وحشية الحروب.. ألم باق في ذاكرة الشعوب
الجمعة / 21 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:29 - الجمعة 4 سبتمبر 2026 19:29
لم تكن 'الحرب' يومًا بعيدة عن حديث الناس، ولم تنعزل مخاوف الشعوب من نشوب حروب جديدة على أرض الواقع، وبذلك كانت وما زالت عبر السنين الطويلة' أشباح الحرب المخيفة' تتراقص في مخيلة المتابعين والمتربصين بما يدور في فلك الكون.
إن المعارك والحروب الضروس التي يبدع الإنسان في نشأتها وتطويرها وتحسين أدائها، ونفخ شرارتها حتى تصبح نارًا حمراء مشتعلة تضمن هلاك أكبر قدر من الابرياء وتوقع ملايين الضحايا هي أيضًا تبقي في وجدان الاجيال كذكريات أليمة لا يستطيعون الخلاص من حرقة القلوب بسببها.
وهذا القول يدفعنا نحو إدراك أن إشعال 'فتيل الحرب' ما هو إلا كابوس مخيف، فبعض الحروب تظل مشتعلة لوقت طويل دون أن تحسم نتائجها او تخبو نيرانها، بل يتواصل مسلسل سقوط الأرواح في مستنقع الفناء عبر فترات زمنية تتراوح ما بين أيام قليلة او شهور معينة، او ربما سنين عجاف طاحنة، طالما أن هناك نزاعًا قائمًا لم يننتهي، لذلك كانت الحروب عبارة عن نكبات تتوالى على اجساد البشرية ولا تُنسى عبر التاريخ والحقب المتوالية.
ربما اكبر امثلة على ذلك هو الصراع العربي الاسرائيلي الذي يمتد لعقود من الزمن، ولا يزال هذا النزاع يسكب مداده الاحمر في محبرة الزمن.
وليس بعيدا عن النكبات والازمات الانسانية، فان الوضع الراهن الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق الأخرى في العالم يثبت ان العالم يتلظى على' صفيح ساخن'، وما يدور في الأفق من صراعات بين اكثر من وجه ينذر بتصاعد حدة الازمة الدولية يومًا بعد آخر، وهذا ما يؤكده الخبراء والعسكرين على انه إنذار مبكر باتساع رقعة الحرب واشتعال فتائل أخرى جديدة إذا لم تهدأ الأمور قليلًا وتستقر الامور في نطاقها المحدود.
إن الحروب التي خاضتها البشرية عبر التاريخ الطويل ليست واحدة أو اثنتين أو عشرًا، إنما أكثر بكثير مما نتخيله أو نعرفه من الكتب، فهناك حروب 'دولية وأخرى اقتتال داخلي'، وكلا النوعين إن تفرقا في أطراف النزاع فإنهما يجتمعان في 'الوحشية والذكريات المؤلمة'.
أن حالة القلق الدولي ليست بعيدة عن عالمنا، فكل يوم تتضخم الصورة أمام وجوهنا، تلفحنا بنار الخوف من المجهول، فمع أول تهديد مباشر لنشوب حرب جديدة، فإن كل أبواب الاحتمالات تفتح على مصرعيها، فلغة 'التهديد والوعيد' تظل هي الشرارة الأولى، ومع الوقت تصل نبرة 'التحدي' ما بين الخصوم إلى ذروتها، وتبقى الحياة تسير ببطء شديد في بؤر النزاع المتصاعد، وأحيانًا تصل إلى مرحلة 'الجمود'، فالكل طرف يضع سيناريوهاته حسب نظرته إلى الواقع الذي يريده، او المستقبل الذي يحلم به ثم يقول: ماذا بعد؟
عندما تنهار المفاوضات، وتتوقف الوساطات الدولية، يصبح المشهد أكثر ضبابية وإنذار شؤم بقدوم كوابيس مخيفة سيعيشها الإنسان، فالطرق المسدودة للسلام عندما تُقفل، تفتح طرق أخرى في السماء ترمي أطنانًا من الصواريخ والقنابل على رؤوس الأبرياء!.
في وقت الحرب، يصبح المشهد أكثر حلكة من ظلام الليل المرعب، هنا عليك ألا تسأل عن عدد البشر الذين ماتوا خلال الحروب الماضية التي خاضتها الشعوب، وإنما حاول أن تحصي عدد القتلى من الأبرياء في العالم الحديث، فالقنابل التي تُلقى على الناس لا تفرق ما بين البشر.
حاول أن تتجاوز تواريخ ذكرى النكبات والإبادات التي دونها التاريخ في ذاكرة الشعوب المغلوب على امرها، عندما تحين مناسبة ما يسارع الناس الى وضع إكليل من زهور على قبور قتلاهم ، فربما هذا العمل يخفف من على صدورهم بعضًا من مخاوف الماضي ، وتذكر الاحياء بمأزق التناحر المفتوح الذي حدث في الحربين العالميتين في القرن الماضي، وتذكر فصولًا كُتبت بماء الوجع وظلت صامتة في ذاكرة الزمن.
أن المقابر الجماعية المفتوحة ابوابها والتي يزورها أقارب الموتى في كل عام تشهد على أن الحروب ظالمة ووحشية للغاية، فيكفي أنها فرقت ما بين الناس، وأنها كانت يومًا سببًا في إزهاق أرواح الملايين من الأطفال والنساء والرجال دون ذنب او سبب.
ورغم مرور سنوات طويلة على قسوة الأقوياء والشعور بالبؤس والشقاء لدى الضعفاء ، فلا تزال الذاكرة البشرية معبأة بمشاهد الموت والدمار والهلاك ليس في نطاقنا العربي فحسب وانما ايضا في اماكن متفرقة من العالم حيث لا تزال العائلات المكلومة وفية لأقاربها وأحبتها حتى اليوم ، وأيضًا التاريخ يذكر الاحياء بالملاحم الوطنية التي تركها الابطال وراء ظهورهم عندما لم يجدوا بدا في التضحية بأرواحهم من أجل نيل الحرية، لهذا كثير من المدن المنكوبة 'حتى اليوم ' دأبت على وضع نصبًا تذكاريًا في ميادينها العامة كرمزًا لنضال الأبطال القدامى .
أما بعض المدن العتيقة ، فحتى اليوم لم تتعافَ من نكبة الحرب وما خلفته من دمار هائل ، فحطام الاسلحة القديمة باقيا وشاهدا على ذلك الماضي المظلم ، وحتى في المنازل أبقى سكانها الناجون من الموت صور قتلاهم من عائلاتهم كـ'ذكرى المذابح والانتهاكات ' التي ارتكبت بحقهم وهي نسف لكل قوانين الإنسانية، وعند بعض العائلات لم يتبقَّ سوى 'حلم الحياة' ليسندهم في رحلتهم مع وجع الماضي وخوف الحاضر.
ومع كل ما سبق ذكره ، ارى بان العالم لم يستفد كثيرًا من دروس السابقة التي مرت عليه ، ولم يدرس بعمق ما خلفته الحروب من إنهاك للقوى وتأثير على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، ولذلك لا يزال الساسة يشعلون كل يوم فتيل النزاعات والصراعات وفتح جراح قديمة في أجساد الشعوب الضعيفة.