أعمدة

«رواندا».. التجربة الملهمة

جمهورية (رواندا)، ذلك البلد الصغير الواقع في شرق إفريقيا، والذي يسكنه أكثر من أربعة عشر مليون نسمة حسب تقديرات عام 2024م، مقسمين عرقيا بين قبيلتي (التوتسي، والهوتو)، دولة ذات موارد محدودة، وتضاريس صعبة، يطلقون عليها (بلد الألف تل) لكثرة المرتفعات بها، غير أنها تعتبر الدرس الأبرز في القارة الإفريقية لتجسيد النهوض من عثرات الحرب، والتخلف،

والتحوّل نحو شمس السلام والتقدم، دولة تقاسمتها القوى الاستعمارية منذ قرون، وزرعت فيها العقلية الطبقية، والقبلية ليسهل حكمها، مما أدى إلى تفاوت اقتصادي وسياسي كبير بين أبناء الشعب الواحد، وحروب أهلية على مدار تاريخها الاستعماري، حتى اندلعت الحرب الكبيرة عام 1994م، التي حصدت قرابة المليون نسمة من سكان البلاد خلال ما يقارب الثلاثة أشهر فقط، حرب قضت على الأخضر واليابس، وأهلكت الزرع والنسل، وأبادت الإنسان والحيوان والنبات، حتى خُيّل للعالم أن الصراع العرقي لن ينتهي أبدا.

غير أن المستحيل يمكن أن يتحقق إذا ما توفرت الوطنية، والوعي، والنية الصادقة، والمسؤولية الإنسانية، فبعد أن توقفت تلك الحرب الدامية، بدأت الحكومة عام 2000م بقيادة الرئيس (بول كاغامي) -والذي أتى بعد تنازل الرئيس (باستور بيزمونغو) عن السلطة- بوضع هدف استراتيجي قومي لإنقاذ بلاده من براثن التخلف القبلي المهيمن على عقول المجتمعات هناك، وإرساء دعائم الدولة الحديثة التي تعتمد على المواطن دون الالتفات إلى قبيلته، وعرقيته، ودينه، وبث روح المساواة بين المواطنين، وزرع تلك (الأنا الجمعية) التي تعلي من قيمة الانتماء للوطن، لا للقبيلة أو العرق،

وقد كان هذا أولى خطوات النجاح الذي تشهده (رواندا) حاليا، فأصبحت الدولة الأكثر نموا في القارة الإفريقية، وحولت الأهداف إلى واقع، فبعد أن أطلق الرئيس (كاغامي) رؤية 2020، التي اعتمدت على دفن ذكريات الحرب، وآثارها السلبية من نفوس شعبه، والتركيز على التعليم والوعي وبث روح الوطن الواحد لدى فئات الشباب، ومحاكمة مجرمي الحرب، ودمج الأفراد المتورطين بأعمال العنف في المجتمع، ووضع نشيد وطني يوحد الشعب، إلى جانب التركيز على الشق الاقتصادي من خلال القضاء على الفقر ورفع دخل الفرد.. وقد نجحت هذه الأهداف إلى أبعد مدى خلال خمسة وعشرين عاما، وأصبحت (رواندا) درسا عميقا ومؤثرا في النظام العالمي للإرادة الوطنية، وبناء الدولة الحديثة، والقضاء على مصادر التهديد للسلم المحلي، ووضوح الهدف للارتقاء بالاقتصاد،

رغم أن (رواندا) لا تملك ثروات طبيعية من النفط، والغاز، وهي دولة غير ساحلية، أي إنها لا تطل على بحر مفتوح، كما أن مواردها الاقتصادية محدودة للغاية، إلا أنها استطاعت أن تستثمر تلك الموارد بأفضل ما يمكن، وتتدرج في تنويع مصادرها من الزراعة والثروة الحيوانية، إلى الانتقال في مرحلة لاحقة إلى السياحة، والصناعة، وجذب الاستثمار، حتى أصبح هذا البلد (أسرع دول العالم) تقدما على مستوى دخل الأفراد!،

فبعد أن كان معظم الشعب الرواندي يعيش تحت خط الفقر، أصبح دخل الفرد فيها يصنف على أنه (متوسط) حسب المؤشرات العالمية، إضافة إلى أنها واحدة من أكثر الاقتصادات الإفريقية نموا خلال الفترات الماضية، والأقل فسادا على المستوى الإقليمي، والأكثر أمنا.

هذه -باختصار شديد- التجربة الرواندية الملهمة، التي خرجت كالعنقاء من نار الحرب، والتخلف، إلى آفاق النهضة، والتقدم، وبنت نفسها في سنوات قلائل بسواعد أبنائها، ونفضت عن نفسها رماد الرجعية، والقبلية الضيفة، لأنها أعلت قيمة الوطن، ووضعت أهدافها بحكمة، وحققت الكثير منها خلال مسيرة حافلة بالطموح، والأمل، والإخلاص، فليت بعض الدول العربية -التي تمزقها الحروب- تستفيد من التجربة الرواندية، وتحارب بنفس العناد والروح القتالية لبناء مستقبل بلدانها، وليس من أجل الوصول إلى السلطة، والنفوذ.