تَداعي النظام العالمي للولايات المتحدة
الاحد / 23 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:32 - الاحد 6 سبتمبر 2026 20:32
ترجمة: قاسم مكي
في 16 أغسطس أعلن دونالد ترامب عن خفض كبير في التمارين العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية.
وفي 19 أغسطس أعلن ما أُطلِق عليه بعد خمسة أيام لاحقا «عملية المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران والتي تم تعريفها بأنها مسعى «لقطع شرايين الحياة الاقتصادية التي تدعم بقاء النظام الإيراني». وفي يوم 21 أغسطس انهارت المحادثات التجارية للولايات المتحدة مع كندا بعد تقديم الأمريكيين مطالب جديدة تَحِدُّ من حرية كندا في عقد اتفاقيات مع بلدان أخرى والحفاظ على قوانينها التي تحمي اللغة الفرنسية.
وفي يوم 28 أغسطس أعلن ترامب عن «أكبر صفقة نفطية» على الإطلاق، تمنح الولايات المتحدة سيطرة على 55% من إنتاج شركة فنزويلية جديدة تتولى تطوير 17 حقلا باحتياطيات مؤكدة تبلغ 65 مليار برميل.
هذا جهد مذهل بُذل خلال أسبوعين فقط. التصرفات نفسها غير مفاجئة، لكنها تكشف عن نوع العالم الذي يؤمن به ترامب؛ إنه عالمٌ ليس للولايات المتحدة فيه حلفاء، ولكنْ أتباع يدورون في فلكها. عالمٌ يمكن أن تفعل فيه الولايات المتحدة كل ما تريد، أينما تريد، ولِمَن تريد. عالمٌ القوة وحدها هي المهمة فيه، وفوق كل شيء عالم تعتقد الولايات المتحدة أنها وحدها التي تملك القوة فيه مع تركز تلك القوة في يد رجلٍ واحد، ليس صدفةً أنه متنمِّر.
لم يكن العالم أبدا هكذا؛ ففي عام 1969 نشر دِين آتْشِيسُون وزير الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان في الفترة 1949-1953 كتابا بعنوان «حاضر عند الإيجاد» أوضح فيه منطق سياسة الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في مقدمة الكتاب يسرد «حكاية مفاهيم كبيرة وإنجازات عظيمة وبعض الإخفاقات... بطل الحكاية هو الشعب الأمريكي بقيادة رجلين نادِرَين هما الرئيس ترومان والجنرال مارشال». ثم يمضي إلى شرح «ضخامة المهمة» أمامهما. إنها «إيجاد نصف عالم حر» من الفوضى السائدة وقتها «دون تفجير العالم بأكمله إلى أشلاء في أثناء عملية الإيجاد هذه»، ويضيف «ما يُدهش حجمُ ما تم تحقيقه». نعم كان ذلك مدهشا حقا؛ فبسبب ما أوجداه حينها كسب «النصف الحر» والمحاصر وقتها الحربَ الباردة. وسقط الاتحاد السوفييتي، آخر الإمبراطوريات الأوروبية العظيمة، وحلُم معظمُ العالم بالسلام والازدهار. عندما يكتب ترامب سيرته الذاتية أملي أن يسميها «حاضرا عند التدمير»؛ ليس لأنه مسؤول شخصيا عن موت تلك الأحلام، لكنه يقينا الرجل الذي يدق الآن المسامير على توابيتها.
فقط تأملوا الأشياء الأربعة التي فعلها في الأسبوعين الماضيين والمشار إليها بإيجاز أعلاه. نحن في عالم بلا قانون ولا يمكن التنبؤ بما يحدث فيه. ترامب ليس من أوجد ذلك العالم، لكنه يقينا محرِّكه الرئيسي.
دعونا نبدأ بحكاية كوريا الجنوبية والشمالية. بدأت الحرب الكورية عندما غزت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية في عام 1950، وكان إجمالي الخسائر البشرية لتلك الحرب حوالي 5 ملايين قتيل. فقدت الولايات المتحدة نفسها 37 ألف جندي في السنوات الثلاث للحرب، وكانت النتيجة الهدنة الطويلة الحالية وليست سلاما حقيقيا.
في تفسير قراره بتقليص تمارين هذا العام مع كوريا الجنوبية أشار ترامب إلى «العلاقة الجيدة جدا مع كيم جونغ أون الحاكم الوارث للنظام الشيوعي». وهو ليس مثل أي نظام شيوعي آخر؛ فكوريا الشمالية هي البلد «الأكثر شمولية» في العالم. وكوريا الجنوبية، على أية حال، نتاجُ واحدة من أعظم المعجزات الاقتصادية في العالم وديموقراطية تُصنَّف الآن بواسطة فريدوم هاوس (بيت الحرية) في درجة أعلى من الولايات المتحدة. لم تسبب التمارين العسكرية حربا على الإطلاق، لكن عزل كوريا قد يفعل ذلك.
الآن لنلتفت إلى الحرب التجارية ضد كندا، هذه أيضا مذهلة وتوجد خلفها ثلاثة معتقدات ترامبية بامتياز هي: كندا ليست بلدا يتمتع بالسيادة والفوائض التجارية. افتراسٌ اقتصادي. التغييرات المستمرة للسياسات التجارية بدون تكلفة. نتيجة هذه المعتقدات، حتما، الفوضى.
لكن الفوضى لترامب فرصة وليست مشكلة؛ إنه يحبها. ومرة أخرى قارنوا ذلك بما امتدحه آتْشِيسون.
تشمل المنجزات العظيمة التي أوجدها عهد ترومان خطةَ مارشال (لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب) والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات). لكنها بالنسبة لترامب حماقات مثالية.
هل ستنجح حربه التجارية مع كندا؟ لا. هل يمكن أن تقود إلى حرب بين هذين الصديقين سابقا والجارين؟ من يعلم!
ثم هنالك المرحلة القادمة في حرب إيران. مع تجدد العداوات مؤخرا عدنا إلى التساؤل حول نوع الاضطرابات التالية. ما هو مؤكد أن نتيجة الحرب كانت أبعد من تلك الموعودة عندما بدأت الحرب في فبراير. وكل محاولات إعادة فتح مضيق هرمز هشة.
كما لا يزال من الصعب أن نرى أية نتيجة إيجابية وأطول أمدا من هذه الحرب للولايات المتحدة أو حلفائها.
هل من المرجح أن تكون «عملية المنبوذ الاقتصادي» مختلفة؟ لا أعتقد ذلك لثلاثة أسباب:
أولا: حافظ النظام الإيراني على بقائه في مواجهة عداء طال وفي أوضاع الحرب الآن.
ثانيا: يعلم قادته ما سيحدث لهم في الغالب إذا خسروا الحكم.
ثالثا: عندما ألغى ترامب اتفاق باراك أوباما النووي في عام 2018 وعد بأن برنامج (الضغوط القصوى) الذي استحدثه حينها سيؤدي المهمة.
لقد فشل في ذلك. فهل ستحقق نسخته الجديدة المزيد؟ الراجح أن الصين ستسعى لضمان ألا يحدث ذلك، كما يحاجج بول كروجمان.
أخيرا، لدينا اتفاقية فنزويلا الجديدة والتي ليست سوى شكل تقليدي من أشكال استعمار القرن التاسع عشر التي يمكن تخيُّلها.
أنا على يقين أن فنزويليين عديدين سعداء بوجود نيكولاس مادورو في سجن أمريكي. لكن يقينا إنهم كانوا يأملون في الإطاحة بالدكتاتورية وليس مجيء مستعمر جديد يضع يده على نفطهم.
هل ستنجح هذه الاتفاقية في تحقيق ما تريده الولايات المتحدة؟ أشك في ذلك. فمن الذي سيضمن سلامة المستثمرين الجدد من القطاع الخاص؟
عند محاولة فهم نظرة ترامب للعالم من المستحيل البحث عن أفكار أو مبادئ. بل هذه النظرة ليست حتى عودة إلى واقعية بالمرستون (رئيس وزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر). إنها الطرح المضاد لما تم إيجاده بعد الحرب العالمية الثانية.
نحن الآن كلنا «حضور عند لحظة التدمير»، ففوضى اليوم هي هدية ترامب إلى العالم.
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز