أفكار وآراء

المعلمون في عصر التعليم المنفتح

يعبِّر تقرير رصد التعليم العالمي للعام 2026 (العد التنازلي نحو عام 2030. الإحاطة والمساواة)، عن القلق إزاء حالة التعليم في العالم؛ إذ أظهرت التقارير الخاصة بما تم إنجازه في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة 2030، أن هناك (مستويات منخفضة من الإنجاز التعليمي ومستويات عالية من عدم المساواة)، ليؤكد صراحة بأنه لا (توجد أية فرصة لتحقيق غايات الهدف الرابع للتنمية المستدامة)، والأكثر من ذلك ما يشير إليه من أن مستويات الكفاءة في القراءة (ليست راكدة وحسب، بل إنها تتراجع بسرعة في البلدان المتوسطة والمرتفعة الدخل)!

إن هذا التقرير بما يقدِّمه من رصد للتحديات التي تواجه منظومات التعليم على مستوى العالم، يتساءل بشأن إمكانات تحقيق الأهداف الوطنية للتعليم على مستوى الدول، وبالتالي قدرتها على تطوير سياساتها التعليمية خاصة تلك المتعلِّقة بالمعلمين، لأنهم الأساس الذي ينطلق منه مفهوم التعليم وفلسفته، فلا يكفي أن تكوِّن الدول مناهج حديثة وتطوِّر من بنيتها الأساسية، وتضطلع بمواكبة التطورات التقنية وغير ذلك، بقدر أهمية تأسيس معلمين قادرين على فهم هذه الفلسفة وممكَّنين من توجيه التعليم وتقديمه بما يتناسب مع المرحلة التنموية والأهداف المستقبلية.

ولأن العالم يشهد تطورات متسارعة على المستوى التقني من ناحية، والانفتاح الاجتماعي والثقافي من ناحية أخرى، فإن مهام المعلم اليوم تختلف من حيث الدور المعرفي والتحولات التي يمكن أن يتخذها في بيئة التعليم والأدوات التي عليه امتلاكها، ولهذا فإنه يحتاج إلى مهارات ومعارف تتناسب مع عصر المعرفة وفهم للتحديات التي يمكن أن تواجهه وكيفية معالجتها، إضافة إلى الوعي بالفرص المتاحة التي يمكن أن تكون أساسا لمنطق البناء المعرفي الذي يحتاج إليه.

إن تطوير بيئة التعليم تعتمد على معلمين قادرين على توليد المعرفة واستثمارها ونشرها، يعملون على تنمية قدرة الطلاب على البحث والاستكشاف والابتكار، بما يمتلكونه من مهارات معرفية وفهم متعمِّق وتفكير ناقد يقود الطلاب نحو التحليل والتفكيك، وبالتالي فإن المعلمين اليوم يحتاجون إلى التمكين والتدريب والتأهيل أكثر من أي وقت مضى، فالطلاب الذين يتعاملون معهم لا يعتمدون على المنهاج الدراسي بل على عالم متداخل ومتشعِّب من المعارف والعلوم المختلفة، التي قد تمثِّل مجالا للتشتُّت أكثر منها منصات معرفة، والتالي فإنه يحتاج إلى بناء فكر واعٍ، قادر على الولوج إلى العمق لفهم مفاتيح التوازن المعرفي، واختيار ما يناسبه من هذا العالم الواسع.

لذا فإن المعلم اليوم في ظل تلك التطورات المتلاحقة يقوم بأدوار متعددة؛ فهو الباحث، والمصمم للخبرات التعليمية والمعرفية، والتكنولوجي المتمكِّن من المهارات التقنية ليستطيع تقديم محتوى تعليمي متواكب مع طموحات طلابه، ليكون مرشدا وميسِّرا لبناء المعرفة، وقائدا للعملية التعليمية ضمن كفايات ثقافية واعية لدوره المتغيِّر، الذي أصبح أكثر صعوبة وتعقيدا، ولهذا فإن تأهيل المعلم وتأسيسه يحتاج إلى سياسات واعية لهذا الدور، وعلينا أن نؤمن بأن بناء معلم مؤهَّل هو بناء لجيل واعٍ.

يشير التقرير العالمي للمعلمين 2026 (معالجة نقص المعلمين وتحويل المهنة)، إلى أهمية (تمكين المعلمين وتوظيفهم وتدريبهم ودعمهم ضمن أنظمة التعليم المرنة لتحقيق مهنة تشاركية ومبتكرة ومتماسكة)، لذا فإنه يؤكد على ضرورة رفع مستوى مهنة التدريس وضمان جودة التعليم من خلال ما يسمى بـ (تثمين المهنة)، أو (التمهين)؛ أي جعل هذه المهنة ضمن أفضل المهن من حيث السلم الوظيفي والحوافز التي تُقدَّم لمن يمتهنها، إضافة إلى أهمية إشراك المعلمين في صناعة القرار الخاص بالمنظومة التعليمية لتحقيق أفضل السياسات الداعمة لتطوير بيئة التعليم.

وعلى الرغم من أن التقرير يركِّز على إشكالات نقص المعلمين في المدارس وانعكاس ذلك على جودة التعليم، خاصة في ظل التغيرات في التركيبة السكانية في العالم، إلاَّ أنه من جهة أخرى يسلط الضوء على ذلك الدور الذي تقوم به الحكومات في سبيل تمكين المعلمين وتأهيلهم وتدريبهم باعتباره الضمان الأساسي لتعليم جيد وشامل، والحق أن سلطنة عُمان من الدول الحريصة على تدريب المعلمين وتأهيلهم بما يتواكب مع الأهداف الوطنية للمنظومة التعليمية؛ فهناك العديد من البرامج المتخصصة والورش والدورات والمبادارات وغيرها مما تم تقديمه وما سيتم تقديمه خلال هذا العام، إلاَّ أنه ما تزال هناك تحديات عدة متمثلِّة في قدرات المعلمين ووعيهم بحساسية المرحلة المقبلة من التنمية.

ذلك لأن الطالب اليوم يمتلك من المهارات والمعارف التي قد تفوق ما يحتويه المنهاج الدراسي، وما يتدرب عليه ضمن نطاق الفصول الدراسية، لذلك فإن الأدوار التي يجب أن يقوم بها المعلم قد تغيَّرت وتطوَّرت وفقا للتعددية المعرفية التي يواجهها الطالب في المنصات والبرامج التقنية المختلفة، فالعالم ينظر إلى المعلم في ظل ذلك باعتباره مرشدا وميسِّرا للعملية التعليمية، لا يلتزم بمعيار الشواهد المدرسية بقدر ما ينطلق نحو الواقع المعرفي بكل تناقضاته وتباينه، ليقود الطالب نحو التفكير النقدي وتفكيك المقروء وتحليله.

إن المنظومة التعليمية في العصر الرقمي الذي نعيشه، لا تحتاج إلى معلم يمنع طلابه من الاطلاع على برامج الذكاء الاصطناعي، ولا إلى من يدفعهم إلى الاعتماد الكلي عليه بوصفه سبقا معرفيا مطلقا، بل إلى ذلك المعلم الذي يجعلهم يخوضون غمار تقنيات هذا الذكاء وهم متسلحون بمهارات النقد، قادرين على تفكيك ما يقرأون؛ يفكرون في صدقه، ويفهمون قدرته على التأثير في مجتمعهم. إنه ذلك المعلم الذي يدعم القيم ويشجِّع المعرفة التقنية ويحفِّز الإبداع والابتكار في طلابه ويوفِّر لهم ما يحتاجونه من مهارات تساعدهم على المضي قدما دونما رقيب.

إننا ونحن نشهد بداية عام دراسي جديد، علينا أن ندرك بأن إعداد المعلم وتأهيله لا يعتمد على البرامج التربوية وحدها بل نحتاج إلى تعزيزها بالثقافة المجتمعية والوعي المعرفي القائم على أنظمة تعليمية ذات أبعاد تقنية رقمية من ناحية، وسياسات تسهم في تطويرهم المهني من ناحية، وتُحقِّق رفاههم الاجتماعي من ناحية أخرى، فالمعلم لن يرتقي بمهاراته وقدراته ما لم يشعر بالتقدير المهني والاجتماعي الذي يستحقه، والذي يُسهم في تحفيز قدراته التنافسية، وبالتالي فإن تمكينه والعمل على دعم توجهاته المهنية ومتطلباتها المستقبلية يحتاج إلى صياغة سياسات مواكبة للمتغيرات الحالية ومتطلِّعة إلى مستقبل التنمية في البلاد.

إن التعليم بشكل عام يمُّر بتحديات عدة، ويواجه صراعات على كافة الأصعدة، لأنه يتأثَّر بما يواجه المجتمع من إشكالات اجتماعية واقتصادية وثقافية، لذا فإن المعلم غالبا ما يعوَّل عليه قيادة البيئة التعليمة نحو آفاق متوازنة، تشرف على بناء شخصية الطالب وفق أخلاقيات مجتمعية وآفاق علمية ومعرفية متطلعة نحو العالمية.

إنه المعلِّم الذي يجعل طلابه أولوية وطنية، ليكونوا مواطنين صالحين، يقودون مستقبل التنمية بوعي ومعرفة وإبداع.

د.عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.