أعمدة

الجماعات المُتخيلة والحب الناقد والعُمانيون

لا أدري لماذا شعرتُ عقب الأحاديث التي دارت بيني وبين بعض قراء مقالي الأسبوع الماضي، المعنون بـ«لا يمثلنا كعُمانيين»، بوجود وجعٍ لم نفهمه بعد في علاقتنا بعُمانيتنا. كأننا نُمعنُ -بدوافع خفيّة- في تعظيم ما يجمعنا حتى نبدو مختلفين عن غيرنا، بينما نتغاضى عن الانتباه للاختلافات الحيوية فيما بيننا، وكأن مجرد شرعنة هذا الاختلاف من شأنه أن ينتقص من بريق الصورة!

في كتاب «العُمانيون»، مقاربة سيكولوجية من منظور علم النفس السياسي، للدكتور المعتصم المعمري والصادر عن دار عرب، لفتني حديثه عن مقولة بنديكت أندرسون حول «الجماعات المتخيّلة»، تلك التي يتشارك أفرادها إحساسًا عاليًا بالوحدة والانتماء، رغم أن معظمهم لا يعرفون بعضهم بعضًا معرفة شخصية. وهذا يعني أننا قد نقيم وحدتنا على افتراض مُضخّم بتماثل الأفراد، مع غضّ الطرف عن الفروقات بينهم!

وقد خدم هذا الشعور، «السردية الانتقائية» التي تحدث عنها المعمري، تلك المحاولة لانتقاء أحداث معينة وتهميش أخرى لبناء القصّة المشتركة.. القصّة التي نُعلمها في المدارس ونعرضها في المتاحف ونرويها للصغار قبل النوم.. فالذاكرة الجمعية «لا تتشكل بما نتذكره فقط بل بما ننساه أيضا».

لعلنا نفهم هذا الهوس العام بتقدير التشابه، بالقدر ذاته الذي نفهم به القلق الذي ينتابنا من مغبّة توتّر النسيج العُماني، وهو ما يفسّره الكتاب، بمعية علم النفس السياسي، أعني ما يُسمّى «الفوبيا المتوارثة». فنحن لا نرث من أجدادنا لون الشعر والبشرة فحسب، بل نرث مخاوفهم أيضًا. وعُمان مرّت بتاريخ طويل من الانقسامات، لذلك يبدو تسليط الانتباه إلى كل ما هو مذهبي أو عرقي أو قبلي أو مناطقي، وكأننا نبذرُ بذور الفتنة والشؤم، بينما يغدو «الامتثال الاجتماعي» أقل كلفة وأقل تمزيقًا للصورة وإن بدت متوهَّمة قليلا. نحن أيضا نقع ضحايا لما يطلق عليه«المكافأة المجتمعية»، فعندما نقوم بعمل تستحسنه الجماعة نغدو محبوبين ومرغوبا بنا، وما أن نختلف مع الجماعة حتى يتم ركلنا خارجها، وهذا أمر قد يدفعنا لأن نُظهر شيئا ونُبطن آخر ..

ولا يفوت المعمري الحديث عن ردّة فعل العُمانيين تجاه المديح الذي يأتينا من الخارج، وكيف نُقدّره على نحو بالغ، ويجد لذلك تفسيرات علمية واقعية، من قبيل «الفرضية التبادلية»، مُستبعدًا أن يكون هذا السلوك متصلًا بنقصٍ ما. فهو يرى أنّه كلما ازداد تقدير الآخرين لنا، ازدادت رغبتنا في ردّ الجميل. غير أنّ هذا التفسير -وإن بدا صائبا جزئيا- لا يخلو من ابتسار أيضا.. فماذا لو كانت النُدرة التي عاش فيها العُماني، مسحوقًا بالجوع وبنقص الانتباه إليه وإلى جغرافيته، أحد مصادر هذا التعطّش أيضًا؟

لنذهب إلى الصورة المغايرة للمديح، لننظر مثلا كيف يتلقى العُماني الصورة التي يصنعها الآخر عنّا في أعماله الدرامية، نجد أنفسنا نُسلّط عليها مجسات مجاهرنا، بحثًا عن دلالات غير بريئة تجاهنا. فحين تُوظَّف الشخصية العُمانية في مسلسل خليجي مثلا، نُبادر إلى الدفاع عنها كلما خالفت صورة «الجماعة المتخيَّلة» في رؤوسنا!

ولعلي لا أبالغ إن قلتُ إن أحد أسباب تأخر التجربة الفنية في عُمان يكمن في عجزنا عن استثمار هذا التنوع البشري واللغوي واللهجي، وهذه التعددية المُذهلة.. إذ تغدو الأطياف القبلية والمناطقية والإثنية والدينية قيودا قاسية بدلا من أن تمنح الفن ثراءه الحيوي. أحسب أنّ الرواية -إلى حدّ ما- نجحت في كسر شيء من ذلك، ربما لأنّها عمل فردي.. أما في العمل الجماعي، فما زلنا نُربي الخشية من الاصطدام بالتصورات الجاهزة، فما بالك بإعادة تفكيكها!

ويضرب المعمري مثالًا ليس بعيدًا عن هذا السياق، حين تحدث عن غياب العُمانيين عن البرامج التي تتطلب المواجهة، من قبيل «الاتجاه المعاكس»!

في فصل «عندما نُحبّ» يُشير المعمري لنوعين من الحبّ، الأعمى الذي يُغلق عينيه عن العيوب إلى أن تتضخم الذات، والحبّ الناقد الذي لا يتنكر للمحاسن، فإن عُزز في مرحلة التأسيس الشعور بالتشابه ريثما تنضج المؤسسات، فقد آن أوان الانتباه لتعدديتنا الراسخة لتنشيط حركة الفن والكتابة وحتى البحث التاريخي والسياسي، لتجاوز الحساسية التي تُصيب البعض من الحقل العلمي أو الفني الذي يُحاول فهم سلوكنا وتتبع أصوله ومنابعه.  

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»