بينما تخفض الحكومات المانحة ميزانيات المساعدات، وتخضع المؤسسات المتعددة الأطراف لضغوط مالية متزايدة، يتعين على منظمات التنمية أن تواجه التحدي المتمثل في تزايد الاحتياجات وتناقص الموارد.
يُعَد التساؤل حول كيفية التصدي للتحديات المستمرة، مثل الفقر وفجوات التفاوت، وتغير المناخ، والأزمات الإنسانية، بالاستعانة بقدر أقل من الموارد، مُـلِـحا بشكل خاص في إفريقيا، حيث اعتمدت بلدان عديدة لفترة طويلة على التمويل الخارجي لدعم البرامج والخدمات الأساسية.
تكمن الإجابة في كيفية رصد التنمية وتقييمها، وهو ما يُصوَّر غالبا على أنه ممارسة تقنية محايدة تقيس مدى تحقيق المشاريع لأهدافها.
الواقع أن التقييم عملية سياسية بامتياز: فهو يعكس ما يُنظر إليه على أنه مهم، ومن تنال معرفته الثقة، وهو يؤثر على عملية تحديد البرامج التي تستمر في تلقي التمويل. وبالتالي، فإن التقييم هو ما يحدد آلية توزيع الموارد، والحلول التي سيجري دعمها وتوسيعها.
الأمر الأكثر أهمية هو أن المعايير التي بموجبها تُقيَّم مشاريع التنمية مهمة ليس فقط لتحديد جهات توجيه الموارد المحدودة، بل أيضا لتشكيل مستقبل حوكمة التنمية العالمية.
الواقع أن الاتحاد الإفريقي لطالما طالَب بإدخال إصلاحات على بنية التنمية والتمويل الدولية، داعيا إلى تمثيل أكبر، وتمويل أكثر إنصافا، وصوت أقوى لإفريقيا في صنع القرار العالمي. لكن هذه الإصلاحات، على الرغم من أهميتها، تتجاهل غالبا محركا قويا آخر للتغيير: السيطرة على المعرفة والأدلة.
حتى يومنا هذا، ظلت أطر التقييم متأثرة إلى حد كبير بأولويات الجهات المانحة، بهدف تتبع النتائج ومقارنتها عبر السياقات المختلفة. وهي نتيجة لهذا تفشل غالبا في التقاط الحقائق على أرض الواقع داخل المجتمعات المحلية، ونادرا ما تعكس القيم المحلية.
عندما يحدد الممولون معايير النجاح، تُعامَل المجتمعات الأكثر تأثرا ببرامج التنمية كمصادر للبيانات بدلا من التعامل معها باعتبارها شريكة في تحديد ما يشكل التغيير الهادف وكيفية قياسه.
وكما ورد في كتاب التقييم المنصف: أصوات من الجنوب العالمي (الذي شارك اثنان منا في تحريره)، فإن توقعات المانحين والنتائج المرجوة تأخذ الأسبقية على توقعات المجتمعات المحلية.
مع تناقص الموارد المتاحة حاليا، واعتماد تخصيصها بشكل متزايد على الأدلة التي تثبت الأثر، فلا يوجد وقت أفضل من الآن لتطبيق ممارسات التقييم المنصفة، التي تتحدى فكرة مفادها أن التنمية يمكن فهمها من خلال المؤشرات العالمية وحدها.
يستند هذا الإبداع المنهجي إلى اعتقاد مفاده أن الأدلة تتشكل بفعل التاريخ، والسياق، والثقافة، والسلطة، وأن هذه العوامل لا بد أن توضع في الاعتبار إذا كان للتقييم أن يساعد في تعزيز الإنصاف.
تستطيع البلدان والمجتمعات الإفريقية، على وجه الخصوص، اعتماد نُهج التقييم المصنوع في إفريقيا، التي تسعى إلى تقييم مشاريع التنمية وفقا للواقع الإفريقي، والقيم والأولويات الإفريقية.
وهذا يعني الاعتراف بأهمية المعارف الأصلية، والمؤسسات المحلية، وتجارب المجتمعات المحلية كمصادر مهمة للأدلة، مع التأكيد على أن التقييم يجب أن يعكس السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تجري فيها التنمية. مثل هذا التحول يعيد في نهاية المطاف تشكيل هوية من يمسك بزمام السلطة على المعرفة ذاتها.
تُـجبِر المشاركة من جانب المجتمعات المحلية الحكومات على أن تكون مسؤولة أمام المواطنين، وليس أمام الممولين فحسب.
على سبيل المثال، عندما تراقب لجان الصحة الريفية أداء العيادات باستخدام بطاقات تقييم صممها المجتمع المحلي بدلا من الاعتماد على عمليات تدقيق الجهات المانحة، يصبح بوسع مديري المرافق تحديد حالات نقص الأدوية، أو فترات الانتظار الطويلة، أو الثغرات في الخدمات، والاستجابة لها بسرعة أكبر، بينما تحصل السلطات الصحية على أدلة مولَّدة محليا.
على نحو مماثل، عندما يساعد المزارعون في تقييم مشاريع الري، تكشف التقييمات عن قيود عملية ــ مثل إمدادات المياه التي لا يمكن التعويل عليها، وعمليات الصيانة غير الكافية، والتوزيع غير العادل للأراضي ــ والتي قد تغفلها المؤشرات المصممة خارجيا. من الممكن أن تسهم هذه البيانات أيضا في تحديد الأولويات الوطنية، على النحو الذي يُـفضي إلى إنفاق تنموي أكثر استجابة وكفاءة. وإذا عملت المؤسسات الإقليمية على بناء قدراتها التقييمية الخاصة، فسوف تصبح البلدان أقل اعتمادا على الأطر التي قد لا تعكس أهدافها التنموية.
وكما تظهر هذه الأمثلة، فإن منح البلدان الإفريقية صوتا أكبر في المؤسسات الدولية لا يكفي لإصلاح حوكمة التنمية العالمية. فالتحول البنيوي يتطلب منحها دورا أكبر في جمع وتفسير واستخدم البيانات والأدلة.
وفي غياب تغييرات جوهرية في التقييم وما ينتج عنه من إنتاج للمعرفة، ستظل دعوات «تحرير التنمية من الاستعمار» مجرد كلمات جوفاء.
يؤكد مشهد المساعدات الحالي على مدى إلحاح هذه المهمة. إن تقليص المساعدات الخارجية لا ينبغي أن يعني التخلي عن الالتزامات تجاه المساواة. بل ينبغي للحكومات والجهات المانحة ومنظمات التنمية، بدلا من ذلك، أن تبذل قدرا أعظم من الجهد لتوجيه الأموال المتبقية إلى أولئك الـمُستبعَدين تاريخيا. وهذا يستلزم الاستعانة بأنظمة تقييم قادرة على كشف أوجه التفاوت بدلا من إخفائها وراء المتوسطات الوطنية ومؤشرات الأداء الإجمالية.
من غير الواضح ما إذا كانت حقبة المساعدات الأجنبية الوفيرة تقترب من نهايتها أو أنها تمر بأزمة مؤقتة.
في كلتا الحالتين، أتاح هذا الوضع الفرصة لإعادة النظر في التعاون الإنمائي وتعزيز الثقة في كيفية استخدام هذه الموارد. في إفريقيا، من الممكن تحقيق ذلك من خلال ضمان تعبير ممارسات التقييم عن واقع المجتمعات المحلية الـمُـعاش، وسماحها بتعريف النجاح بشكل تعاوني بدلا من فرضه من الخارج.
هلانغاني منغوني باحث في مركز التعلم حول التقييم والنتائج (منطقة إفريقيا الناطقة بالإنجليزية).
ستيفن ماسفوري أخصائي فني أول في مجال التقييم بمركز التعلم حول التقييم والنتائج (CLEAR) في منطقة إفريقيا الناطقة بالإنجليزية.
تاكوندا تشيراو مدير مركز التعلم حول التقييم والنتائج في إفريقيا الناطقة بالإنجليزية.
خدمة بروجيكت سنديكيت