أعمدة

قريبًا من درويش.. بعيدًا عنه!

نشأت محبًا لناجي العلي. كان بطل طفولتي بشكل ما. يعود والدي من مكتبه حاملًا الصحف والمجلات، وقد تشرّبت رائحة جلد مقاعد السيارة في هجير الخرطوم وعبق التبغ. أقلب ما يحمل بسرعة. وأغنم كتابات محمود سالم ومجلات دار الهلال. وأتجاهل مجلات وصحفًا كثيرة بحثًا عن القبس. رسومات ناجي هناك، لذلك هي أهم لطفل من ألغاز المغامرين الخمسة. لم أكن أفهم أغلب ما أراه، لكن إبداع الرسام كان يصلني متجاوزًا المعاني المباشرة.

ثم في نشرة الساعة التاسعة أذاع التلفزيون خبر اغتياله. هكذا تحول البطل في عقلي إلى شهيد. ولزمن في طفولتي كان حلمي أن أصبح رسام كاريكاتير. وعندما وقف عبدالرحمن الأبنودي في الخرطوم يقول «كان صاحبي يمه/ واسمه ناجي العلي» بكيت بطل طفولتي كأنه صاحبي أنا.

لاحقًا تسربت إليّ الشائعة، وكان ذلك قبل زمان مواقع التواصل التي تطرب للكذب وتبجل الإفك وتنقل الأباطيل قبل أن يرتد إليك طرفك. كانت الشائعات وقتها تنتقل ببطء وتترسخ بمرور الزمن. فعندما تصلك تبدو حقيقة أكدها الوقت.

قيل إن محمود درويش هدد ناجي العلي قبل اغتياله، وإن للشاعر يدًا في الرصاصات التي أصابت ناجي في لندن عام 1987. كنت طفلًا لم يعرف درويش، لكنه يحب ناجي. وربما لم أرَ وقتها كاريكاتير «خيبتنا الأخيرة» الذي أزعج درويش، وقطعًا ما كنت أعرف «بيروت خيمتنا الأخيرة». لزمن أبعدتني تلك الشائعة عن درويش، حتى أعدت اكتشافه شيئًا فشيئًا.

كنت صبيًا حزينًا على بطله، ثم وصلته الشائعة الواثقة. فحُجب عن الرجل الذي أعلن هزيمة الموت أمام الفنون جميعها. في يوم أهداني صديق محب لدرويش كتابًا عنه، ثم همس: أنا أحسدك، ما زالت تنتظرك متعة اكتشاف شعره. كان محقًا في حسده.

زار درويش السودان مرتين. الأولى عقب سقوط نظام جعفر نميري، والثانية في 2006 بدعوة من مركز الدراسات السودانية ود. حيدر إبراهيم علي، المفكر والمثقف السوداني الكبير. استغرقني الأمر وقتًا لتجاوز الكذبة التي غذت الصبي المفتون بتجربة ناجي العلي، ولسنوات ظلت الشائعة تراودني فأسأل عنها، وما زلت، بعض من صحبوا درويش وناجي حتى أسمع منهم نفيهم الحاسم مرة بعد مرة. كأنما هو كفارة لما صدقته قبل ما يقارب الأربعين عامًا.

لكن الدنيا كانت تخفي لي مفاجأة ما توقعتها، عندما وصلتني دعوة من متحف محمود درويش في العاصمة الفلسطينية رام الله. رسالة من صديقة تسألني: هل تجيب إذا دعيت إلى رام الله؟ ظننت الأمر أبعد من أن يحدث، فقلت صادقًا لكن بغير حماس: طبعًا. لم أتحمس لأمر لن يحدث. لكنه، لدهشتي، حدث. مازحني صديق مقتبسًا من ثلاثية محفوظ بتحريف: «درويش ناداني، وأنا لبيت النداء».

في أبريل 2016 وجدتني أقف عند قبر محمود درويش المطل على مدينة رام الله البيضاء. أتأمل النقش المراوغ: «أثر الفراشة لا يزول». وعلى القبر كُتب: «من الوطن.. إلى محمود درويش». وقفت هناك أعتذر عما حجبني عنه لسنوات. خوّفني عدد من السفر. «فلسطين؟» تخيلوا العنف والفوضى، وكنت ذاهبًا لأعرف أكثر عن الكرمل.

ورأيت أثر درويش في مركز خليل السكاكيني الذي اتخذته المجلة مقرًا لها. وهناك عندما رأيت مظاهر الحياة فهمت لماذا رأى درويش أن على أرضها ما يستحق الحياة. رغم عنت العدو وفجره. كان درويش يعلم. كانت فلسطين تربي الأمل، وتقاوم بالحياة.

متحف محمود درويش مبنى على مساحة نحو 10 آلاف متر مربع، صممه ابن الشاعر إبراهيم طوقان (الذي تشير لافتة في سوق مدينة نابلس إلى منزله الذي ولد فيه)، وجمعت فيه أشجار من مختلف أنحاء فلسطين.

ولأن ابن أم درمان إن مرّة أكرمه حظ؛ عاوده. رجعت أقف عند قبر درويش في أكتوبر 2017 لأزرع شجرة. وفي المرة الثانية هذه دخلت مبنى المقاطعة الذي حوصر فيه ياسر عرفات في شهوره الأخيرة.

وهو المبنى الذي شهد تأبين «أبو عمار»، وألقى فيه درويش نعيه التاريخي. في تصرف ذكي تلتقيك كلمات درويش بعد أن تشاهد غرف الحصار ومتعلقات عرفات، وتقرأ على أحد الأبواب كلمات الوداع التي خطها حرسه وهو يغادرهم لآخر مرة، وتسمع صوت الرصاص من أجهزة تسجيل فتشعر بما يشعر به المحاصر.

فإذا وصلت إلى النهاية وجدت إطارًا يحيط بكلمات درويش: «تأخر حزني عليه قليلًا؛ لأني كغيري توقعت من سيد النجاة أن يعود إلينا هذه المرة أيضًا..» فيختم رثاء درويش رحلة في الزمان والمكان. رحلة تراها في متحف محمود درويش حيث تُعرض أول هوية بالعربية والعبرية لدرويش بصورته الشابة، وحقيبته التي هُجّر بها، وينتهي ببطاقة الصعود لطائرة الخطوط الفرنسية التي حملته في رحلته الأخيرة من باريس لهيوستن. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي تحجب عني أكاذيب وسوء ظن متعة فنية، لكنه كان درسًا مهمًا. ووقفت بعد عقود أكفّر عما فعلت عند قبر درويش، وأحب أن أؤمن أنه ابتسم.