أعمدة

من يصنع المشاهير؟

أذكر قبل عدة سنوات أن إحدى وحدات الجهاز الإداري للدولة عندما أرادت الترويج لبعض خدماتها دعت ثلاثة من المشاهير للقيام بذلك، إلا أن أحدهم طلب تأجيل الخطة أسبوعين لارتباطه بمهمة أخرى فلما فرغ أتى إليهم، وقبل عدة أيام رأيت بعض الشباب فرحين عندما رأوا أحد المشاهير يمر أمامهم وقاموا بالتقاط صورة له، وخلال الأيام الماضية وصف أحد الفنانين العرب أن ما يقدمه هو نوع من «التفاهة» مقارنة بما يقدمه فنانون آخرون يُطربون جمهورهم بقصائد وكلمات ذات مغزى.

تساءلت وأنا أستعرض هذه الأمثلة وسواها: من يصنع المشاهير؟ هل المجتمع كما يقال «الجمهور عايز كده»؟ أو الشركات والجهات الحكومية التي تنظر إلى عدد المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما تنظر إلى المحتوى والأهداف التي يسعى إليها هؤلاء؟، وقد رأينا في العديد من الدول أن بعض هؤلاء المشهورين هدفهم الربح السريع دون وضع أي اعتبار لقيم المجتمع وتقاليده وثقافته، ولهذا فإن كثيرا مما يتم تقديمه هو غثٌّ لا طائل منه؛ في نظر كثير من الناس حتى أولئك الذين يتابعون المشاهير وحتى المشاهير أنفسهم.

قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؛ لم تكن الشهرة أمرا سهلا، ولم يكن الوصول إليها متاحا للجميع، وكان على من يريد أن يصبح معروفا أن يقدم شيئا يُلفت الانتباه إليه؛ كتابا يقدمه للناس، أو عملا فنيا أو ثقافيا، أو إنجازا رياضيا، أو اختراعا، أو موهبة تستحق أن يتوقف عندها الآخرون، وكانت الشهرة، آنذاك، تأتي نتيجة لما يقدمه الإنسان من أعمال جليلة، وكان المجتمع أيضا يرفض أيّ تلاعب في قيمه وثقافته وتقاليده، ولا يمكن أن يسمح لأيِّ كان أن يعبث بهذه القيم والتقاليد.

غير أن هذه المعادلة تغيرت كثيرا في الوقت الحاضر، ولم يعد الأطباء والمهندسون والمعلمون وأصحاب المواهب والإنجازات ومن يقضون أوقاتهم ليلا ونهارا لتقديم إنجاز للبشرية هم من ينظر إليهم المجتمع على أنهم هم القدوة التي ينبغي أن نحتذي بها بل أصبح الإنجاز يقاس بعدد المتابعين وليس بحجم الإنجازات الطبية والعلمية والهندسية والتعليمية والثقافية ونحوها، فمن يملك مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعي ليس كمن لا متابع له، ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد الشهرة تحتاج إلى المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح بإمكان أي شخص أن يصنع لنفسه جمهورا، وأن يحول عدد المتابعين والمشاهدات إلى ما يشبه رأس المال الجديد، ولعل هذا هو ما يدفع العديد من الشركات الكبرى ووحدات الجهات الإداري للدولة للتسابق في دعوة «المشهورين» للترويج لخدماتها ومنتجاتها معتقدة أنها هي المستفيدة من هذا الترويج بناء على عدد المتابعين ولم تدرك أن المحتوى الذي تقدمه هذه الجهة هو الذي يرفع عدد متابعي أولئك المشهورين، بمعنى أنهم هم الذين يحتاجون إلى الجهات الحكومية والشركات الكبرى لزيادة متابعيهم وليس العكس.

ولعل التغيرات التي شهدتها المجتمعات خلال السنوات العشر الأخيرة هي التي جعلت «الشهرة» ذات قيمة اقتصادية تقاس في كثير من الأحيان بعدد المتابعين وليس بجودة المحتوى، أي أن الشهرة أصبحت هي التي تجلب المال، وهو ما يدفع بعض الشباب والفتيات إلى تقديم أي محتوى يمكن أن يحقق لهم مزيدا من المتابعين والمشاهدات، أملاً في تحويل هذه الشهرة إلى مصدر للدخل.

لا تكمن المشكلة هنا في الشهرة ذاتها، ولا في رغبة الإنسان في تحسين دخله، وإنما في أن تتحول الشهرة إلى غاية تبرر تقديم محتوى لا يضيف قيمة حقيقية، خصوصا في ظل انتشار النزعة الاستهلاكية، وفي وقت يواجه فيه كثير من الشباب صعوبة في الحصول على الوظائف التي توفر لهم دخلا كريما يتناسب مع أعباء الحياة والتزاماتها.

إن التساؤل الذي بدأنا به هذا المقال، وهو: من يصنع المشاهير؟، لا يملك إجابة واحدة، فإذا كانت المنصات والخوارزميات لها دورها في زيادة عدد المتابعين والمشاهدات غير أن هناك أيضا دورا مهما أيضا للجهات الحكومية والشركات والمجتمع؛ فنحن في النهاية من نمنح الشهرة قيمتها عندما نقرر أين نضع اهتمامنا، وما الذي نتابعه، وما الذي نكافئه بالمشاهدة والإعجاب والمشاركة.

يبقى أن نشير إلى أن خطورة الأمر لا تكمن في أن يصبح شخصٌ ما مشهورا دون أن يقدم قيمة كبيرة للمجتمع، فهذا أمر وارد، وإنما في أن تتحول الشهرة إلى معيار للقيمة، وأن يصبح عدد المتابعين دليلاً على النجاح، حتى وإن لم يكن وراء هذه الأرقام محتوى يستحق كل هذا الاهتمام. إن مسؤوليتنا هي أن نميّز بين الغث والسمين؛ فربما لا نستطيع أن نحدد من سيصبح مشهورًا، لكننا نستطيع أن نحدد ما الذي يستحق أن يكون مشهورا.