أفكار وآراء

أفضل الدعايات لم تقنع الأمريكيين بالحرب على إيران!

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني -

كشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة ماساتشوستس أمهرست خلال الفترة الممتدة من 21 وحتى 26 أغسطس الماضي، أن الأمريكيين يشعرون بخيبة أمل كبيرة تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من إقدام حكومة بلاده على خوض الحرب مع إيران، وانعكاسات ذلك على حياتهم المادية؛ إذ للحرب تداعيات اقتصادية كبيرة ومؤثرة للغاية.

من الواضح جدًا أن هناك سعيًا دعائيًا يحاول تبرير الحرب على إيران، وهذا ما تفعله شبكة سي بي إس الإخبارية التي تمتلكها عائلة «إليسون»، أو بالأحرى «لاري إليسون» وابنه «ديفيد إليسون»، إذ حاولت الشبكة الإخبارية جاهدة حشد التأييد لدونالد ترامب وحربه ضد إيران، وعلى ما يبدو فإن شراء هذه الشبكة الإخبارية بالمال، وتحويلها من منصة إخبارية محترمة إلى منحازة بشكل واضح، كانت صفقة فاشلة جدًا ومكلفة في الوقت ذاته.

ومثلها تُقاس شركة «نيوز كورب» التابعة لـ«روبرت مردوخ» وأجهزته المتعددة والتي تؤيد دونالد ترامب، منها «فوكس كيبل نيوز»، وصحيفة «وول ستريت جورنال»، حيث لم تستطع حملتها الإعلامية أن «تخدع» الأمريكيين بمبررات الحرب كما كان يتأمل «روبرت مردوخ».

ومن الشخصيات السياسية التي أشادت بالجهود التي تبذلها بعض وسائل الإعلام الأمريكية لتبرير الحرب ضد إيران يبرز رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، الذي تباهى بجهود الإعلام الأمريكي في إقناع الأمريكيين بمشروعية الحرب، قائلًا إنه ظهر -في غضون الإعداد للحرب على إيران وبعدها- على وسائل الإعلام الأمريكية لحوالي ألف ساعة على الشاشات، إلا أنه بهذا الوقت الكبير من الواضح جدًا أنهم لم يقنعوا سوى دونالد ترامب حتى ينقض على إيران بمخالبه كالذئب المفترس، بينما الشعب الأمريكي والكثير من أصحاب الرأي السياسي لم تتغير قناعاتهم بتورط الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الحرب التي ألقت بظلالها الاقتصادية على مستوى الحياة.

ما يمكن الإشارة إليه أن ظهور «نتنياهو» في وسائل الإعلام الأمريكية أدى إلى شيء مهم؛ فمعظم الأمريكيين أصبحوا على قناعة أن حكومة إسرائيل هي حكومة تجمع مجموعة من المهووسين بالإبادة الجماعية، بالتالي يرى الأمريكيون أنه على حكومة بلادهم قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، إلى جانب قطع العلاقات العسكرية معها.

وبلغة الأرقام، فإن نتائج دراسة جامعة ماساتشوستس أمهرست، التي اعتمدت على آراء عينة متنوعة من الأمريكيين، أظهرت أن 55% ممن طُرح عليهم سؤال «ما مدى نجاح دونالد ترامب في حربه مع إيران» أجابوا «ليس جيدًا مطلقًا»، و13% منهم أجابوا «ليس جيدًا جدًا»، معنى أن حوالي ثلثي المستطلعة آراؤهم، والذين يشكلون 68%، يرون أن دونالد ترامب قد أخفق بشكل كبير في قرار الحرب، الحرب التي اختارها بنفسه وألقت بنتائجها المؤثرة على الأمريكيين، والعالم؛ بالمناسبة نسبة الثلثين في مجلس الشيوخ الأمريكي إذا كانت صوتت لعزل ترامب فيُعتبر قرار العزل واقعًا، فماذا لو كانت المستطلعة آراؤهم هم من مجلس الشيوخ!

نعود إلى الدراسة، وأتطرق إلى سؤال آخر تناولته، وهو «هل تؤيد الحرب على إيران إن حققت النتائج المرجوة»، سجل 54% منهم موقفهم الرافض تمامًا، أو الرافض إلى حد ما، للحرب مهما كانت النتائج، في حين لم يقدم 20% رأيًا واضحًا، وهذا ما يفسر في غالب الأحيان أنه «رفض غير مباشر».

تتضح من خلال الدراسة أن الغالبية الأمريكية تسجل موقفها المعارض للحرب، وآخرون غير مكترثين بما يحدث في الساحة السياسية من حرب أو خلافه، وهذا الأمر لا يريد قائد الحرب «ترامب» معرفته.

الأغلبية تتفق على أن الحرب قرار خاطئ، وهنا يُطرح سؤال، هل فعلًا أصبحت أمريكا في مأمن من الخطر الإيراني عليها! أو نجحت في منع إيران من امتلاك سلاح نووي! مع ذلك يرى حوالي 25% من المشاركين في الدراسة أن الولايات المتحدة كانت على صواب في حربها مع إيران وأنها المنتصرة.

«ريموند لا راجا» أستاذ العلوم السياسية في الجامعة، والرئيس المشارك للاستطلاع، قال: «الأمريكيون يحملون موقفا سلبيا للغاية تجاه ترامب فيما يتعلق بالوضع في إيران».

وأضاف: «واحد من كل أربعة أمريكيين فقط يرى أن ترامب يتعامل بشكل جيد مع الملف الإيراني، والانقسام الحقيقي يتزايد بين القاعدة الصلبة لحركة «ماجا» التي تؤيد ترامب، وجميع الأمريكيين الآخرين تقريبا.

فمن بين الجمهوريين الذين يؤيدون حركة «ماجا» بشكل كبير، أبدى 87% منهم تأييدهم لطريقة تعامل ترامب مع إيران.

لكن هذه النسبة تنخفض إلى 58% بين الجمهوريين الذين يعتبرون أنفسهم مؤيدين لحركة «ماجا» إلى حد ما، وتهبط إلى 30% فقط بين الجمهوريين الذين يقولون إنهم لا ينتمون إلى الحركة على الإطلاق. وكلما كان ارتباط الجمهوريين بهوية «ماجا» أقل، زادت شكوكهم تجاه الحرب».

إن خوض حرب في منطقة الشرق الأوسط، كما أدرك حتى رعاة البقر في إدارة «جورج دبليو بوش»، يتطلب وجود بعض الحلفاء على الأقل، لكن الأمريكيين لا يرون أن ترامب يجيد التعامل مع الآخرين.

وعندما سُئل المشاركون في الدراسة عن طريقة تعامل ترامب مع حلفائه في القضايا العالمية، أجاب 52% بأنه «ليس جيدا على الإطلاق»، فيما قال 12% إنه «ليس جيدا إلى حد ما»، وهو ما يكشف أن نحو ثلثي الأمريكيين ينظرون بسلبية إلى أداء ترامب في السياسة الخارجية.

وبناء على هذه النتائج، يمكننا أن نتوقع أن الأمريكيين يشعرون بغضب أكبر تجاه التداعيات الرئيسية للحرب الفاشلة على إيران، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات التضخم، فقد أكد 80% من المشاركين في الدراسة أن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع تكلفة الوقود والمواد الغذائية، وعندما سُئلوا عن طريقة تعامل ترامب مع التضخم، أجاب 57% منهم بأنه «ليس جيدا على الإطلاق».

وأضاف 18% آخرون أنه «ليس جيدا إلى حد ما»، أي أن 75%، وهي نسبة تمثل ثلاثة أرباع المشاركين، غير راضين عن طريقة تعامل ترامب مع التضخم. ودائما ما يروج ترامب والجمهوريون لأنفسهم باعتبارهم حزب رجال الأعمال، وبالتالي الحزب الذي يعرف كيفية إدارة الاقتصاد والتعامل مع قضاياه.

لكن نسبة ضئيلة جدا، لا تتجاوز 7%، ترى أن ترامب يتعامل مع الاقتصاد بشكل جيد للغاية، وأفترض أن هؤلاء من المستثمرين الأثرياء الذين استفادوا من سوق الأسهم في عهد ترامب، وقد ارتفع مؤشر «ناسداك»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، بنسبة تتراوح بين 14 و16% منذ بداية العام الجاري.

خوان كول أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وجنوب آسيا في جامعة ميشيغان

نقلا عن آسيا تايمز