أفكار وآراء

الجسر الذهبي نحو التعددية القطبية النقدية

من العلامات الواضحة على تراجع هيمنة الدولار والتحول نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب عودة الذهب إلى صدارة المشهد في الأسواق المالية العالمية.

وينظر المستثمرون إلى المعدن بصورة متزايدة بوصفه أصلًا استراتيجيًا فيما تشتري البنوك المركزية كميات قياسية منه لتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة المخاطر المالية والجيوسياسية؛ إذ شهد العام الماضي رابع أكبر زيادة في احتياطيات الذهب على الإطلاق.

ولا يُعد قرار البنك المركزي الهولندي نقل جزء كبير من احتياطياته من الذهب إلى خارج الولايات المتحدة عازيًا ذلك إلى «الاضطرابات الجيوسياسية» سوى أحدث مثال على هذا الاتجاه.

وتعزز ردود فعل الأسواق على تدخل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في أسواق السندات عقب موجة البيع الحادة التي طالت سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل وما نتج عنها من ارتفاع في العوائد خلال شهر أغسطس الذي يتسم عادة بالهدوء التصور السائد للذهب بوصفه ملاذًا آمنًا أخيرًا. وقد أدى تدخل بيسنت إلى هبوط حاد في قيمة الدولار وارتفاع هائل في أسعار الذهب.

ويأتي ذلك بعد تأكيد البنك المركزي الأوروبي في يونيو أن الذهب تجاوز سندات الخزانة الأمريكية، ليصبح أهم أصل احتياطي في العالم.

ويبدو أن هذه المكانة مرشحة لأن تترسخ وتتسع. ووفقًا لاستطلاع حديث أجراه «منتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية»؛ فإن عدد البنوك المركزية التي تخطط لخفض حيازاتها من الدولار خلال العقد المقبل يفوق عدد تلك التي تعتزم زيادتها.

وتوصل «مسح احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لعام 2026» الصادر عن مجلس الذهب العالمي إلى نتائج مماثلة؛ إذ توقع 74% من المشاركين أن تنخفض احتياطيات الدولار بدرجة متوسطة أو كبيرة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومن المستبعد بطبيعة الحال أن يحل مهيمن نقدي عالمي جديد محل الدولار في أي وقت قريب، ولا سيما في عصر رقمي يتسم بالانتشار السريع للتكنولوجيا والتوزع المتزايد للقوة الاقتصادية.

وبدلًا من ذلك فإن الانحسار البطيء عن العملة الأمريكية يشير إلى نشوء نظام نقدي دولي أكثر تنوعًا تؤدي فيه عدة عملات ــ الدولار واليورو والرنمينبي ــ أدوارًا مهمة، ولا سيما في احتياطيات البنوك المركزية. وفي مثل هذا النظام يؤدي الذهب دور الأصل الاحتياطي المحايد سياسيًا الذي يربط بين الكتل النقدية المتنافسة.

وبدأت البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية والمستثمرون المؤسسيون يولون الحفاظ على رأس المال أولوية على تحقيق العوائد المرتفعة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الاستثمارات ذات العائد المرتفع تفقد جاذبيتها إذا كانت الأصول التي تقوم عليها معرضة لأن تصبح غير قابلة للوصول إليها في فترات الصراع أو عدم الاستقرار.

أما الذهب الذي ترتبط حركته عادة بعلاقة عكسية مع سعر صرف الدولار المرجح بالتجارة فلا ينطوي على مخاطر ائتمانية مقابلة مرتبطة بأي دولة ذات سيادة، ما يجعله أداة تحوط أفضل في مواجهة التحديات الناجمة عن سلوك أمريكي منفلت والاضطرابات الجيوسياسية.

وقد حولت المخاطر الجيوسياسية النظام النقدي الدولي من بنية تحتية محايدة تسهّل التجارة العالمية والاستثمارات العابرة للحدود إلى ساحة للتنافس الاستراتيجي، وهو تحول غيّر بصورة جوهرية معادلة المخاطر والعوائد، ورفع الأمن القومي من اعتبار هامشي إلى شرط أساسي لاتخاذ القرارات الاستثمارية.

ويعكس الطلب القوي على الذهب تحولًا أوسع في النظام المالي العالمي يتمثل في الانتقال من المطالبات المالية إلى الملكية الملموسة، ومن الكفاءة إلى القدرة على الصمود، ومن الاعتماد على عملة احتياطية واحدة إلى نظام نقدي أكثر تنوعًا وتوازنًا من الناحية الاستراتيجية.

ومن المؤكد أن إعادة تقييم المخاطر السيادية أثرت في استراتيجية بنك الشعب الصيني لإدارة الاحتياطيات؛ ففي يوليو رفع البنك احتياطياته من الذهب للشهر الحادي والعشرين على التوالي، لتصل إلى 76.08 مليون أونصة تروي.

وفي الوقت نفسه تعمل الصين على زيادة مخزونها الفعلي من الذهب في هونغ كونغ التي أطلقت مؤخرًا على أساس تجريبي نظامًا لمقاصة الذهب وتسويته، كما قيّدت وصول مستثمري التجزئة إلى تداول المعادن النفيسة.

ويؤكد تحول الصين نحو الاحتفاظ بالذهب المادي تطور وظيفة هذا المعدن من أصل مالي إلى أصل نقدي استراتيجي.

وإلى جانب تقليص الانكشاف على الدولار فإن الدور الأكبر للذهب في إدارة احتياطيات البلاد من العملات من شأنه أيضًا أن يعزز الثقة في الرنمينبي، ويدعم الثقة في الميزانية العمومية لبنك الشعب الصيني.

ويبدو أن هذا التوجه يهدف كذلك إلى دفع الجهود الرامية إلى توسيع استخدام الرنمينبي بما في ذلك من خلال اتفاقيات مقايضة العملات الثنائية، وآليات تسوية التجارة، وإصدارات الديون في وقت تشهد فيه سوق أدوات الدين المقومة بالرنمينبي توسعًا سريعًا، سواء سندات «ديم سوم» المتداولة خارج البر الرئيسي للصين أو سندات «باندا» المصدرة داخله.

لكن مساعي الصين للترويج للرنمينبي لا تعني أن هذه العملة قادرة على إزاحة الدولار عن موقعه؛ فالعملة الصينية لا تزال خاضعة لقيود على حركة رؤوس الأموال، كما تفتقر أسواقها المالية إلى العمق اللازم لمنافسة الدولار على المستوى العالمي.

وبالمثل حققت المبادرات الأخيرة الرامية إلى تدويل اليورو نجاحًا نسبيًا، وفي مقدمتها توسيع تسهيلات إعادة الشراء المعززة التي يوفرها نظام اليورو للبنوك المركزية، وتزايد إصدارات الديون المقومة باليورو، حتى أصبح اليورو في عام 2025 العملة الرائدة في سوق السندات الدولية الخضراء والمستدامة.

ومع ذلك لا يستطيع اليورو أن يأمل في شغل المكانة العالمية التي يحتلها الدولار بسبب عوائق هيكلية ومؤسسية أبرزها غياب سياسة مالية موحدة وأسواق رأسمال عميقة ومتكاملة تعمل بسلاسة.

ومع ذلك يكمل الذهب صعود العملات المنافسة، ويدعم تنويع الاحتياطيات من خلال توفير مخزن مشترك للقيمة يحظى بالقبول بصرف النظر عن الاصطفافات الجيوسياسية أو الترتيبات النقدية الأخرى.

ومن ثم فإن صعوده يعكس جهودًا ــ من بينها التسويات بالعملات المحلية بين أعضاء مجموعة «بريكس»، وأنظمة المدفوعات العابرة للحدود في آسيا ومناطق أخرى ــ ترمي إلى تعميق التكامل الإقليمي، وتقليص الاعتماد على الدولار في التجارة والاستثمار.

وتضيف التقنيات الرقمية التي تتيح تجاوز شبكات البنوك المراسلة التقليدية بُعدًا آخر إلى تجدد أهمية الذهب. فالعملات الرقمية للبنوك المركزية والبنية الأساسية للمدفوعات الفورية تتيحان إنشاء نظام نقدي غير مركزي تتعايش فيه عملات متعددة بما يشكل العمود الفقري لنظام مالي عالمي جديد يواكب العصر الرقمي. غير أن التكنولوجيا لا تستطيع أن تلغي الحاجة إلى الثقة؛ فالذهب يواصل توفير المصداقية العالمية التي تستند إليها الثقة خلال فترات التحول الهيكلي.

ومع أن الرأي التقليدي القائل إنه «لا بديل» عن الدولار لا يزال قائمًا فإن عملية تقليص الاعتماد على الدولار لم يكن متوقعًا لها يومًا أن تكون مفاجئة. ومن شبه المؤكد أن إعادة توزيع النفوذ النقدي عالميًا ستكون تدريجية وتراكمية بما يعكس إعادة اصطفاف موازين القوة الاقتصادية.

ولا تزال الحجة المؤيدة للذهب ــ بوصفه أصل الاحتياط المحايد في نهاية المطاف الذي تثق به جميع الدول، ولا تسيطر عليه أي منها ــ باعتباره درعًا في مواجهة الصدمات الجيوسياسية والمالية حجة لا يمكن إنكارها، لكن هذا ليس السبب الوحيد الباعث على الإقبال على المعدن؛ ففي مواجهة ثورة تكنولوجية هائلة وإعادة ترتيب للاقتصاد العالمي تسعى السلطات أيضًا إلى تعزيز سيادتها النقدية، وإنهاء الاعتماد على أي عملة احتياطية واحدة.

وهذا التحول الهيكلي في النظام النقدي الدولي هو المحرك الأعمق والأكثر استدامة للطلب على الذهب، ما يشير إلى أن الطلب القوي على المعدن الذي يؤدي دور الجسر الطبيعي نحو التعددية القطبية النقدية مرشح للاستمرار.

وكما لاحظ كلوتن إحدى شخصيات مسرحية شكسبير «سيمبلين» في وصفه للذهب: «فما الذي لا يستطيع أن يفعله؟ وما الذي لا يستطيع أن يُبطله؟».

هيبوليت فوفاك زميل «باركر» في شبكة حلول التنمية المستدامة بجامعة كولومبيا، وباحث مشارك في مركز الدراسات الأفريقية بجامعة هارفارد، وزميل متميز في الاتحاد العالمي لمجالس التنافسية

خدمة بروجيكت سنديكيت