محاولة اقتفاء أثر الفراشة في رياح الفوضى
السبت / 22 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:58 - السبت 5 سبتمبر 2026 19:58
هل يا ترى مر بخيال إدورد لورنز حين كان يعمل على نظريته - أثر الفراشة - أين سيخطفها العالم بعده ويذهب بها؟
كان عنوان الورقة العلمية التي نشرها لورنز هو هل تؤدي رفرفة جناحي فراشة في البرازيل إلى إعصار في تكساس؟
كان ذلك عام ١٩٧٢م في المؤتمر السنوي لجمعية تقدم العلوم الأمريكية في واشنطن، في مجال علم الأرصاد الجوية، وما عرف لاحقًا بنظرية الفوضى، أو نظام الفوضى، وبينما كان العلماء مثل لورنز مش غولين بفهم ودراسة عمل الطبيعة ومنهجها الرياضي، كان هناك آخرون بدأوا تطبيق النظرية في مجالات أخرى، وكانت الكارثة حين قرر الساسة فعل نفس الشيء.
عام ٢٠٠٥م في مقابلة بجريدة واشنطن بوست بشرتنا وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس بنبوءة مستقبلية أطلقت عليها اسم الفوضى الخلاقة، كان ذلك في عصر رواج كتب تتحدث عن نظرية الفوضى ونهاية اليقين مثل كتاب نهاية اليقين لايليق بريجوجين وايزابيل ستيتغرز ١٩٩٦م؛ وها نحن اليوم نعيش التطبيقات الأمريكية والإسرائيلية لهذه النظرية منذ أكثر من عقدين، حتى يكاد المناخ السياسي اليوم، في العالم أجمع وليس في الخليج العربي وحده، يختنق بها، عبر عنق زجاجة مضيق هرمز الذي تحتشد حوله زجاجه أنواع الأسلحة ومحطات صهاريج النفط والغاز وسفن نقله.
نتساءل أين ستفضي بعالمنا هذه الفوضى التي تحولت من خلاقة إلى تدميرية؟ هل لصنع نظام جديد كما تبشر به هذه النظريات السياسية الاقتصادية؟ أم سينفجر عنق الزجاجة الملغوم تحت هذا الضغط الذي لا يبالي بشيء؟ نتساءل وكأننا نجهل رغم ما عشناه من متواليات الفوضى التي خلفتها التدخلات الأمريكية في منطقتنا وسقوط الأنظمة وترك البلدان بلدان أشباح بعد أن نهبتها الشركات العالمية والعقود والفساد والهجرة التي بلا نهاية.
قد تنظر اليوم إلى العالم من حولك وتتفاجأ كم تغير. لكن لماذا نخاف التغيير؟ نعم قد يكون التغيير منقذًا في أحيان كثيرة.
شخصيًا اعتقد، ولعلّي مخطئ، إنني أحتفظ بذكريات واضحة عن عام ١٩٨٣م الذي كان عام الشبيبة العماني، كنت أرى تلألؤ العيون وأدرك اليوم أن تلك الأعين كانت واقعة تحت تأثير حلم النهضة والتحرر. وكانت تلك الأعين تنظر للماضي كسجن على أجيالنا الناهضة التخلص منه، لكن بأي ثمن؟ كان ذلك هو السؤال الذي لم يكن لنا أن نعرف إجابته حتى نجرب بأنفسنا.
كانت مجتمعاتنا آنذاك مبهورة بالتقدم الغربي والعالمي تتطلع إلى العالم وتقيس موقعها بمساطر متعددة؛ أغلبها مساطر المقارنة، وكان الشعار المعلن للمرحلة هو: كم نبتعد، أو نقترب، من العالم المتقدم؟ وهل نسايره أو نتخلف عنه؟ وكانت الإجابات دومًا نسبية، ومحل اختلاف مستمر. لعله لا يزال حتى اللحظة؟
وكما كانت اللازمة المضحكة، لكن المفخخة، في فيلم وحيد حامد وشريف عرفة، الإرهاب والكباب ١٩٩٢م، وبطولة عادل إمام، هي عبارة «في أوروبا والدول المتقدمة». وكان مضمر الخطاب هو أننا لسنا هناك، نحن خارج الحوزة المتقدمة. ففي تلك المرحلة كانت كارثة غزو الكويت وتحريرها قد وقعت كالصاعقة ودمرت ما تبقى من أحلام النهضة والوحدة والتقدم، ودخلت العراق بعدها في دوامة الحصار حتى انهيار النظام في العقد اللاحق ٢٠٠٣. معلنًا تبخر غدران حلم النهضة العربية.
كان حلم النهضة العربي الذي انطلق قبلها بأكثر من مائتي عام في عهد محمد علي باشا ١٨٠٥م هو الدافع الذي دفع رواد النهضة كالكواكبي والمنفلوطي، ومحمد عبده والأفغاني وغيرهم، لبذل جهود تسعى لاستلهام الحداثة والتحرر من التقليد، في كافة المجالات، من الدين للعلم للأدب للفنون..إلخ، كان ذلك حلم رواد النهضة الذين واصلوا عبر أجيال طوال قرنين من الزمان إضاءة نفس المسار، وما يزال كثر يبذلون حيواتهم في هذا الاتجاه بوصفه المسار الوحيد والإجباري للنهوض بأمة ابتلعتها الحفرة التاريخية التي وقعت فيها، وجعلتها فريسة سهلة للاستعمار الكلاسيكي في عصر الاكتشافات الأوروبية، ثم الحداثي والإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية والبلجيكية وغيرها، ثم ما بعد الحداثي في التحولات البريطانية الأمريكية، وصولًا لاستعمار الهيمنة الفجة ممثلًا بالفترة الترامبية اليوم، مرورًا بكارثة قيام دولة إسرائيل ١٩٤٥م، التي ما زلنا نعيش فصولها.
محاولات كثيرة طوال ذين القرنين من الزمان، حاول كثيرون خلالهما أن يختصروا في أنفسهم، في أعمارهم وزمنهم الشخصي، تلك المسافة التي تفصلنا، برأيهم، عن حاضر العالم آنذاك. من الهجرة إلى الاستيراد؛ فلم نكن نرضى أن نوصم بالتخلف. وكانت الفكرة المسيطرة حينها هي التقدم؛ مهما كان الثمن؛ رغم التحذيرات بأن هذا التقدم قد يكون للهاوية وليس للقمة. ولكن كانت مثل تلك التحذيرات والدعاوى محل سخرية واستخفاف بوصفها ماضوية، رغبات سلطة بائدة، وخشية من التغيير، وعلى رأي أغنية شربل روحانا الساخرة «لشو التغيير؟».
بالنظر اليوم إلى كل ذلك يبدو أننا لحظتها لم ندرك القيمة التي كنا نمثلها في تنوع العالم. لم ندرك اختلافنا، أردنا التماهي بالعالم «الحديث» وتقليده، لم نكن نصغي، ولا زلنا كذلك، لنخب ذلك العالم «الحديث» الذين كانوا يهربون منه ويلوذون بنا، بما تبقى من فضائنا، من آرثر رامبو (ت. ١٨٩١م) إلى خوان غويتسولو (ت.٢٠١٧م) مرورًا ببول بولز وجان جينيه، غير من عاش بشكل متقطع مثل جورج أورويل، أو حتى موظفي ومستشاري استخبارات مثل ويلفريد ثيسجر ولورنس العرب.
لم ندرك، أو لم نرغب في تصديق غرام طلائع العالم الحديث بنا، بعالمنا وماضينا.. كل تلك الأصوات الطليعية التي كانت ترغب في أن نبقى كما نحن، ربما كصنم للحنين.
أما نحن أنفسنا فقد رغبنا بشدة في تحطيم صنم الحنين، والانخراط أسرع ما يمكننا في أتون العالم.
وإذا كان السخط سمة النخب العربية بداية القرن العشرين فقد أصبح سمة الشعوب العربية بداية القرن الحادي والعشرين.
ليست هذه الاستعادة مرثية ونحيبًا على اللبن المسكوب، فمن الجانب الآخر كانت الأمراض والجهل والفقر والعبودية تنهش جسد هذه الأمة بألف شكل ووسيلة، فقد كان التغيير قدرًا محتمًا كذلك، وعلى رأي الفيلسوف ليبينتز «هذا هو أفضل العوالم الممكنة على الإطلاق»؛ هكذا هبت رياح التغيير، وفي الحالة العمانية، وكثير من البلدان الخليجية، كان التحول الذي استغرق مائتي سنة في باقي بقاع العالم يجري مختصرًا في عقود قليلة.
وما يزال يعيش بيننا من شاهد ذلك التحول بتعثراته، وكأنه أبصر قرنين من الزمان يمران بشكل مضغوط في حياته القصيرة.
أما اليوم فكل ذلك يمضي أدراج الرياح على رأي رواية مارغريت ميتشل ذهب مع الريح Gone with the wind ١٩٦٣م، وما زالت الرياح تهب بأنواعها ولا أدري ما كان الصحافي رياض الريس سيطلق من تسمية على هذه الرياح المعاصرة؟ هو المتخصص في عنونة التحولات السياسية بالرياح منذ كتابه رياح السموم ١٩٩٤م؛ هل كان سيدعوها رياح التغيير؟
الفوضى أصبحت ممنهجة، ويبدو أن مناديس التفكير Thinking tanks الغربية مؤمنة اليوم بأن فكرة نظام الفوضى، ونظرية الفوضى Chaos Theory التي اكتشفها إدوارد لورنز في علم الأرصاد الجوية، والمتسقة مع مبدأ الريبة لهايزنبرج، والتي جرى تطبيقها في مجالات علمية أخرى، قابلة للتطبيق كذلك في عالم السياسة، والاقتصاد، ويمكن تجريبها في أفريقيا والشرق.
والمؤكد اليوم أن بث الفوضى أصبح يدر المزيد من الأرباح والأرصدة للنخب الغربية في أمريكا خاصة، مهما كانت البلدان المصدرة نفسها تغرق في حفر الخراب والفوضى.
بالعودة إلى عنوان ورقة لورينز، فإن المؤكد لعقود أن رفيف أجنحة ورقة في واشنطن ظل يتسبب بكارثة في بغداد، ولا شك نقف اليوم أمام تشكل قرن جديد، قرن ينقلب بكل سفور على القرن الذي أنجبه، ويعلن خروجه عن نظامه بل ويعاديه ويسعى لتدميره، فكيف علينا نحن في الشرق أن نواكبه بدورنا بينما لم يتسع لنا الوقت حتى لنستوعب بلوغنا محطته الأولى؟ أو أن ندرك حقيقة أننا كنا طرفًا فاعلًا فيه منذ بداية تبرعمه، وما نزال؛ هذا ما كان الشاعر يحاول أن ينبئنا به، عن أثر الفراشة الذي ألهم محمود درويش قوله: «أثر الفراشة لا يُرى أثر الفراشة لا يزول/ هو جاذبية غامض/ يستدرج المعنى ويرحل/ حين يتضح السبيل»
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني