عمان اليوم

تربويون: التعليم التقني والمهني ركيزة أساسية لبناء القدرات الوطنية وتتطلب التهيئة الشاملة وتعزيز الشراكات

استطلاع - نورة العبري تصوير: عبد الواحد الحمداني

 

يشكل التعليم المهني والتقني في سلطنة عمان ركيزة أساسية لبناء القدرات الوطنية وتلبية احتياجات سوق العمل؛ حيث تم إدراجه ضمن مرحلة التعليم ما بعد الأساسي في المدارس، إلى جانب الكليات والبرامج المهنية المتخصصة.
واعتمدت وزارة التعليم خطة التوسع في مسار التعليم المهني والتقني للعام الدراسي 2026 /2027م، بإضافة محافظتي جنوب الشرقية وجنوب الباطنة إلى المحافظات المطبقة للمسار، ليرتفع عددها إلى 6 محافظات تعليمية، إلى جانب استمرار التطبيق في محافظات مسقط وشمال الباطنة وظفار والداخلية.
ويستمر تطبيق التخصصات القائمة، التي تشمل إدارة الأعمال وتقنية المعلومات والسفر والسياحة، إلى جانب 6 تخصصات هندسية وصناعية، فيما ارتفع عدد المدارس المطبقة للمسار إلى 46 مدرسة خلال العام الدراسي القادم، مقارنة بـ 24 مدرسة خلال العام الدراسي المنصرم.
ويرى تربويون خلال استطلاع أجرته «$» أن التعليم التقني والمهني جاء لمواكبة التطورات العالمية الحديثة في التعليم، وإيجاد مسارات تعليمية واعدة للطلبة لتناسب ميولهم وقدراتهم ورغباتهم وتتطلب التهيئة الشاملة وتعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص. تقول عائشة بنت بدر الجبري، مديرة مدرسة نسيبة بنت كعب للبنات بمحافظة مسقط: قامت وزارة التعليم بتجهيز البيئة المدرسية بما يتناسب مع متطلبات النظام المهني والتقني، من خلال تهيئة القاعات وتزويدها بالأثاث المناسب والأجهزة والتقنيات الإلكترونية اللازمة، بما يدعم تنفيذ البرنامج وفق الخطة الدراسية المعتمدة، مضيفة أن هذه التجهيزات تسهم في توفير بيئة تعليمية جاذبة وآمنة ومحفزة، وتمكّن الطلبة من اكتساب المعارف والمهارات التطبيقية بصورة فاعلة.


تحديات التدريس
وأردفت بقولها: تتمثل أبرز التحديات التي قد تواجه المعلم في تدريس المواد التقنية والمهنية في عامل الوقت؛ إذ إن تقليص عدد الحصص المخصصة لهذا المسار، إلى جانب كثافة المحتوى الدراسي، قد يشكل تحديًا في الالتزام بالخطة الزمنية المعتمدة من الوزارة وإنجاز جميع الموضوعات والمهارات المستهدفة في الوقت المحدد. وللتغلب على ذلك، على المدرسة العمل على معالجة الفاقد التعليمي من خلال استثمار بعض الحصص الإضافية لتعزيز تعلم الطلبة واستكمال المهارات والمحتوى المتبقي، بما يضمن تحقيق أهداف المسار المهني والتقني.
وقالت: إن معلم التعليم التقني والمهني يحتاج إلى التطوير المهني المستمر بصورة عامة، إلا أن التدريب المتخصص في المسار ظل محدودة بالنسبة لمعلمي المواد الأساسية؛ نظرًا لأن المواد التخصصية يتم تدريسها من قبل الجهات والمعلمين المختصين بها. بينما يتولى معلمو المدرسة تدريس المواد الأساسية المشتركة، مثل الرياضيات واللغة العربية والتربية الإسلامية، وفق الخطط الدراسية والزمنية المعتمدة.
وبما أن هذه المواد تُدرّس وفق الأسس والمناهج المعتمدة في التعليم الأساسي، ولا يوجد اختلاف جوهري في محتواها عند تقديمها لطلبة المسار المهني والتقني، فإن المعلم لا يحتاج إلى تدريب مكثف خاص بالمسار، وإنما يمكن أن تتركز حاجته التدريبية على تطوير أساليب التدريس والتقويم وتوظيف الممارسات التعليمية التي تتناسب مع طبيعة طلبة المسار، مشيرة إلى أنه بالإمكان إدخال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التعليم التقني والمهني من خلال توظيفها بصورة عملية في عملية التعليم والتعلم، بما يتناسب مع طبيعة هذا المسار واحتياجات الطلبة. فالذكاء الاصطناعي أصبح من التقنيات الأساسية في مختلف المجالات، ومن المهم أن يكتسب الطلبة الوعي والمعرفة بكيفية استخدامه والاستفادة منه في تطوير مهاراتهم ومواكبة متطلبات سوق العمل والتطورات التقنية الحديثة، ويمكن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعداد الأنشطة والمشروعات التطبيقية، وتقديم تعلم تفاعلي يحاكي بيئات العمل الحقيقية، ودعم الطلبة في البحث عن المعلومات وتحليلها وحل المشكلات، إضافة إلى استخدام التقنيات الحديثة في التدريب والمحاكاة والتقويم وتقديم التغذية الراجعة الفورية.
التوسع في الشراكات
وأضافت: توجد بعض الشراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوسع والتفعيل بما يتناسب مع متطلبات التعليم التقني والمهني. ويحتاج البرنامج إلى مزيد من التعريف به ونشر أهدافه ومخرجاته لدى مؤسسات القطاع الخاص والقطاع الحكومي؛ بهدف تشجيع عدد أكبر من الشركات على المشاركة في دعمه وتمويله، وترى أن توسيع هذه الشراكات سيسهم بصورة كبيرة في تحسين جودة التدريب العملي، وتوفير فرص تدريب ميداني للطلبة، وربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، إضافة إلى تعزيز فرص الاستفادة من مخرجات البرنامج وتلبية احتياجات سوق العمل، موضحة أن الطلبة يمتلكون عند التخرج مجموعة من المهارات التي تؤهلهم للالتحاق بسوق العمل، وذلك من خلال الجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي.
إضافة إلى ذلك، فإن دراسة الطلبة في تخصصات تتوافق مع المسار الذي اختاروه تساعدهم على بناء قاعدة معرفية ومهارية مناسبة لتخصصاتهم المستقبلية، وتزيد من جاهزيتهم للالتحاق بالتعليم العالي أو المنافسة في سوق العمل. ومع ذلك، فإن تعزيز الشراكة مع مؤسسات القطاع الخاص وتحديث البرامج التدريبية بصورة مستمرة وفق احتياجات سوق العمل سيسهم في رفع جاهزية الخريجين وضمان امتلاكهم للمهارات المستقبلية المطلوبة، مشيرة إلى أن المسار المهني والتقني المطبق في المدرسة، يتركز حاليًا في تخصصي إدارة الأعمال وتقنية المعلومات. ومن الملاحظ وجود إقبال متقارب من الطالبات على التخصصين، حيث تختار الطالبة التخصص وفق ميولها وقدراتها ورغبتها في استكمال دراستها المستقبلية.
الإقبال والتوعية
من جهتها بينت فاطمة بنت خالد آل عبدالسلام، مديرة مدرسة صحم للبنات أن التعليم المهني والتقني جاء لمواكبة التطورات العالمية الحديثة في التعليم، وإيجاد مسارات تعليمية واعدة للطلبة تناسب ميولهم وقدراتهم ورغباته، لذلك فإن مثل هذا التعليم يؤهل الطلبة للانخراط المباشر في سوق العمل أو تكوين مشاريع ريادية خاصة بهم، ومن جهة أخرى يكون قاعدة صلبة لهم في حال رغبتهم مواصلة دراستهم في مثل هذه التخصصات في مؤسسات التعليم العالي.


وحول تقييم واقع التعليم التقني أفادت: بشكل عام جيد، إلا أنه من الطبيعي أن يخلق كل نظام جديد نوعا من التوجس والخوف لدى الطالب وولي الأمر، موضحة أن النظام لقي إقبالا جيدا مع وجود توعية للطلبة عن طبيعة هذه المسارات التعليمية ومستقبلها، كما تقوم الوزارة بتوعية الطلبة وأولياء الأمور والمجتمع بشكل عام بهذه المسارات التعليمية، إلى جانب المدرسة وبالتعاون مع الجهات المعنية تعمل على التوضيح الدقيق للطلبة عن هذه المسارات وطريقة الدراسة بها والخيارات المرتبطة بها، وذلك من خلال منشورات ومحاضرات وحلقات، حتى تكون الصورة واضحة بشكل كبير ومفصل.
ويرى الأستاذ خالد بن حمد الصلتي، المدير المساعد لمدرسة حفص بن راشد للبنين (10-12) أهمية هذه التخصصات لارتباطها المباشر بسوق العمل واحتياجاته، ومتطلباته المستقبلية، في حين أن التطبيق العملي والنظري منح الطالب الفرصة لاكتساب المهارات والخبرات حقيقة، ناهيك عن المعرفة النظرية، كما إن هذا المسار أصبح من العوامل المشجعة لأولياء الأمور والطلبة، إلى جانب ما حققه خريجو الدفعات السابقة من نتائج وتجارب إيجابية والتي أسهمت في تعزيز الثقة بهذه المسارات.


وذكر أن البرنامج والمناهج الحالية تواكب احتياجات سوق، وتتوفر البيئة التعليمية والتجهيزات المناسبة للتدريب العملي، بما يسهم في إكساب الطلبة المهارات والخبرات التطبيقية اللازمة، مع الحرص المستمر على تطويرها بما يواكب متطلبات سوق العمل، مشيرا إلى أهمية تحقيق التوازن بين الجانب النظري والتدريب العملي، لأنه يربط المعرفة بالتطبيق، ويكسب الطالب المهارات والخبرات التي تؤهله بشكل أفضل لمتطلبات سوق، إلى جانب أنه يساعد الطالب على تحويل المعرفة إلى مهارات واقعية، ويعزز جاهزيته لمواصلة دراسته أو الالتحاق بسوق العمل.
وحول تقييم إقبال الطلبة على التعليم التقني والمهني في السنوات الأخيرة أفاد الصلتي: في بداية تطبيق المسار، يوجد نوع من التخوف لدى الكثير من الطلبة وأولياء أمورهم، وذلك لكون المسار حديث وعدم وضوح مخرجاته بالنسبة لهم، ومع استمرار التعريف بالمسار وتوضيح أهدافه ومجالاته، إلى جانب تخرج الدفعة الأولى وظهور نتائجها، تغيرت الصورة، وأصبح هناك إقبالا متزايدا، وذلك من خلال التواصل المباشر من أولياء الأمور والأسر مع الإدارة للاستفسار عن إمكانية التسجيل، حيث تتواصل بعض الأسر مع إدارة المدرسة للاستفسار عن إمكانية التسجيل، وهذا مما يعكس تنامي الثقة بالمسار، والوعى بأهميته وفرصة المستقبلية.
وتقول رانية البلوشي، أخصائية توجيه مهني: ما زالت بعض الأسر تفضل التعليم الأكاديمي التقليدي، ويرتبط ذلك غالبًا بالصورة السائدة بأن المسار الأكاديمي هو الطريق الأكثر أمانًا للحصول على شهادة جامعية ومستقبل وظيفي مستقر. كما أن بعض الأسر قد لا تكون لديها معلومات كافية حول الفرص التي يوفرها التعليم المهني والتقني، مشيرة إلى أن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيًا، خصوصًا مع زيادة الوعي بأهمية المهارات التقنية والمهنية واحتياجات سوق العمل. وأصبح من المهم أن تدرك الأسرة أن النجاح لا يرتبط بمسار تعليمي واحد، وإنما بمدى توافق المسار مع قدرات الطالب وميوله واحتياجات سوق العمل.
التوجيه المهني
وتضيف: إن تغيير الصورة النمطية يبدأ من تغيير طريقة تقديم التعليم المهني للمجتمع. فلا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خيارًا للطالب الذي لم ينجح أكاديميًا، بل باعتباره مسارًا تعليميًا له أهدافه وتخصصاته وفرصه المهنية، موضحة أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال تعريف الطلبة والأسر بنماذج ناجحة لخريجي التعليم المهني والتقني، وتنظيم زيارات ميدانية للمؤسسات والشركات، وإظهار طبيعة الوظائف والتخصصات الحديثة التي تعتمد على المهارات التقنية، ومن المهم تعزيز التوجيه المهني في المدارس، بحيث يتعرف الطالب مبكرًا على قدراته وميوله والفرص المتاحة أمامه، فيختار المسار بناءً على قناعة ومعرفة، وليس بناءً على نظرة المجتمع.
وترى رانية البلوشي أن التعليم التقني أصبح بالنسبة إلى بعض الطلبة خيارًا أولًا ومقصودًا، وليس مجرد بديل عن التعليم الأكاديمي، ويرجع ذلك إلى أن بعض الطلبة يفضلون التعلم التطبيقي والعملي، ويجدون أنفسهم أكثر نجاحًا عندما يتعلمون من خلال الممارسة والتجربة وحل المشكلات، إضافة إلى إدراكهم أن المهارات التقنية أصبحت مطلوبة في العديد من القطاعات، وهنا يجب التأكيد على أن اختيار التعليم التقني لا يعني أن الطالب أقل قدرة أكاديميًا، وإنما قد يعني أن لديه ميولًا وقدرات مختلفة تتناسب بصورة أكبر مع هذا النوع من التعليم.
وذكرت أن هناك مجموعة من الأسباب التي تدفع الطلبة لاختيار هذا المسار ومن أهمها هو ميول الطالب وقدراته الشخصية، فبعض الطلبة يميلون إلى العمل العملي والتطبيق أكثر من الدراسة النظرية، إضافة إلى فرص العمل المستقبلية في التخصص، ورغبة الطالب في اكتساب مهارات عملية ومهنية، وتوافق التخصص مع اهتماماته وقدراته، وفرص التدريب العملي واكتساب الخبرة، والتطور السريع في التكنولوجيا والوظائف المرتبطة بها، وتشجيع الأسرة والمعلمين وأخصائيي التوجيه المهني، وإدراك الطالب لاحتياجات سوق العمل.
وترى درية بنت أحمد الأنصاري، معلمة بمدرسة دوحة المعالي (10-12) أن الطلبة لديهم وعي وإدراك ومعرفه بالتخصصات التي يريدونها والتي ترتبط بسوق العمل ولذلك يحسنون الاختيار، كما أن المعلمين يرون أن المناهج مواكبة للتطورات المهنية ومتجددة، وتساهم بشكل كبير في إعداد الطلبة الإعداد الجيد من حيث المعارف أو المهارات أو القيم، مشيرة إلى أن الطلبة يحصلون على مهارات متنوعة ومتجددة ومرتبطة بواقع احتياجات أصحاب العمل.
ووضحت أن الاختيار يعتمد على وضع الطالب وقدراته وإمكانياته وتدخل الأسرة والمعارف التي يمتلكها الطالب، فينقسم الطلبة إلى قسمين، طالب يختار وفقا لرغباته وميوله وقدراته، وآخر يختار وفقا لقدراته فقط.
وعقبت عبير بنت حامد الهنائي، أخصائية توجيه المهني بمدرسة دوحة المعالي (10-12) على مسار التعليم التقني والمهني بقولها: يتباين شعور الطلبة تجاه تخصصاتهم بين الرضا وعدم الرضا الناتج عن الفجوة مع سوق العمل وضغوط الاختيار، مما يجعل الكثير من الطلبة الموافقة على مقاعد دراسية بناء على نظام المعدل التنافسي، كما يضطر بعضهم قبول التخصص خارج نطاق رغبتهم حتى يضمنوا مقعد جامعي دون الرغبة فيه.
وتضيف: تمثل المناهج الركيزة الأساسية لإعداد الطلبة فنجاحها يرتبط بمرونتها وقدرتها على تلبية متطلبات العصر، فمناهجنا بدأت تأخذ منحى إيجابي، وذلك من خلال دمج أدوات التكنولوجيا والذكاء الصناعي بشكل أفضل وبشكل ملموس فهي تركز على التفكير النقدي، وحل المشكلات، وابتعدت عن الحفظ والتلقين.
وتشير إلى أن الطالب يحصل على المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل، وذلك من خلال حصص التوجيه المهني والتي تطرح وتناقش في المواقف الصفية، حيث يكتسب الطالب مهارات كثيره للالتحاق بسوق العمل على سبيل المثال مهارة التواصل والقدرة على التغيير، ومهارة حل المشكلات وكيفية التعامل مع التحديات.
وتفاعلت الطالبة ميار بنت سليمان المسكري مع موضوع التعليم المهني والتقني في المدارس وذكرت أن بعض التخصصات مطلوبة أكثر من غيرها، وأن المناهج جيدة ولكن نحتاج إلى أدوات تساعدنا في تنمية بعض المهارات اللازمة للمستقبل. ويرى الطالب محمد العبري أن التعليم المهني والتقني شكل فارقا كبيرا في تحديد التخصص الذي يرغب به، موضحا أنه استطاع أن يقرر تخصصه المستقبلي من خلال ممارسته للتعليم المهني الذي يرغب به.
أما الطالبة ميار الحراصي فتشعر بسعادة لانخراطها في هذا المسار بقولها: الطلبة يخضعون لتدريب ميداني في المجالات المرتبطة بتخصصاتهم، مثل إدارة الأعمال وتقنية المعلومات، مما يتيح لنا فرصة تطبيق المعارف والمهارات التي اكتسبوها خلال دراستهم في بيئة عمل حقيقية.