ثقافة

فيلم «النمس»: محاربو المارينز العائدون من أفغانستان في مغامرة لا تنتهي

 

ليست الحروب قصة تُروى للتاريخ فقط، بل إنها تصبح جزءًا من نسيج الحياة وسيرة الشخصيات وجزءًا من ذاكرتها، فضلًا عن امتداداتها اللاحقة وما تحمله من أصداء وصفحات مجهولة مطوية.
ولطالما قدّمت السينما الأمريكية أحوال المحاربين وأفراد المارينز وهم يخوضون غمار الحرب أو وهم عائدون منها، وهي التي امتدت لسنوات في أفغانستان، وخلال ذلك قدمت نجومها البارزين أبطالًا لتلك الرحلة، ونستذكر هنا أفلامًا مثل: 12 أقوياء - 2018، والأخوة - 2004، وفريق القتل - 2009، والحارس القديم - 2020، وأشباح الحرب - 2020، وكلاب الحرب - 2016، وماكنة الحرب - 2017، والجليد الأحمر - 2007، وحروب تشارلي ويلسون - 2008، وموقع متقدم - 2020، وأسود من أجل الحملان - 2007، وحصان الحرب - 2023، والتراجع - 2022، و13 يومًا - 2025، والمحارب القديم - 2011، ومزار شريف - 2015، وقصص الليل في أفغانستان - 2025، وغيرها.
في هذا الفيلم للمخرج مارك فانسيلو سوف نكون مع واحد من المحاربين القدماء في أفغانستان، وهو النقيب المتقاعد فانغ فالاغان -يقوم بالدور الممثل ليام نيسون- وهو يعيش أزماته الخاصة التي سوف تقدم صورة وأصداء الحرب وهي متجذرة في الذاكرة واللاوعي، فلا تكاد تفارقه يوميات الحرب وشخصياتها، خاصة بعد إسقاط المروحية التي كان على متنها هو ومجموعة نخبة من المارينز وتعرضهم للأسر على أيدي الأفغان. هذه الذكرى المؤلمة التي خسر فيها أحد أصدقائه المقربين بقي يشعر بالذنب إزاءها؛ لأنه لم يستطع إنقاذه.
هذه الظلال القاتمة للحرب سوف يشتغل المخرج وكاتب السيناريو على تطويرها سرديًا لتنعكس على الحياة الشخصية للمحارب السابق إلى درجة عجز الزوجة تارا -تقوم بالدور الممثلة ماريسا تومي- عن إخراج زوجها من دوامة ذلك الماضي وإدمانه على الأقراص المنومة والمهدئة، إلى درجة قرارهما الانفصال على الرغم من علاقة الحب المتينة التي تربط بينهما.
هذه الأرضية العائلية هي التي سوف يُبنى عليها السرد الفيلمي وما تم بثه من حبكات ثانوية، وخاصة تلك التي تلي مرحلة انهيار تلك العلاقة الزوجية وما سوف يترتب عليها من انكشاف أكثر حدة في شخصية فانغ الذي تطغى عليه انفعالاته وعاطفته وغضبه من جهة، بينما هنالك الارتباط الوثيق بطليقته التي تهدأ نفسه معها، ولهذا سوف يساندها في التخلص من خطيبها بعد انهيار الزواج، ذلك الثري الذي يقوم بتعنيفها، ولهذا سوف يساعدها في استرجاع أغراضها الشخصية من منزله، فتقع المواجهة بينهما، والتي تفضي إلى سقوط الخطيب خلال اشتداد العراك بينهما، مما يؤدي إلى مصرعه.
لن نتعرف على خلفية الصراع النفسي للمحارب القديم في أفغانستان إلا من خلال لقطات متتابعة ومشاهد تستعرض ذلك الماضي المؤلم. إنها ومضات تتفاعل في عقله، ولهذا يندفع بلا أدنى تردد، متحديًا كل السلطات، في أخذ إحدى سيارات السباق الفخمة وسريعة الحركة من منزل خطيب الزوجة الممدد في منزله الفخم وحول رأسه بقعة من الدم. وهكذا تبدأ رحلة المطاردة، يسنده فيها الذكاء الاصطناعي الذي يقدم المشورة إلى أين يهرب وأي الطرق يسلك، فيما تستنفر أجهزة الشرطة وإنفاذ القانون في طول البلاد وعرضها، وفيما يشاهد الملايين عمليات الكر والفر حتى تصبح تلك المطاردة قضية رأي عام، يخرجون على أثرها إلى الشارع حاملين لافتات المساندة للمحارب الهارب.
هنا سيكون الممثل ليام نيسون هو نجم الفيلم بلا منازع، وهو يمضي في الظهور في هذا النوع من أفلام الحركة على الرغم من تجاوزه السبعين من العمر، ومع ذلك فإنه يحظى بشعبية واسعة، ولهذا يترقب جمهور السينما في الولايات المتحدة عرض هذا الفيلم في الصالات في شهر أكتوبر المقبل.
وفي هذا الصدد، كتب الناقد فرانك مولدر في موقع مولدرفيو في قراءته النقدية للفيلم قائلًا: «يتمتع هذا الفيلم بطابع كلاسيكي يبعث على الرضا، وهو في جوهره، تقديم حبكة دأبت هوليوود على تكرارها لعقود: رجل بريء، ومطاردة لا تهدأ، وبطل يتحتم عليه البقاء متقدمًا بخطوة على السلطات، كل ذلك في خضم سباق محموم بسيارة فائقة السرعة، وفيما البطل أمام خيار صعب: إما الثقة بنظام يبدو أنه قد أصدر حكم الإدانة بحقه مسبقًا، أو الاختفاء والانطلاق على الطرق السريعة والهرب ما بين الولايات بسرعة جنونية. وبطبيعة الحال، يختار الخيار الثاني. وما يلي ذلك ليس مجرد تحقيق تقليدي، بل تجربة مشحونة بالتوتر والضغط النفسي تمتد لـ96 دقيقة».
هكذا تنمو الحبكة الرئيسة التي جلبت الأنظار في طول البلاد وعرضها، والكل متشوق للوصول إلى نهاية تلك المغامرة، فيما اجتماعات فرق الشرطة وأنظمة المراقبة والكاميرات وأساطيل من سيارات الشرطة والحوامات كأنها تزيد تلك الرحلة والمغامرة تشويقًا، فكل حاجز أمني، وكل نجاة بأعجوبة، وكل منعطف جديد في الأحداث، صار يغذي اهتمام الجمهور الذي يبدأ تدريجيًا في تحويل هذا الرجل الملاحق إلى بطل شعبي.
وبالنسبة لليام نيسون، تبدو أهم أدواته في هذا الفيلم ليست الاحتكاك والعراك الجسدي، بل ملامح الإنهاك والتعب البادية عليه؛ إذ يتصرف كشخص قضى وقتًا طويلًا في تنفيذ الأوامر، ووصل أخيرًا إلى مرحلة يبدو فيها الامتثال أخطر من التمرد، ولهذا صارت نقطة التأثير في ظهوره تكمن في ذلك الوقار وملامح الوجه الجامدة التي تخفي وراءها ضعفًا إنسانيًا دفينًا؛ فهو ليس بطلًا خارقًا يهرب من الشرطة، بل محارب من المحاربين القدماء محمّلًا بإرث أفغانستان ومرض متلازمة ما بعد الصدمة، وهو محنك يتخذ قراراته بسرعة تفوق سرعة ملاحقيه. وهكذا، يولّد هروبه مفارقة أخلاقية مثيرة للاهتمام؛ فكل ميل يقطعه وقد يقربه من إثبات براءته، يمنح أجهزة إنفاذ القانون سببًا إضافيًا لاعتباره شخصًا خطيرًا. ويبلغ الفيلم ذروة أحداثه عندما ننتقل إلى تضامن زملائه المحاربين القدماء، زملاء الحرب في أفغانستان، وهم يحلقون على متن مروحية تواكب فالانغ، زميلهم، في تملصه من رجال الشرطة، وصولًا إلى مشهد قطع الأنفاس المبالغ فيه، إذ يساعدونه في الخروج من سيارته المنطلقة على أحد الجسور وسحبه إلى المروحية، فيما تحلق في المجهول حاملة رفاق الحرب، المحاربين القدماء المتضامنين.
ومن هذا المشهد الاستثنائي للصعود إلى المروحية ومشاهد كثيرة أخرى تتميز بقطع الأنفاس والمغامرة، يظهر جليًا أسلوب المخرج في معالجة مشاهد الحركة بصفته، عبر سيرته، كان مؤدي مشاهد خطيرة (دوبلير) ومتخصصًا مخضرمًا في مشاهد الحركة قبل انتقاله إلى الإخراج، ولهذا فإنه يتعامل مع السيارات والقطارات والطائرات المروحية وغيرها كأجسام مادية حقيقية لا كألعاب رقمية يتعزز ظهورها بواسطة الخدع السينمائية والحلول الرقمية.
من جانب آخر، سوف يكون للطريق وجود حيوي ملموس، حتى يمكن أن ينتمي هذا الفيلم في شكل ما إلى نوع أفلام الطريق، وحيث تستمد المطاردة قوتها من إيصال شعور بأن الجغرافيا المكانية وسيميائية الحركة وردود الفعل البشرية هي عناصر ذات أهمية حقيقية في صناعة المشهد وفي التصعيد الدرامي.
...
إخراج: مارك فانسيلو
سيناريو: تومبسون إيفانز
تمثيل: ليام نيسون، مارسيا توميل، فينغ رامس، ماركوس توماس، مايكل تشيكلز
مدير التصوير: توم ستيرن
مونتاج: رودريغو بالات
الميزانية: 20 مليون دولار
يعرض في شهر أكتوبر المقبل في الصالات الأمريكية.