أفكار وآراء

العروبة والدين بين الصراع والوئام

منذ عقود، يثار موضوع العروبة والإسلام، وكأنّ هناك حربًا ضروسًا بينهما، أو أنّ وجود أحدهما يلغي الآخر؛ لكنني أرى أنّ هذا الخلاف مصطنع ولا يمكن أن يكون حقيقيًّا؛ فالعروبة والإسلام في جوهرهما ليسا متناقضين بل متكاملان؛ واللغة العربية هي لغة القرآن، والإسلام هو الذي نقل العرب من التشرذم القبلي إلى بناء حضارة عالمية. ومع ذلك، صُوّر الأمر وكأنّ هناك صراعًا وجوديًّا بينهما، والسبب في ذلك يعود إلى ظروف سياسية وأيديولوجية، بل وإلى تدخلات خارجية هدفت إلى إضعاف العرب والمسلمين معًا، وإبقاء المنطقة في حالة انقسام يمنع تشكّل قوة حضارية موحدة. وممّا يؤسف له أنّ الكثيرين ابتلعوا الطعم ووقعوا في الفخ المنصوب لهم.

وعندما نستعيد كيف نشأ مصطلح القومية العربية، نتذكر أنّ ذلك كان في أواخر العهد العثماني كرد فعل على سياسات التتريك، حين ظهر تيارٌ قوميّ يرى الوحدة في الهوية واللغة، ورفع شعارات تتحدّث عن وحدة العرب واستقلالهم، فيما ظهر في مقابله تيارٌ إسلاميّ يرى الوحدة في الدين والإسلام هو المرجعية الروحية والأخلاقية للأمة. ووسط النقاشات المحتدمة حول العروبة والدين، ظهر بعض المفكرين الذين تأثروا بالعلمانية الغربية وحاولوا فصل الدين عن السياسة، مثل عبد الرحمن الكواكبي الذي انتقد استغلال الدين لترسيخ السلطة السياسية، ومحمد أركون الذي دعا إلى العلمانية كخيار حضاري، ومحمد عابد الجابري الذي ركّز على نقد العقل العربي، ورأى أنّ العلمانية إشكالية فكرية أكثر من كونها واقعًا سياسيًّا.

وقد أثارت هذه المواقف حساسية لدى التيارات الإسلامية، لكني أعتقد أنها في النهاية لا تعني أنّ العروبة ضد الإسلام، بل تعكس اجتهادات فكرية في سياق تاريخي محدد.

لقد استغلت قوى خارجية هذا الاختلاف لتأجيج الخلاف؛ فبعد الحرب العالمية الأولى، فرضت القوى الاستعمارية اتفاقيات سايكس - بيكو وقسّمت المشرق العربي، وأجهضت حلم الدولة العربية الموحدة، كما غذّت الانقسامات المذهبية والعرقية، وروّجت لفكرة أنّ العروبة ضد الإسلام لتفكيك أيِّ مشروع وحدوي، حتى وصل الأمر الآن إلى التوجه بتقسيم الوطن العربي على أسس عرقية ومذهبية وطائفية، وصرنا نقرأ (علنًا) عن خطط تقسيم الدول العربية وإنشاء كيانات أمازيغية وفرعونية وكردية وعلوية، وخطط أخرى عن تأسيس دول سُنّية وأخرى شيعية وغيرها، وارتفعت نغمة تردِّدُ في غير بلد «أننا لسنا عربًا ولا تهمنا قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية».

رغم كلّ المحاولات، لا يمكن إنكار أنّ الحركات القومية العربية أثبتت قدرتها على مواجهة الاستعمار وتحقيق إنجازات ملموسة؛ ففي مصر، قاد جمال عبد الناصر مشروع التحرر الوطني، ونجح في تأميم قناة السويس عام 1956 متحديًا القوى الاستعمارية الكبرى، كما دعم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا، وأصبح رمزًا عالميًّا للمقاومة ضد الاستعمار.

وفي الجزائر، خاضت جبهة التحرير الوطني حربًا ضروسًا ضد الاحتلال الفرنسي انتهت بالاستقلال عام 1962، لتصبح الجزائر رمزًا للنضال القومي.

وفي العراق وسوريا، لعبت الحركات القومية دورًا في إنهاء النفوذ البريطاني والفرنسي، وبناء دول مستقلة ذات سيادة، كما دعمت القضية الفلسطينية سياسيًّا وعسكريًّا. وفي اليمن الجنوبي، ساهمت الحركات القومية في طرد الاستعمار البريطاني عام 1967، لتفتح الباب أمام بناء دولة جديدة؛ هذه الإنجازات تؤكد أنّ القومية العربية لم تكن مجرد فكرة نظرية، بل مشروع عملي ساهم في تحرير الأرض وبناء الدولة، وأثبت أنّ الهوية القومية يمكن أن تكون أداة فعالة في مواجهة الاستعمار.

تلك الإنجازات كثيرًا ما قادتني إلى التفكير في مصير الدول التي تبنت المشروع القومي والتحرري وكيف وقف الاستعمار والطغيان العالمي تجاهها.

أرى أنّ قوة العرب هي قوة للمسلمين؛ فكلّ القوميات في العالم تتمسك بهويتها بلا اعتراض، سواء كانت قوميات أوروبية أو آسيوية، لكن عندما يتمسك العرب بعروبتهم يُتهمون بأنهم ضد الإسلام، وينصَبُّ الهجوم دائمًا على العروبة، بينما نجد أنّ كلّ من يتمسك ويتعصب لقوميته، يُعتبر مسلمًا صالحًا، إلا العرب فإنّ دينهم يُعتبر ناقصًا إذا تمسكوا بعروبتهم، ولا أعتقدُ أني أجانب الصواب إذا قلتُ إنّه حتى من يقف موقف العداء ضد العروبة، في داخله انتماء لا يمكن أن ينكره. هذا التناقض يكشف أنّ الخلاف مصطنع، وأنّ وراءه مصالح خارجية لا تريد للعرب والمسلمين أن يجتمعوا على مشروع نهضوي واحد، وأنّ تصوير العروبة كتهديد للهوية الإسلامية، الهدف منه منع العرب والمسلمين من بناء قوة حضارية موحدة.وممّا أعجبني ما قاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «اقترنت العروبة والإسلام من أمد بعيد في حضارة واحدة وتاريخ مشترك، وشعر العالم كله بهذا الرباط القوي الجامع، فهو إذا تصور الإسلام لا يستطيع أن ينسى العرب الذين آمنوا به وطوفوا أرجاء العالمين برسالته. وهو إذا تصور العروبة لا يستطيع أن ينسى الدين الذي أعلى شأنها، وخلد أدبها وجمع من شتاتها دولة قدمت للإنسانية أزكى المثل وأرجح القيم».

وإذن؛ فإنّ التمسك بالعروبة لا يتعارض مع الإسلام، بل يعزّزه ويقويه، ووحدة الهوية مع وحدة العقيدة هي الطريق لبناء قوة حضارية تواجه محاولات التفتيت والتجزئة، وتعيد للأمة مكانتها بين الأمم. وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإنّ التحديات الراهنة من عولمة وصراعات إقليمية وتدخلات أجنبية تجعل من الضروري إعادة صياغة مشروع عربي - إسلامي موحد، يقوم على التكامل بين الهوية الثقافية والمرجعية الروحية، ليكون العرب والمسلمون قادرين على مواجهة التحديات وصناعة نهضة جديدة تعيد لهم دورهم التاريخي في قيادة الحضارة الإنسانية.

فليس من المنطق - وقد شهد الوطن العربي ما شهد - أن ينبري البعض حتى الآن في النقاشات الفارغة عن الخصومة بين العروبة والإسلام دون النظر إلى المآلات التي آلت إليها الأمور.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.