معرفة الذات والتحرر من وهم الجوهر
الاحد / 23 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:32 - الاحد 6 سبتمبر 2026 20:32
قلنا إن كل شيء من حولنا يتغير: التاريخ الذي نرويه، والماضي الذي نستعيده، والزمن الذي نظنه وعاءً محايدًا لما يجري.
وقلنا إن فهم هذه الصيرورات يقتضي تمحيص النظر، ومراجعة المفاهيم كلما قصرت عن إدراك ما يحدث.
وليس ذلك عملًا ذهنيًا باردًا؛ إنه يحتاج إلى صدق يزعزع ما ألفناه، وإلى حرية تبيح لنا التخلي عما اطمأننا إليه.
غير أننا، ونحن نراجع العالم، كثيرًا ما نستثني الذي يراجعه: الذات.
نحسب أن في كل واحد منا «أنا» واحدة، ثابتة، قائمة خلف الأفكار والمشاعر والأفعال؛ تعرف نفسها، وتصدر عنها اختياراتها، وتحمل من طفولتها إلى شيخوختها جوهرًا لا يتبدل. ولا نقف عند القول: «أنا موجود»، بل نمضي إلى دعاوى أشد: أنا أعرف، وأنا أفضل، وأنا مكتمل أخلاقيًا واجتماعيًا وثقافيًا.
أخطائي عارضة تفسرها الظروف، أما فضائلي فمن صميم طبيعتي. أنا جوهر صافٍ، وما يخالف صورتي عن نفسي طارئ عليّ، أو من صنع الآخرين.
هذه الذات لا وجود لها.
ولا يعني هذا أن الإنسان وهم، بل إن الوهم هو ذلك الجوهر المستقل، الشفاف لنفسه، القابع خلف التجربة والقائد لها. ما نسميه «أنا» حصيلة متحركة من جسد وذاكرة ولغة وعادات، ومن رغبات ومخاوف وعلاقات وتجارب.
تتآلف هذه العناصر حينًا وتتدافع حينًا، ويعيد الحاضر تأويل الماضي كلما استدعاه. لسنا جوهرًا تجري عليه الحوادث، بل صيرورة تسهم الحوادث في تكوينها.
ويزيد العلم هذه الصورة إزعاجًا؛ فكثير من العمليات التي توجه الانتباه، وتصوغ التفضيل، وتستدعي الذكرى، وتدفع إلى القرار، يجري دون عتبة الوعي.
تصل النتيجة إلينا، ثم ينسج العقل لها تفسيرًا متماسكًا. فلا يكذب الإنسان بالضرورة حين يشرح دوافعه؛ قد يصدق حكاية أنشأها بعد الفعل، لأنه لم يشهد من العملية إلا خاتمتها.
ولا يكشف البحث في الدماغ عن مركز مفرد تنبع منه الذات، بل عن وظائف موزعة تصل بين الإحساس بالجسد والذاكرة والتوقع وفهم الآخرين.
ولا يكتمل تشكل هذه القدرات بمعزل عن العالم الاجتماعي؛ فقد نمت في حياة كان على الإنسان فيها أن يتوقع أفعال سواه، ويفهم مقاصدهم، ويحفظ موقعه بينهم. لذلك قد نستعين، في تفسير أنفسنا، بالأدوات نفسها التي نفسر بها الآخرين. ليست معرفتنا بذواتنا امتيازًا معصومًا، بل تأويلًا يستند إلى قرائن، وقد يصيب أو يخطئ.
ليس الوعي معدومًا، لكن سلطانه أضيق مما نحب أن نتوهم. إنه لا يحضر المقدمات كلها، ولا يملك دائمًا الأسباب التي يعلنها.
وهو، في جانب من عمله، محرر لحكاية أكثر منه مؤلفًا لجميع أحداثها: ينتقي ويربط ويسوغ، ثم ينسب إلى «أنا» واحدة ما صنعته، مجتمعةً، عمليات عصبية ونفسية واجتماعية متعددة. ومع ذلك يستطيع، متى انكشف له بعضها، أن يراجعها ويعيد ترتيب أثرها. وهنا تقوم مسؤوليته، ويبدأ مجال حريته.
من هنا تتحدد مناهج معرفة الذات. لا يكفي التأمل، لأن الناظر والمنظور إليه شريكان في المصلحة نفسها. نحتاج إلى مقارنة أقوالنا بأفعالنا، واختبار تفسيراتنا بتغير الظروف، والإصغاء إلى من يقع عليهم أثرنا. فإذا عارض أب اختيار ابنته بدعوى الخوف على مستقبلها، يُختبر تفسيره بمقدار استعداده لمراجعة أسبابه والإصغاء إليها، وبمدى تغير موقفه حين تزول مخاوفه المعلنة.
غير أننا نحب الأحكام النهائية لأنها تعفينا من مشقة البحث. نقول: «هذه طبيعتي»، أو «ذلك طبعه»، فنضع اسمًا حيث يجب أن نطرح سؤالًا. نصف شخصًا بأنه متسلط، ثم نفسر أفعاله بتسلطه، ونستدل على تسلطه بأفعاله. تدور الحجة حول نفسها، فيما تبقى الشروط التي صنعت السلوك بعيدة عن النظر.
قد تستقر العادات حتى يصبح توقعها معقولًا، لكن استقرارها لا يحيلها جوهرًا. من يكرر الكذب مسؤول عن كذبه، ويحق لمن خبر فعله أن يحتاط منه؛ إلا أن مساءلة الفعل شيء، والزعم بأننا أدركنا ماهية صاحبه شيء آخر. الأول يحفظ المسؤولية، والثاني يغلق المستقبل. وتغير الإنسان لا يمحو ما صنعه في غيره، ولا يُسقط حقَّ الآخر الذي أنشأه وعدٌ سابق. نفي الجوهر يفتح باب التحول، ولا يفتح باب الفرار.
وهنا تكمن قوته المحررة. من يقول «أنا أعرف» يصبح أقل استغناء عن التصحيح. ومن يقول «أنا أفضل» يضطر إلى فحص المعيار الذي فضّل به نفسه، والامتيازات التي حسبها استحقاقًا خالصًا. ومن يدّعي الاكتمال يواجه ما أقصاه من نفسه وأسقطه على غيره كي يحفظ صفاء صورته. لا يعدنا هذا بقدرة مطلقة، لكنه يمنعنا من تحويل حدود الحاضر إلى قضاء أبدي.
فإذا لم تكن الذات الفردية واحدة ولا ثابتة، فكيف نزعم ذلك للأسرة أو القبيلة أو الأمة؟ لا تتشكل الجماعة كما يتشكل الفرد؛ تصوغها الروابط والمؤسسات والذاكرة وموازين القوة والصراع على معنى الانتماء. وهي ليست شخصًا ضخمًا له طبع واحد وصوت واحد. وما يُقدَّم بوصفه «جوهر الأمة» ليس إلا اختيارًا من تاريخها، ترفعه سلطة حاضرة بالتعليم والإعلام والقانون، وتقصي به إمكانات أخرى. ومن يملك تعريف «نحن» يملك أن يقرر من يمثل الجماعة ومن يُطرح خارجها.
عندئذ تتحول مغالطة فكرية إلى أداة سياسية. نقول إن جماعة لا تحب العمل، أو لا تعرف النظام، أو تميل بطبعها إلى العنف. وبمجرد أن نرد السلوك إلى الجوهر، تختفي الأجور والتعليم والموارد والمؤسسات وتاريخ التمييز. وقد تحرم السياسة الناس من الفرص بناءً على هذا الحكم، ثم تتخذ ما أحدثه الحرمان دليلًا على صحته. وهكذا تصنع السلطة واقعًا، ثم تنسبه إلى طبائع ضحاياه.
رفض الجوهر لا يلغي الفروق، ولا يمنع التصنيف حين نحتاج إليه لكشف ظلم. لكنه يجعل التصنيف أداة مؤقتة للفهم، لا قفصًا يوضع فيه الإنسان. ويلزم صانع السياسة أن يمتحن افتراضاته، وأن يصغي إلى من تضعهم قراراته في فئات، وأن يراجع النتائج بدل أن يحمي نظريته بإدانتهم.
معرفة الذات ليست أن نقول بثقة: عرفت من أنا. إنها أن ندرك أن «الأنا» التي ادعت المعرفة والسيادة والاكتمال لم تكن يومًا واحدة ولا صافية، وأن ما حسبناه جوهرًا لم يكن إلا تاريخًا من التشكل نسي أنه تاريخ. وحين نتحرر من وهمه، ينفتح لنا من أنفسنا ومن العالم ما حجبه اليقين، ونرى الإنسان صيرورة لم تُغلق إمكاناتها بعد.
حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني