أعمدة

مهرجان ظفار للنحت... إذ لان الصخر تتجمل المدينة

يبقى فن النحت واحدًا من أرقى الفنون البصرية وأكثرها قدرة على الديمومة والبقاء؛ فهو فنّ يحوّل الصمت إلى لغة، والصلابة إلى إحساس، والحجر إلى كائن نابض بالمعنى.

مثلما قال فيثاغورس: «هناك موسيقى في الحجر».

وهذا الانطباع الذي يخرج به الزائر للمنحوتات التي أنجزها مبدعوها في مهرجان ظفار للنحت المقام في سهل أتين، الذي يأتي ضمن فعاليات خريف ظفار ودعم من بلدية ظفار والتي اهتمت بالفنون السبعة التقليدية وهي: (العمارة، والنحت، والرسم، والموسيقى، والرقص، والمسرح، والأدب).

وإذ وُجّه اللوم في السابق إلى بلدية ظفار لعدم تبنيها فعاليات ثقافية مستدامة، كالحوار الذي أجريناه مع النحات العُماني سالم المرهون (1971)، ونُشر في صحيفة القدس العربي (5 سبتمبر 2013) تحت عنوان «النحات العُماني سالم المرهون: الحجر ألين من قلوب بعض البشر»، حينما سألناه عن غياب أعماله النحتية في مدينة صلالة ووجودها في دول مجاورة. فكان رده كالتالي:

«أرى أن بلدية ظفار ليست مهتمة بالعملية التثقيفية في تطوير المجتمع في مجال الفنون التشكيلية، حيث تركز البلدية على إرضاء وراحة المواطنين في جانب البنية التحتية، المواطن في ظفار لا يزال حديث العهد بهذا النوع من الفنون التشكيلية، فلماذا ستخسر البلدية في شيء لن يقدّره أحد ولم يطلبه أحد؟!، وحتى لو سلّمنا بأن هناك مناقصات لتجميل المدينة بأعمال نحتية فستكون العملية تجارية صرفة، والنتيجة قوالب إسمنتية نفذتها شركات مقاولات، ثم دعني أكون صريحا وأسأل عدة أسئلة، وأقول: أين الوزارات والبنوك وشركات القطاع العام والخاص من اقتناء الأعمال الفنية أو تنفيذها حتى تجمّل المدن؟!، لماذا لا نراهم يبنون الوطن أو يسهمون في بنائه مساهمة ترضي وتلبي حاجة المواطن وتطلعات المجتمع؟، ولماذا نلوم موظفي البلدية ؟! وبقية القطاعات كأنها تتبع الماء والكلاء ليس لها مقر أو وطن أو كيان، وأظن أن التقصير مشترك بين المؤسسة المتمثلة بالبلدية وبين الفرد الذي أمثله أنا، وكان الواجب عليّ تنفيذ بعض الأعمال الفنية في صلالة إسهام مني في تجميل مدينتي».

لكن مؤخرا تم تدشين مهرجان ظفار للنحت وظهرت العديد من الأعمال النحتية التي ستجد مكانتها في مدينة صلالة، وستسهم في أنسنة المدينة، وخلق مشهد ثقافي يُرسخ مدينة صلالة بشكل خاص ومحافظة ظفار بشكل عام كوجهة جمالية وفنية قادرة على احتضان الإبداع.

كما يفتح حوارًا بين الفنان والمجتمع، وبين الحجر والبشر، وبين الماضي والحاضر. وفي هذا السياق، تستحق بلدية ظفار الثناء على اهتمامها بهذا الفن الرفيع، وعلى سعيها إلى جعل المدينة أكثر جمالًا وثراءً بصريًا.

من ضمن الأعمال المنحوتة، عمل إبداعي لسالم المرهون، يحمل لفظة الجلالة «الله» تتجلى فيه قدرة الفنان العصامي وموهبته الفطرية المُعبّرة عن مادة جمالية وفكرية تُجسد روح الإنسان وطاقة المكان وديمومة الذاكرة.

إذ تتنوع أعماله بين المرأة والجرّة والحروف، فالمرأة والجرّة عنده رمزان للخصب والحفظ والحنان، وكلتاهما ترتبطان بالماء والطين، وهما أصلان من أصول الوجود. بهذا الفهم لا يكون النحت مجرد شكل، بل فكرة تتجسد، وسؤال فلسفي يُطرح على الحجر.

ومن هنا تبرز أهمية مهرجان ظفار للنحت، الذي ترعاه بلدية ظفار، بوصفه مبادرة ثقافية راقية تستحق الإشادة والتقدير. فقد أدركت البلدية أن جمال المدن لا يكتمل بالبنية الأساسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى الفن الذي يصنع الذاكرة البصرية، ويمنح الأماكن روحًا وهُوية.

إن رعاية بلدية ظفار لهذا المهرجان تمثل خطوة واعية نحو تعزيز الذائقة العامة، وفتح المجال أمام الفنانين والنحاتين ليتركوا بصمتهم في الفضاء العام، وليتحول الفن من قاعات العرض المغلقة إلى ساحات يراها الناس ويتفاعلون معها.

وهكذا يصبح النحت علامة على رقي المجتمعات ووعيها بقيمة الجمال. وحين تتبنى المؤسسات الحكومية أو الخاصة مثل هذه المبادرات، فإنها تجمّل المكان وتبني وجدانًا عامًا أكثر حساسية وارتقاء. إذ يُعبر الحجر عن طاقته وتصبح المدينة معرضًا حيًا للفن والحياة.