي يـقـودهـا مـنـذ ثـلاثـة عـشـر عـامـا تـحـولـت فـيـهـا إلـى ثـانـي أكـبـر دولـة وأكـبـر اقـتـصـاد فـي الـعـالـم؛ وطـبـعـا مـن طـريـق الـبـنـاء عـلى مـكـتـسـبـات مـن سـبـقـوه فـي قـيـادة الـبـلاد.

كـان لـمـاو تـسـي تـونـج، مـثـل أي قـائـد سـيـاسـي فـي الـتـاريـخ الإنـسـانـي، أخـطـاؤه الـتي نـالـت مـن رصـيـده، وجـعـلـتـه عـرضـة للـنـقـد الـشـديـد مـن رفـاقـه فـي الـدولـة والـثـورة، ومـن ذلك غـلـوّه فـي تـصـفـيـة نـفـوذ «الـبـرجـوازيـيـن» فـي الـدولـة، وتـبـديـد الـقـيـم الـبـرجـوازيـة الـتي «تـسـلـلـت» مـعـهـم إلـى الـبـلاد، ومـا تـرتـب عـلى إطـلاق يـد قـوى «الـثـورة الـثـقـافـيـة» فـيـهـم مـن فـظـاعـات الـتـصـفـيـات والـطـرد الـتي أصـابـت الآلاف مـنـهـم، وخـدشـت صـورة الـثـورة وسـمـعـتـهـا.

ومـع أنـه سـيـظـل فـي حـكـم الـمـعـسـور أن يـلـتـمـس الـمـرء عـذرا لـمـاو تـسـي تـونـج والـثـورة الـثـقـافـيـة فـي مـا وقـع مـن ارتـكـابـات، بـلـه الـتـسـويـغ لـه وتـبـريـره، إلا أن الـرجـل كـان حـريـصـا عـلى ألا يـقـع فـي الصـيـن مـن الانـحـرافـات مـا وقـع فـي تـجـربـة الاتـحـاد السـوفـيـيـتـي مـن انـحـرافـات فـي الـعـهـد السـتـالـيـنـي، فـبـكـر إلى إطـلاق إجـراءات تـصـحـيـحـيـة مـا لـبـث أن اخـتـلـط فـيـهـا حـابـل التـصـحـيـح والـتـصـويـب بـنـابـل الـتـصـفـيـة والـتـخـريـب.

ولـقـد يـكـون مـاو تـسـي تـونـج نـفـسـه قـد أدرك فـيمـا بـعـد مـقـدار الأخـطـاء الـمـرتـكـبـة فـي تـجـربـة الـثـورة الـثـقـافـيـة تـلـك، خـاصـة تـجـاه قـادة آخـريـن فـي الـحـرب والـثـورة، ووجـوب تـصـحـيـحـهـا ورفـع تـبـعـاتـهـا عـلـيـهـم؛ وهـو مـا سـيـتـبـيـن مـن سـيـاسـات اسـتـدراكـيـة أقـدم عـلـيـهـا، عـلى سـبـيـل إزالـة ذيـول الأذى، ومـن ذلـك رده الاعـتـبـار إلـى كـثـيـر مـنـهـم عـلى رأسـهـم ديـنـج شـيـاو بـيـنـج: الـقـائـد الـفـعـلي للبـلاد بـعـد رحـيـل الـمـؤسـس.

لا تـديـن الـصـيـن لـماو تـسـي تـونـج؛ لأنـه قـائـد ثـورتـهـا ومـؤسـس دولـتـهـا الـحـديثـة وحـامـل نـفـوذهـا إلـى الـعـالـم، فـحـسـب بـل هـي تـديـن لـه -إضـافـة إلـى مـا ذكـرنـاه- بـمـا ازدرعـه فـي الـوعـي الجـمـعـي مـن قـيـم تـبـجـل الـعـمـل والإنـتـاج وتـحـض عـلـيـهـما، وهـي القـيـم التي ربـيـت عـلـيـهـا ثـلاثـة أجـيـال مـن الـشـعـب الصـيـنـي وكـانـت فـي أسـاس انخـراطـه فـي مـشـروع الـتـنـمـيـة الـقـومـي الـشـامـل الـذي أوصل الصـيـن إلـى هـذه الـمـعـارج. لـذلك عـد مـاو -وسـيـظـل فـي الـذاكـرة الـجـمـعـيـة- أبـا أو رمـزا للأب الـذي كـفـل أسـرتـه الـكـبـيـرة وآمـنـهـا مـن غـوائـل الـحـاجـة والإمـلاق والأمـيـة والـمـرض والتـهـمـيـش...، وعـزز كـرامـتـهـا، ووطـد مـركـزهـا بـيـن الأمـم.

والحـق أن فـلـسـفـة الـتـنـمـيـة الـمـطـبـقـة فـي الـصـيـن -وهـي تـرد إلـى أفـكـار مـاو تـسي تـونـج- مـبـنـاهـا عـلى ركـنـيـن رئـيـسـيـن: عـلى الإنـسـان وتـنـمـيـة الإنـسـان والـرأسـمـال الـبـشـري، وعـلى مـبـدأ الاعـتـمـاد عـلى الـذات:

كـان مـاو تـسـي تـونـج هـو مـن قـال إن الـمـسـألـة الأسـاس فـي البـنـاء الاشـتـراكـي لـيـسـت نـمـو الـقـوى الـمـنـتـجـة -كـمـا فـعـل السـوفـيـيـت فـي عـهـد سـتـالـيـن-، بـل عـلاقـات الإنـتـاج.

ومـا كـان قـصـده أن يـقـول: إن رفـع وتـائـر الـتـنـمـيـة غـيـر ذي جـدوى، بـل الـتـشـديـد عـلى وجـوب إحـلال الإنسـان مـحـل الـقـلـب مـن عـمـلـيـة الـتـنـمـيـة، وعـلى تـحـريـره مـن أربـاق الاستـغـلال الـرأسـمـالي لـقـوة الـعـمـل وإطـلاق طـاقـاتـه والاسـتـثـمـار فـيـهـا.

بـعـد 1978 سـتـتـغـيـر الـمـعـادلـة فـلا تـعـود الأولـويـة لـعـلاقـات الإنـتـاج، بـل لـقـوى الإنـتـاج، ولـكـن مـن غـيـر أن يـتـغـيـر الـجـوهـر الإنـسانـي للـتـنـمـيـة الـذي ظـل مـحـفـوظـا فـي كـل بـرامـج الـتـنـمـيـة الإنـسـانـيـة فـي الـصـيـن.

أمـا الاعـتـمـاد عـلى الـذات فـمـرده إلـى أنـه مـا كـان أمـام صـيـن مـاو تـسـي تـونـج غـيـر أن تـعـتـمـد عـلى نـفـسـهـا -بـعـد تـجـربـة اعـتـمـاد عـلى الاتـحـاد الـسـوفـيـيـتـي قـصـيـرة- بـالـنـظـر إلـى مـا كـانـت تـتــعـرض لـه مـن حـصـار رأسـمـالـي دولـي لـخـنـقـهـا.

ولـقـد نـجـحـت فـي سـيـاسـاتـهـا هـذه -وقـد عـبـأت فـيـهـا مـواردهـا الـذاتـيـة الـطـبـيـعـيـة والـبـشـريـة- فـي تـحـقـيـق مـعـدلات مـن الـنـمـو عـالـيـة حـصـلت بـهـا الـوفـرة بـعـد زمـن مـديـد مـن الـتـركـيـز عـلى اقـتـصـاد الحـاجـات بـدلا مـن اقـتـصـاد الـكـمـالـيـات، ومـن ثـقـافـة الإنـتـاج بـدلا مـن ثـقـافـة الاسـتـهـلاك.

وهـا هـي الصـيـن الـيـوم تـتـخـطـى بـمـسـافـات عـتـبـة إجـابـة حـاجـات شـعـبـهـا إلـى حـيـث تـشـارك -مـن موقـع طـلـيـعـي- فـي إجـابـة حـاجـات قـسـم عـظيـم مـن الـبـشـريـة الـمـعـاصـرة.