عندما يتحول الموقع إلى قوة اقتصادية
الموانئ العُمانية .. دور محوري في تعزيز عناصر القوة الجيوسياسية
الأربعاء / 26 / ربيع الأول / 1448 هـ - 10:02 - الأربعاء 9 سبتمبر 2026 10:02
في الاقتصاد الحديث، يمثل الموقع الجغرافي قوةً اقتصادية عندما تتمكن الدول من توظيفه في بناء ممرات تجارية ولوجستية قادرة على جذب حركة التجارة والاستثمارات، وتحويل موقعها من مجرد ميزة جغرافية إلى مصدر للقيمة المضافة والنفوذ الاقتصادي، وتزداد قيمة هذه القوة عندما يقع الموقع بالقرب من طرق التجارة الدولية ومصادر الطاقة والأسواق الرئيسية، ولا تتوقف قيمة الموقع الجغرافي عند العائد الاقتصادي المباشر، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر للقوة الجيوسياسية عندما يُوظَّف بصورة فاعلة في دعم حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.
وقد لاحظنا في الكثير من المؤتمرات والملتقيات الترويجية أن ممثلي الموانئ في هذه الملتقيات يسلطون الضوء، في العروض المرئية التي يقدمونها وخلال لقاءاتهم مع ممثلي الشركات العالمية، على الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان على بحر العرب، المفتوح على المحيط الهندي، وبالقرب من خطوط الملاحة الدولية؛ باعتباره أحد عوامل الجذب الاستثماري، خاصة للشركات التي تبحث عن موقع آمن لتجارتها الدولية بعيدًا عن مضيق هرمز، وبالقرب من خطوط الملاحة بين الشرق والغرب والأسواق الاستهلاكية الرئيسية في الهند وشرق أفريقيا، كما أن استثمار سلطنة عُمان على مدى العقود الماضية في إنشاء موانئ صحار وصلالة والدقم عزز الأهمية الاستراتيجية لموقعها الجغرافي وحوّله من مجرد ميزة جغرافية إلى أحد عناصر القوة الاقتصادية والجيوسياسية، فالموانئ الثلاثة لا يقتصر دورها على الحركة التجارية وتعزيز نمو الصادرات العُمانية فقط، وإنما تمثل بوابات اقتصادية ومنافذ بحرية يمكنها المساهمة في تعزيز حركة التجارة الإقليمية والدولية في أوقات السلم، وكذلك أثناء اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي تمر من خلاله كميات ضخمة من النفط والغاز والتجارة الدولية.
وفي ظل التوترات والصراعات التي تشهدها المنطقة، يبرز تساؤل مهم: هل تستطيع الموانئ العُمانية تحويل موقعها الجغرافي إلى بديل لوجستي حقيقي يعزز من عناصر القوة الجيوسياسية لسلطنة عُمان، ويسهم في تخفيف الضغوط التي تواجهها خطوط الملاحة وشركات النقل الدولية؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، علينا أولًا أن ننظر إلى طبيعة الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان، وما تمتلكه من مقومات لوجستية، كما ننظر أيضًا إلى مقومات الموانئ ومدى تنافسيتها وقدرتها على توفير مسارات بديلة وموثوقة لحركة التجارة في الظروف الاستثنائية.
إن وقوع موانئ صحار وصلالة والدقم خارج المسار البحري لمضيق هرمز، إلى جانب الإمكانيات التي تتمتع بها في مناولة الحاويات والبضائع المختلفة، يمنحها ميزةً جغرافية ولوجستية يمكن توظيفها لاستقطاب جزء من حركة التجارة وإعادة توجيهها بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية، كما يمكن لهذه الموانئ أن تشكل جزءًا من شبكة البدائل التي تعزز مرونة سلاسل الإمداد الخليجية والدولية خلال الأزمات التي تمر بها المنطقة، ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الموانئ العُمانية من خلال توسيع علاقاتها مع شركات الشحن العالمية والخطوط الملاحية الدولية والموانئ الخليجية، بما يسهم في توفير خيارات لوجستية إضافية من شأنها تخفيف الضغوط التي تواجه حركة التجارة الدولية.
غير أنه من المهم الإشارة إلى أن أهمية الموانئ العُمانية لا تنبع من وجودها خارج نطاق مضيق هرمز فحسب، وإنما أيضًا من خلال تكامل أدوارها واختلاف مواقعها الجغرافية وقدراتها اللوجستية، فميناء صحار -على سبيل المثال- يتمتع بقربه من الأسواق الخليجية الرئيسية، وهو ما يجعله مؤهلًا للقيام بدور أكبر في استقبال وإعادة توجيه جزء من البضائع المتجهة إلى أسواق المنطقة، بينما يوفر ميناء الدقم موقعًا استراتيجيًّا على بحر العرب بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يتيح له الإسهام في نمو حركة الترانزيت وإعادة التصدير، مستفيدًا من وقوعه في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، التي تتميز بالعديد من الإمكانيات الصناعية واللوجستية التي تدعم حركة التجارة الإقليمية والدولية، في حين يستفيد ميناء صلالة من موقعه على خطوط الملاحة الدولية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن قدرته على التعامل مع حركة الترانزيت وإعادة توزيع البضائع إقليميًّا ودوليًّا، الأمر الذي يمنحه فرصة لتعزيز دوره كحلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والخليجية، وعلى هذا فإن شبكة الموانئ العُمانية التي تتكامل أدوارها توفّر خيارات متعددة أمام شركات الشحن والتجارة الدولية، وهو ما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويرفع من القيمة الاقتصادية للموقع الجغرافي لسلطنة عُمان.
هذه الحقائق تنقلنا للحديث عن أهمية بناء منظومة لوجستية متكاملة تحوّل الميزة الجغرافية للموقع الاستراتيجي إلى مكسب اقتصادي مستدام، وفي نظري، فإن بناء منظومة لوجستية متكاملة يتجاوز تطوير الموانئ ورفع قدرتها على استقبال ومناولة السفن والبضائع ليشمل ما تقدمه المنظومة اللوجستية من مزايا وتسهيلات تعزز من أهمية الموقع الاستراتيجي؛ فالمنافسة على حركة التجارة الدولية لا تعتمد على الموقع الجغرافي وحده، وإنما تشمل أيضًا سرعة المناولة، وتنافسية التكاليف، وكفاءة الإجراءات الجمركية، وتوافر خدمات التخزين وإعادة التصدير، وجودة الربط البري، إضافة إلى قدرة الموانئ على توفير خدمات بحرية ولوجستية متكاملة، كما أن توسيع الشراكات مع الخطوط الملاحية العالمية وشركات الخدمات اللوجستية والموانئ الإقليمية من شأنه تعزيز انتظام خطوط الشحن ورفع جاذبية الموانئ العُمانية أمام الشركات الدولية، ولعله من الأهمية الإشارة إلى أن الأزمة الحالية أكدت أن لدى الموانئ العُمانية الإمكانيات اللازمة لتخفيف الضغوطات التي تواجه سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وقد لاحظنا أن الموانئ العُمانية استطاعت استقطاب جزء من حركة التجارة التي تبحث عن مسارات بديلة، وتشير التقارير إلى ارتفاع حركة السفن في صحار والدقم، في حين استطاع ميناء صلالة تعزيز دوره في إعادة التصدير.
وإذا كانت الأزمة الجيوسياسية قد منحت الموانئ العُمانية الفرصة لإثبات قدراتها على أن تكون بوابات لوجستية تدعم سلاسل الإمداد الخليجية وتُسهم في تعزيز التجارة الدولية وتخفيف الضغوطات التي تواجهها، إلا أننا نرى أن علينا أن نركز في خططنا المقبلة على تحويل هذه الفرصة الظرفية إلى ميزة اقتصادية مستدامة حتى بعد عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها؛ لأن الموانئ لم يتم إنشاؤها لتخدم أنشطة تجارية أو صناعية محدودة، وإنما لتكون مساهمًا رئيسًا في خطط التنويع الاقتصادي، وداعمًا لنمو قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير وجذب الاستثمارات، بالإضافة إلى دورها في توفير فرص العمل للشباب العُماني وبناء خبرات عُمانية في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو ما يعني أن القيمة الاقتصادية لهذه الموانئ لا تُقاس فقط بحجم السفن والبضائع التي تستقبلها، وإنما أيضًا بقدرتها على توليد أنشطة اقتصادية متعددة، وربط سلطنة عُمان بسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وعلى هذا فإن استفادة الموانئ من التحولات الجيوسياسية يجب أن تكون امتدادًا لدورها التنموي وتحقيقًا للأهداف الاستراتيجية التي أُنشئت من أجلها، وهو ما يتطلب تطوير الطاقة الاستيعابية للموانئ، ورفع سرعة المناولة فيها، وزيادة خدمات التخزين والتوزيع، والاستفادة من موقعها داخل أو بالقرب من المناطق الاقتصادية والحرة، بما يسهم في تأسيس مراكز لوجستية تدعم نمو الموانئ ومصانع كبرى تدعم الحركة التجارية فيها، هذا بالإضافة إلى تطوير شبكة النقل البري، وإيجاد مسارات منتظمة لخطوط الملاحة الدولية تأتي مباشرة إلى الموانئ العُمانية، بما يؤدي إلى تحقيق أهدافها في خطط التنويع الاقتصادي وتفعيل دورها في التجارة المحلية والإقليمية والدولية.
يبقى أن نشير إلى أن الدور الذي تقوم به الموانئ العُمانية في تخفيف الضغوط التي تواجه حركة التجارة الدولية ودعم مرونة سلاسل الإمداد يعكس حرص سلطنة عُمان على أن تكون موانئها وخدماتها اللوجستية جزءًا من منظومة إقليمية ودولية قادرة على التعامل مع الأزمات وتوفير البدائل أمام حركة التجارة. وفي المقابل، فإن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها سلطنة عُمان من أجل عودة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز إلى طبيعتها تجسّد هذا النهج المتوازن، الذي لا يقوم على الاستفادة من الأزمات بقدر ما يقوم على تعزيز أمن واستقرار حركة التجارة، وتوظيف الموقع الجغرافي والمقومات اللوجستية بما يخدم الاقتصاد الوطني ويدعم انسيابية التجارة الإقليمية والدولية، وهكذا فإننا نجد أن القوة الحقيقية للموقع الجغرافي لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تتحول من مجرد ميزة على الخريطة إلى قيمة اقتصادية ولوجستية قادرة على تعزيز مرونة التجارة وسلاسل الإمداد في أوقات الاستقرار والأزمات على حد سواء.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية