أعمدة

الثراء الوجداني..

يندر في حكم الواقع أن تجف منابع الوجدان لدى كل فرد في هذه الحياة؛ وحتى على مستوى الجماعة المحددة؛ كالأسرة والقبيلة، أو الطائفة، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، كما يقول ابن خلدون -رحمه الله-، وهذه الاجتماعية هي المخضبة بالود، والمفعمة بحيوية هذا الثراء الذي يضفي على النفوس ذلك الاطمئنان والرضا، وإذا تراجعت الخصوبة الاجتماعية في لحظة ما، فذلك مرده إلى أن هناك أمرا صادما قاسيًا، استطاع في لحظة زمنية فارقة أن يجفف شيئا من هذا الثراء ويحوله إلى عداء، ولا يمحو ذلك إلا نعمة النسيان التي فطر الله الناس عليها، ولولا هذا الثراء لانتهت العلاقات بين الناس، وبلغت ذروتها في التصادم وعدم الاتفاق، ولَلِبست الحياة غطاء قاتما من السواد، وهذه الصورة في مجملها هي التي يتقاسمها الناس فيما بينهم، بين حالات الخصوبة والجفاف، وبحكم الممارسة اعتاد الناس عليها، وأصبحت أمرا مسلما بوجوده، لا يثير كثيرا من النقد، ولا يشنف الأذان مع كل طارقة له،

ولذلك فحتى مع تأجج الخصومات في أحوال كثيرة، إلا أن الناس لا يزالون «يتعشمون» في فلان من الناس مقدارا كبيرا من الود، ويقولون: «لا، فلان كما نعرفه لا تغيره السنون والأحوال» وقد يعلون سقف الأمل في ذلك عندما يرفعون هذا أو ذاك إلى مستويات الأبوة، فيقولون: «هذا ابن فلان، وهذا من بيت..»، فهذه الصورة المستحضرة بهذا المخيال الاجتماعي، هي التي تزرع الأمل في أن كثيرا من المشاكل والقضايا تجد طريقها إلى الحل، ولعل في مجتمعنا العُماني المتصالح «أغلبه» مع ذاته يجد في مفهوم «التوفيق والمصالحة» هذا العرف الجميل، المحطة الآمنة لحل الكثير من القضايا العالقة تشعباتها بين أي طرفين، فإذا بها تتماهى إلى مظلة اجتماعية آمنة، لا خوف منها ولا عليها، ولذلك يحرص الناس عليها، ويعضون عليها بالنواجذ.

يذهب الفهم هنا أكثر مع أهمية هذا الثراء إلى الخوف في وقوع شيء من الاستغلال، وخاصة في الممارسات الملتوية، وهي لا تخلو من ذلك، حيث يؤخذ الفرد على حين غرة من أمره، وبدلا من أن يكون رسول سلام، فإذا به ينقلب إلى نمر متوثب للانقضاض على فريسته، ذلك يرى أنه قد طعن في ظهره، باستغلاله في موقف ضعف، أو في موقف «فزعة» أو أن فلانا هذا طيب إلى درجة السذاجة، حيث يرى أن الجميع طيبون وعلى قلب واحد، فهذه من المواقف التي تجفف الثراء الوجداني، وتبقي مساحته قاحلة لفترة طويلة، سواء على مستوى الفرد الواحد الذي يتعرض لمثل هذا الاستغلال، أو على مستوى جماعة معينة عندما تجد نفسها، وقد استغل صدقها، وأمانتها، وعطفها، وسماحتها، ووُظف كل ذلك في غير محله، وقد نص القرآن الكريم على ذلك، في مقاربة بشأن العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى،

حيث يقول الله عز وجل: (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) (آل عمران الآية 119). الآية نزلت في شأن أهل الكتاب، ولكن الفهم يمكن إسقاطه على المنافقين من أهل الأمة الواحدة عندما تناور جماعة على أخرى، ولا تتوافق الجماعتان في مستويات الصدق والأمانة والنية الطيبة الحسنة.

ينصح الفرد بأن لا يبالغ في تبذير ثرائه الوجداني كثيرا ظنا منه بالنقاء المطلق للنفوس، فهناك النفوس المتربصة للأخطاء، وهناك النفوس الحاسدة للعطاء، وهناك النفوس الحاقدة للمروءات، وهناك النفوس القانطة لكل ما يدور حولها خيرا كان أو شرا،

ولكن مع ذلك فأن تُقِيم علاقة طيبة خير من أن تناصب من حولك العداء، لا تجامل على حساب قناعاتك، ومواقفك، وإلا سوف تسقط نفسك في مستنقع النفاق، لأنه - كما جاء أعلاه - قد تصادف من يستثمر ثراءك الوجداني لاستحلابك بكل الوسائل؛ حتى تغدو خالي الوفاض، وعندها سوف يبحث عن بنك وجداني آخر، بعد أن ينضب عطاؤك، و«المرء طبيب نفسه».