قرية المغيّر.. حكايات برائحة الدم
الاحد / 23 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:26 - الاحد 6 سبتمبر 2026 19:26
'طاخ.. طاخ'.. كان الطفل الذي لم يتجاوز عمره العامين يردد، وهو يشير إلى نافذة المنزل التي تعرضت لإطلاق النار من قبل عصابات المستوطنين، التي غزت قرية المغيّر شمال شرق مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، وما أن ينتهي من دورانه في البيت، حتى يعاود ترديد الكلمات ذاتها، ويتجه نحو النافذة من جديد.
ثمة ألفاظ جديدة دخلت إلى قاموس هذا الطفل وغيره.. كان صوت الرصاص غير مألوف بالنسبة لهذا الصغير، إلا أن الأمر لم يقتصر عليه، فهذا طفل آخر من ذات القرية، ما كان منه إلا الإختباء تحت سريره، فوز سماعه أصوات الرصاص الذي كان يخترق المنازل.
في منزل عائلة الشهيد عمر النعسان (18) عاماً، كانت شقيقته 'سراء' تصرخ: 'يا رب احمينا.. ماذا يريدون منها هؤلاء المجرمين.. يريدون قتلنا أم ترحيلنا'؟..
ساد الصمت أجواء المنزل، عندما تدخل الأب لتهدئة ابنته، وضمها إلى صدره طالباً منها الهدوء، موهماً إياها وعائلتها أنهم في مأمن.. لكن هيهات أن تهدأ.
وفي الأثناء، كانت شوارع قرية المغيّر تعج بصخب الهتافات الغاضبة، الممجدة للشهداء، والداعية إلى التصدي لعصابات المستوطنين.
-بداية الهجوم..-
يروي محمـد النعسان والد الشهيد عمر: 'قرابة الساعة السابعة مساء، بدأ المستوطنون هجومهم على قرية المغيّر، جابوا شوارع القرية وهم يطلقون الرصاص، مثيرين خوفاً ورعباً شديدين، لا سيما في أوساط الأطفال والنساء، فماذا نتوقع من طفل لم يتجاوز العامين، وهو يشعر أنه وعائلته والمنزل الذي يحتمون به، تتناثر نوافذه بفعل الرصاص العشوائي؟.. الأطفال لا يدركون أن هذه مجرد أصوات طلقات، بل هي لبث الرعب في نفوسهم، وكل ما يتبادر إلى أذهانهم هو القتل'.
ويضيف: 'شاء القدر أن تقع قرية المغيّر بين عدة مستوطنات، الأمر الذي تسبب لأهلها بالكثير من المتاعب، فلا يكاد يخلو يوم من اقتحامات عصابات المستوطنين، أو جنود الاحتلال، على حد سواء.
ويوالي: 'استهداف الاحتلال لقرية المغيّر بدأ قبل حرب 7 أكتوبر، حتى لا يظل هذا التاريخ حجة لهم للتنكيل بالفلسطينيين، فقريتنا تتعرض للحصار والإغلاق بشكل مستمر، واقتحامات على مدار الساعة، ولهذا كان متوقعاً أن أتلقى خبر استشهاد أحد أبنائي يوماً ما، إذ أن أي شاب أو حتى طفل في المغيّر معرّض في أي لحظة لكي يكون شهيداً أو جريحاً أو أسيراً، وهذه ضريبة يدفعها كل فلسطيني.. الاحتلال يريد لقرية المغيّر أن تكون نموذجاً للتهجير، وهذا المخطط قام عليه الاحتلال منذ عدة سنوات'.
هنا تدخل المواطن ياسر حج محمـد، الذي أصيب أولاده برصاص المستوطنين وتعرضوا للاعتقال أكثر من مرة: 'لا يقتحم المستوطنون القرية، إلا بعد أن يمطروا أجواءها بوابل من الرصاص.. كأنهم يخشون شبابنا الذين لا يملكون إلا حجارتهم، وشيئاً من الإرادة، قبل أن يسقطوا شهداء'.
سألنا حج محمـد عن عدد شهداء المغيّر منذ 7 أكتوبر، فصمت برهة، ثم راح يستذكرهم، ليجيب: 'منذ الحرب على غزة، استشهد 10 من أبناء القرية، منهم 8 منذ بداية العام الحالي'.
-أحوال صعبة-
تمتطي عصابات المستوطنين وقوات الاحتلال أجواء المغيّر، فتطلق رصاصها بلا هوادة، تجاه المواطنين العزّل، في مسلسل قتل، بدأ قبل عدة سنوات، ولا نهاية له طالما ازدات أطماع المحتلين بالقرية النائية، الواقعة بين 'أسوأ جيران' والمقصود هنا مستوطني 'ألون' الأكثر شراسة.
في قرية المغيّر، يحرص الأهالي على منع أولادهم من التجول في شوارع القرية ليلاً، وإبقاءهم في المنازل، على أمل أن تقيهم شر الاعتقال أو الإصابة برصاص جيش الاحتلال، لكن غربان العصر يتسللون إلى تلك المنازل، لاعتقال الشبان الذين ما زال العشرات منهم يقبعون في سجون الاحتلال.
لم يكتف المستوطنون المتعطشون للقتل والدماء بتلك الوجبة الدسمة، التي أسقطت الشابين عمر النعسان وخليل أو عليا، بل أخذوا يضربون المواطنين، بطريقة تظهر بوضوح حقدهم.. كانوا يضربون بقصد القتل، قبل أن يأتيهم المدد من جنود الاحتلال، الذين لا يصلون 'لفض الاشتباك' وإنما لمزيد من القتل والتنكيل.
وفيما يتأهب أهالي المغيّر لموسم الزيتون الذي يبدأ في أكتوبر المقبل، ينفض الأهالي أيديهم من موسم العام الحالي، فيمنع جيش الاحتلال المواطنين من الوصول إلى أراضيهم، وإذا تمكن أحدهم من الوصول، فإنه يكون قد وضع حياته على كفّه، وإذا كان محظوظاً في جني محصوله، فلا بد له من نقله 'خلسة' ودون أن يلحظه المستوطنون، وإلا سيصادره 'قطّاع الطرق'.
غادرنا المغيّر الجريحة، ورائحة الدم والرصاص تعبق في الشوارع والطرقات، بينما صور الشهداء تزين الجدران، ولم نجد بداً من سلوك الطريق المحاذي لمستوطنة 'ألون' التي كانت تنظر إلينا بعين الغضب، كأنها تقول: 'كيف لهؤلاء أن يتنقلوا من وإلى المغيّر؟.. وكانت الأعلام الإسرائيلية تحيط بالشارع، من دون أن يهتم لها أحد.. هي مجرد 'أوهام' وليست أعلام، كما يراها أهالي المغيّر.