أفكار وآراء

عُمان والسعودية.. علاقات تاريخية وشراكة استراتيجية

سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية تربطهما علاقات تاريخية وتجمعهما شراكات اقتصادية واستثمارية واعدة تقوم على المصالح المشتركة والروابط الاجتماعية، والدينية، والجوار الجغرافي الممتد مئات الكيلومترات؛ إذ تعد العلاقات التي تجمع البلدين الشقيقين أنموذجا للتنسيق الاقتصادي الفاعل، وحسن الجوار المبني على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

والعلاقات بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية الشقيقة ليست وليدة الحاضر، بل ممتدة عبر عقود من التعاون والتشاور في مختلف القضايا والموضوعات ذات الاهتمام المشترك والأولوية التي تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها منطقة الخليج منذ بدء التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وخوض حربٍ مجهولة الأهداف والدوافع والنتائج على الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل نحو 6 أشهر من الآن.

العلاقات العُمانية السعودية اليوم تمثل شراكة استراتيجية مدعومة بإرثها العريق وجذورها التاريخية مع وجود قيادتين فذتين في البلدين، وإرادة سياسية واقتصادية للدفع بالعلاقات إلى مرحلة التكامل في جميع المجالات التي تحقق رؤية «عُمان 2040»، ورؤية «المملكة العربية السعودية 2030»، وأعتقد أن هذا التقارب بين البلدين سيسهم في نمو حجم الاستثمارات السعودية، وإطلاق مشاريع اقتصادية واستثمارية في المناطق الاقتصادية والحرة في سلطنة عُمان، وسينتج عنه فرص عمل متعددة التخصصات، وتعزز من المناعة الاقتصادية للبلدين أمام التقلبات الاقتصادية التي تعصف بالاقتصاد العالمي.

وشهدت العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية قفزة نوعية في حجم التجارة البينية من حيث سهولة حركة البضائع بين البلدين عبر منفذ الربع الخالي، وبالتالي يجعل فرص الاستثمار السعودي في سلطنة عُمان واعدة مع وجود المناطق اللوجستية والصناعية مثل المنطقة الحرة بالمزيونة التي تعد بوابة عُمان الجنوبية للسوق السعودي، أما المناطق الصناعية في كل من صحار والدقم أصبحت وجهات للمستثمرين السعوديين خاصة في قطاعات الصناعات التحويلية والألمنيوم والحديد.

إن حالة «لاحرب ولاسلم» التي تعيشها منطقة الخليج منذ أشهر ليست في صالح العالم أجمع، وتعمق من الإرباك الذي يشهده الاقتصاد العالمي منذ سنوات؛ خاصة أن التصعيد الإعلامي والعسكري مستمر بين فترة وأخرى، ولذلك تتطلب مزيدا من التنسيق والتكامل بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية؛ للبحث عن أدوات اقتصادية فاعلة وسبل لوقف التصعيد في المنطقة للتعامل مع الضرر الاقتصادي الذي تعاني منه دول الخليج الناتج عن ضبابية المشهد في مضيق هرمز وعرقلة حرية الملاحة من خلاله، وبالتالي من المهم البحث عن طرق اقتصادية آمنة لاستمرار تدفق السلع بعيدا عن المضائق التي يسهل السيطرة عليها وإثارة القلاقل في مياهها، ويؤدي إلى تأثر سلاسل الإمداد العالمية؛ خاصة أنّ مضيق هرمز يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات الطاقة عالميا، وبالتالي من المهم إيجاد الرؤى المشتركة بين دول منطقة الخليج للبحث عن مخرج اقتصادي عبر البحار المفتوحة من خلال سلطنة عُمان مع توفّر البنية اللوجستية المتطورة.

أرى أنّ هناك فرصا واعدة للتكامل الاقتصادي بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية؛ خاصة أن السوق السعودي يعد من أكبر الأسواق في منطقة الشرق الأوسط من حيث عدد المستهلكين البالغ عددهم نحو 36 مليون، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ونمو الأعمال.

أيضا تتميز كل من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية بالشواطئ الممتدة الطويلة والموقع الاستراتيجي بعيدا عن التوترات في المضائق المائية ما يؤهل البلدين للعمل على مشاريع الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، ويعكس قدرة البلدين على تصدير هذه الطاقة إلى العالم بسهولة وبكميات كبيرة؛ وبالتالي فإن الفرص الاقتصادية في البلدين من خلال السوق الكبير والتمويل في المملكة العربية السعودية والموانئ المطلة على بحر العرب في سلطنة عُمان وقدرتها على ربط الخليج بشرق آسيا وأفريقيا تعد المحرك الأساسي لاقتصاد البلدين، وهي ضرورة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها المنطقة؛ فالتكامل الاقتصادي الخليجي الحقيقي يكمن في بحث الفرص الاقتصادية في جميع دول الخليج، والتخطيط للاستفادة منها في إيجاد كيان اقتصادي خليجي قوي قادر على منافسة التكتلات الاقتصادية العالمية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة وتؤثر على سلاسل الإمداد العالمية من السلع والخدمات.

إن الجذور التاريخية في العلاقات بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية والجوار الجغرافي للبلدين الشقيقين تؤسس لشراكات اقتصادية مستقبلية واعدة في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية مدعومة بحركة السيّاح السعوديين إلى سلطنة عُمان، وتصدير السلع والمواد الخام عبر الموانئ العُمانية إلى آسيا وأفريقيا، وسهولة حركة رجال الأعمال والعمالة الوطنية الماهرة في البلدين بما يدعم المشاريع الناشئة والكبرى، وتدفق الاستثمارات بين البلدين خلال السنوات الماضية، وتناغم الأهداف والمبادرات الداعمة لتحقيق رؤية «عُمان 2040»، ورؤية «المملكة العربية السعودية 2030».