قد نصغي الآن لتحذيرات فوكوياما من قسوة نهاية التاريخ
السبت / 22 / ربيع الأول / 1448 هـ - 21:13 - السبت 5 سبتمبر 2026 21:13
ترجمة: أحمد شافعي
لفرانسيس فوكوياما رف من الكتب التي نشرها في السياسة والنظرية السياسية، منها أبحاث ضخمة في الليبرالية ودراسة رزينة من مجلدين تعقب فيها تطور الدولة الحديثة. لكن يبدو في بعض الأحيان أنه سوف يبقى إلى الأبد حبيس كلمتين اثنتين.
في أصيل يوم قريب ببيته في بالو ألتو قال لي: «كل أسبوع أنشر شيئا ما في إنستجرام أو في مواقع التواصل الاجتماعي، فيظهر لي من يقول: أوه، فعلا، كنت أظن أن التاريخ انتهى»، وهذه بالطبع إشارة إلى «نهاية التاريخ»، أي كلمتي العنوان والفكرة المهيمنة على مقالة فوكوياما التي تصدرت غلاف عدد عام 1989 من «ذي ناشونال إنتريست». ففي أواخر أيام الحرب الباردة، ومع انحسار الإمبراطورية السوفييتية وصعود الاستهلاكية الأمريكية، توقع فوكوياما «انتصارا مؤزرا لليبرالية الاقتصادية والسياسية» ونهاية للتاريخ بـ«انتصار الغرب».
وأحدثت المقالة صخبا عظيما، ووجّهت فوكوياما الذي كان آنذاك خبيرا سياسيا في وزارة الخارجية إلى مسيرة مهنية جمع فيها بين دوري الباحث والمثقف العام.
وتوسع في مقالته تلك حتى أصبحت كتابه الأول «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992)، وصادفه الحظ السعيد ـ وسوء الطالع معا ـ فانطلق الكتاب بوصفه عملا في النظرية السياسية الجادة وأيضا كتابا واسع الانتشار تحققت له مبيعات هائلة.
ولأن عبارة «نهاية التاريخ» بدت في وقت واحد ذات قوة كبيرة وقدرة عظيمة على إثارة الجدل، فقد قوبل فوكوياما بانتقادات لاذعة ولانهائية من جرائها. إذ ظل الناس يشيرون في جذل إلى أحداث تاريخية لا تكف عن الحدوث. في حين أنه لم يكن يتكلم عن التاريخ بهذا المعنى، وإنما عن التاريخ الأجلّ بمعناه الأكثر مفاهيمية. (ولم تكن العبارة المزعجة عبارته أصلا، إذ استعارها من ألكسندر كوجييف، ذلك الفرنسي الروسي ذائع الصيت بشرحه لهيجل)؛ إذ ذهب فوكوياما إلى أن الديمقراطية الليبرالية غاية نهائية، وذلك لأنها في شكلها المثالي غير قابلة لمزيد من التحسين بعد «أن سوِّيت كل المسائل الكبيرة فعلا».
كانت تلك بلا شك أطروحة تفاؤلية، وشعارا لحقبة ما بعد الحرب الباردة (وإيجازا لها أيضا. لكن كتاب فوكوياما لم يخل أيضا من طرح معاكس قاتم. إذ استولى على كتاب «نهاية التاريخ» احتمال بأن يكون انتشار الديمقراطية الليبرالية كفيلا بإتاحة المجال لظهور «الإنسان الأخير»، وذلك هو المصطلح الذي أطلقه نيتشه على الشخص المنحط المترف الذي يعدل عن المخاطرة والطموح رضا منه بالراحة والأمان.
في فصول الكتاب الخمسة الأخيرة، التي لا يبدو أن أحدا تجشم عناء قراءتها أو تذكرها، تنبأ فوكوياما بأن الضجر والقلق كفيلان بتأجيج الغضب على آلية المؤسسة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ينتشر القلق والغضب في كل مكان، ولا يزال فوكوياما ـ البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاما ـ يحاول أن يكون مفهوما لدى الناس. في الثامن من سبتمبر الجاري سوف تصدر دار (فارر ـ شتراوس ـ جيرو) سيرة له بعنوان (في أرض الإنسان الأخير). وكما يوحي العنوان، يضاعف فوكوياما بالكتاب جهوده مواجها ما يصفه «بالتفسيرات الغبية المصطنعة لنهاية التاريخ» التي رسمته كاريكاتوريًّا بوصفه شخصا متفائلا ساذجا. وهو لا يرى مأزق الديمقراطية الليبرالية الراهن توبيخا لعمله المبكر وإنما تأكيد له. فقد استبد القلق بـ«الإنسان الأخير» في عصرنا حتى أنه وقع في أيدي الديماجوجويين الشعبويين الذين أقنعوه بفساد كل شيء، وهذه «النتيجة» كما يقول «نبوءة صادقة تماما» تنبأ بها «سنة».
لكن السيرة تكشف أيضا عن تغييره لرأيه؛ فعلى الرغم من استهزائه بـ«كثير من النقاد العابرين» لكتابه الأول ممن لم يعنوا بالمضي في قراءته إلى ما بعد نصفه، اعترف فوكوياما أيضا بأنه لم يتوقع قط أن يبدو عالم الإنسان الأخير على هذا النحو.
لقد احتوت صفحات الكتاب الأخيرة إشارة عابرة إلى دونالد ترامب، وكان آنذاك قطب العقارات في مدينة نيويورك؛ فقد كتب أن ترامب واحد ممن يمكن أن تشبع الديمقراطية الليبرالية طموحهم من خلال اقتصاد السوق.
تذكر فوكوياما ما خطر له في ذلك الحين فقال إنه «بدلا من رغبة هؤلاء في أن يكونوا طغاة، بوسعهم أن يصبحوا فاحشي الثراء. ولم أكن أعلم أن فحش الثراء لن يكون كافيا له».
آباء وأبناء
في صباح مشمس من شهر مايو، التقيت بفوكوياما في حرم جامعة ستانفورد الأنيق حيث إنه حاليا كبير زملاء معهد فريمان سبوجلي للدراسات الدولية. على المستوى الشخصي، يتكلم فوكوياما بهدوء ورباط جأش واضحة، برغم أن مسيرته الفكرية والسياسية كانت كثيرة المنعطفات.
ولد والد فوكوياما في لوس أنجلوس لمهاجرين يابانيين، أما والدته فمن اليابان. وبعد تفجير بيرل هاربر، سيقت أسرة أبيه إلى معسكرات الاحتجاز، واستطاع والده أن يفلت من ذلك المصير بحصوله على منحة دراسية للفنون الحرة في جامعة نبراسكا.
وخسر جده متجر «طوكيو الصغيرة» للأدوات المنزلية وقال فوكوياما إنه «حصل على الجنسية آخيرا في مطلع الستينيات. فكان أول ما فعله أنه صوَّت لصالح باري جولدووتر» المرشح الرئاسي المحافظ المتشدد. في المقابل كان والد فوكوياما «ليبراليا متعصبا». كان عالم اجتماع وقسا في الكنيسة التجمعية ونشطا في حركة الحقوق المدنية ومعارضا لحرب فييتنام.
ولد فوكوياما، طفلا وحيدا، في شيكاغو، ونشأ في مدينة نيويورك. درس الكلاسيكيات في جامعة كورنيل وعاش في تيلورايد هاوس ـ وهو سكن طلابي منعزل كان آنذاك خاضعا لتأثيرات شديدة من المنظر السياسي المحافظ وأستاذ الدراسات الكلاسيكية آلن بلوم. وبدوره كان بلوم تلميذا للفيلسوف الألماني الأمريكي ليو شتراوس. تحكي روث إبستين صديقة فوكوياما من أيام سكن تيلوريد أنه «كانت بالجوار جمعية أخوية طلابية، وكانوا يقيمون حفلات ضخمة. وكانت لدينا في الكلية حفلات استقبال يقدَّم فيها النبيذ». فكانت الأجواء مثيرة للغاية بالنسبة لطالب ذي فضول فكري شأن فوكوياما.
هنالك أيضا وقع في جاذبية «الجمع الشتراوسي» وأصبح محافظا سياسيا مشدودا إلى الأفكار الفلسفية المتعلقة بالحقيقة المطلقة والطبيعة الإنسانية. ضاق والده ذرعا بذلك التطور وأصر على أن ابنه تعرض لـ«غسيل دماغ». واستاء فوكوياما من ذلك الاتهام. وحتى الآن، لا يزال يؤلمه ظن أبيه بأنه كان ضحية ساذجة لحملة تأثير آثمة: لم يعترف لي قط بقدرتي على التفكير المستقل».
سوف يخضع فوكوياما بعد تلك المرحلة لعدد من تجارب التحول. فينجذب لفترة إلى ما بعد البنيوية الفرنسية، وينتقل إلى باريس لستة أشهر يدرس خلالها على يد رولان بارت. ولكنه لما أدرك أنه لم يعد راغبا في السعي وراء «مشاريع عدمية قائمة على القطع باستحالة الخطاب العقلاني» ترك برنامج الدراسات العليا في الأدب المقارن بجامعة ييل ليدرس العلاقات الدولية في هارفرد. وهنالك كتب أطروحته للدكتوراه عن السياسة الخارجية السوفييتية في الشرق الأوسط.
قال لي «كان ظني بنفسي أنني لست محض محافظ، ولكني جزء من فصيل المحافظين الجدد». وتغير ذلك كله في العقد الأول من القرن الحالي. أولا، انفصل عن المحافظين الجدد بسبب غزو الولايات المتحدة للعراق، ثم في 2008، بسبب طيش وول ستريت الذي تسبب في الوصول بالنظام المالي إلى حافة هاوية. وبدأ فوكوياما يراجع سوابقه.
قال إن «هذا الإيمان باستعمال القوة العسكرية من أجل ترويج الديمقراطية أدى إلى حرب العراق، وكانت الأزمة المالية نتيجة للإيمان المحافظ بالأسواق الحرة وقدرة الأسواق على تنظيم نفسها والحفاظ على النمو الاقتصادي، وتبين أن الأمرين محض هراء». فلا يمكن الحفاظ على الديمقراطية الليبرالية من خلال التطرف في إلغاء القيود التنظيمية، أو بفوهات البنادق.
وفي انعطافة مفاجئة، يجد نفسه الآن أقرب سياسيا إلى أبيه الذي مات إثر نشر «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». ولكن فوكوياما لا يزال يرفض ما يطلق عليه «أجندة العدالة الاجتماعية» لدى اليسار ويصف اعتصامات مناصرة الفلسطينيين في الجامعات بـ»الكفاح من أجل الكفاح». ويتمسك بالتأكيد الشتراوسي للطبيعة البشرية، متحدثا بنبرة محافظ تقليدي عن الاختلاف الفطري بين الرجال والنساء.
وبسؤاله عن تحديده لموقفه السياسي اليوم ضحك قائلا «الأمر معقد».
العالق في الجدل
برغم تجربته المباشرة لمثالب الشهرة الثقافية، من الانتقادات السطحية إلى التأويلات المغلوطة، أراد فوكوياما دائما جمهورا أوسع من زملائه الأكاديميين. ولديه في حرم ستانفورد مكتبان صغيران: أحدهما يسيطر عليه علم أوكراني ضخم معلق على جداره والآخر تسيطر عليه مصابيح استديو ومعدات تصوير إذ يستعمله لتصوير محتوى قناته على يوتيوب المعروفة بـ(فرانكلي فوكوياما) أو (فوكوياما بصراحة)، وهو اسم ينطوي على لعب بالألفاظ إذ يناديه أصدقاؤه باسم فرانك.
قال: «منذ سنة تقريبا، استعنت بمدير لوسائل التواصل الاجتماعي من جيل زد». وذلك في معرض جهوده للوصول إلى جيل الشباب الذين لا يقرأون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون. وفي زمان الإنسان الأخير، يصبح لفت الأنظار هو عملة العالم: ففي اللحظة التي تقول فيها شيئا جريئا بحق، ترى أرقامك بعينيك وهي ترتفع».
لكنه يتبع داخل الفصل الدراسي منهجا مختلفا عن عمد. هو مدير برنامج الماجستير في السياسة العامة ويدرِّس فصلا في «حل مشكلات العالم الحقيقية»، ويوم أن كنتُ هناك رأيته وهو يدرِّس حالة جهود فاشلة في العقد الماضي لإنشاء مدينة ذكية في تورنتو.
كان فوكوياما واقفا في مقدمة الغرفة ومن حوله لوحات بيضاء يقود ببراعة دزينتين من الطلبة عبر التفاصيل التكنوقراطية الدقيقة لتلك المبادرة الكندية في التخطيط الحضري. وكان مغزى المحاضرة هو درس القضايا في المستوى الدقيق.
قال لي: قد لا نتطرق إلى حالة تخص الطريقة التي يجب أن تتعامل بها إسرائيل مع حماس».
ثمة أمر غريب في مشاهدة فوكوياما ـ أحد المنظرين السياسيين الأمريكيين القلائل ذوي الحضور العام ـ إذ يدرِّس للطلبة دقائق المشاريع المحلية بدلا من أن يبهرهم بالأفكار الكبرى، لكن غياب الفلسفة نابع رأسا من فلسفته. ففي نهاية المطاف، لو أنك تعتقد أن التاريخ انتهى وأن «المسائل الكبيرة حقا» قد سوِّيت جميعا، فقد تنتهي إلى أن المسائل المتبقية هي بالأساس ما يتعلق بسياسات العمل وتنفيذها.
هذا الانجذاب إلى دقائق حل المشكلات له أثر واضح في حياته الخاصة أيضا.
فوكوياما محب منذ طفولته للإصلاح (السمكرة)، ويكرِّس فصولا عديدة في سيرته لهواياته العديدة. فقد كان يصنع طائرات مسيرة ويطيّرها في الحرم الجامعي. وفي بيته، حيث يعيش مع زوجته وكلبهما (فأبناؤهما الثلاثة كبروا)، لديه أرفف من خوادم الكمبيوتر يعدها ليحتفظ فيها بالموسيقى والأفلام. وقد أراني بعض كراسيه المنحنية الرائعة وطاولة لعب أنيقة صنعها جميها بيديه؛ إذ يشعر بإشباع أكيد من صنعه الأشياء العملية حتى أن العنوان الأصلي لسيرته كان «إقامة الأشياء».
غير أنني لمحت فيه أحيانا شخصا أشد جموحا وأقل حكمة. فثمة دراجة نارية مركونة في مدخل بيته (من طراز ياماها كان يستقلها في هارلي) وقد حكى لي صديقه القديم مارك كوردوفر أنه حينما كان يعيش مع أسرته في مكلين بولاية فرجينيا قبل عقدين، كان فوكوياما يخرج بالدراجة في رحلات بعرض البلد، وغامر مرة بالسير في أحد أخطر طرق فرجينيا. وكان كوردوفر إذ يركب الدراجة النارية معه «يفزع أشد الفزع».
كما جعل فوكوياما أمام بيته منحدرا ليجرب عليه القفز بالدراجة فانكسر مرفقه.
وفيما كنا نسير معا في حرم ستانفورد الشاسع، وراكبو الدراجات يمرقون في كل اتجاه، كان يندفع عند التقاطعات دون أن يتمهل لبرهة. فتعرض بضع مرات لحوادث اصطدام بدراجات كهربائية، وكان أحد هذه الاصطدامات خطيرا فاستدعى استقدام سيارة إسعاف إليه.
فمن المدهش أن يكون هذا الهاوي المنهجي لإقامة الأشياء العملية هو أيضا مخاطرا متهورا يغامر بسلامته الجسدية على نحو متكرر ومحيِّر. قال لي في حياء «إنني أتعرض لحوادث كثيرة . لكن من المنطقي أن يكون مؤلف (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) تجسيدا لطرحه. قال لي فوكوياما فور أن جلسنا آمنين في نادي كلية ستانفورد «أعتقد أنه قد يكون مصيرنا أن نكون في هذا النظام الدوري الذي نمر خلاله بفترة سلام ورخاء تحققت بفضل نجاح الديمقراطية الليبرالية، ونضجر منها فنحاول أن نحطمها. ونرد أنفسنا إلى الاستبدادية والصراع والحرب. ثم نتعب من جراء ذلك فنقول لأنفسنا: ربما يجدر بما أن نرجع إلى الديمقراطية الليبرالية من جديد». بدا في موضع قد يكون مألوفا لكثير من الناس في أيامنا هذه، عالقا بين الأمل والتسليم. يقول: الأمر أنني لا أرى الكثير من الأفكار الجديدة مطروحا هذه الأيام».
جينيفر سالاي كاتبة وناقدة في صحيفة نيويورك تايمز