ثقافة

رامز حاج حسين:الأدب الموجه للطفل العُماني نموذجٌ واعد للإنتاج العربي المشترك

 


بين رهافة اللوحة وسحر الكلمة، يتنقل الكاتب والرسام رامز حاج حسين في عالم ثقافة الطفل عبر مسيرة ممتدة في المجلات والمؤسسات الموجهة للصغار؛ تجربة بدأت بشغف الطفولة بمجلة 'أسامة' ووصلت إلى رئاسة تحريرها وإدارة منشورات الطفل. وفي هذا الحوار، نتحدث معه عن واقع صحافة الأطفال اليوم، وتأثير التكنولوجيا، ودور الفن والكتاب في مساعدة الأطفال على تجاوز آثار الحرب، وصولاً إلى كيفية تقديم أدب وفن يحاكي احتياجات طفل اليوم ويعيد ترتيب علاقته بالقصة.


بصفتك فناناً تشكيلياً وكاتباً للأطفال في آن واحد، حدثنا عن البدايات وكيف تشكل عندك هذا الشغف، ومن الذي قادك نحو هذا الطريق؟
كنت في صغري أتلمس ملامح الموهبة البكر من خلال تقليد الرسوم الموجودة في مجلة 'أسامة' التي كان والدي -رحمة الله عليه- حريصاً على اقتنائها لي من مكتبة الحي في 'سراقب'. ولطالما شكلت واجهة مكتبة العم 'أبو سعيد المكاوي' بما تحمله من أغلفة كتب ومجلات وجرائد بوابة العالم السحري لي، وكان أبي يحرص على أن يضع بين يدي أوراقاً بيضاء وألواناً ويباهي بلوحاتي أمام المحيط. كَبُر حب هذا الطريق في خلدي وكان لسان حالي الدائم يقول لجميع من حولي: أريد أن أصبح رساماً يرسم في مجلة 'أسامة'.
لو سألتك عن 'الطفل' الذي يسكنك اليوم، هل ما زال هو ذاته الطفل الذي بدأ الرسم قبل سنوات طويلة، أم أن التجربة الإدارية والمسؤولية الثقافية قد غيرت نظرتك لما يجب أن يُقدَّم للأطفال؟
بالتأكيد إن النضج سمة المتابعة في طريق واحدة لا تحيد عنها، تتعلم فيها من الأخطاء ومن تراكم الخبرات والتوجيهات والملاحظات. فالطفل الذي بدأ تحت زيتونة بكر في ريف سورية الشمالي، تمرس في كلية الفنون الجميلة على إتقان كينونة اللوحة التشكيلية، ثم كان توظيفها في صفحات المجلات. ولجميل الصدف وترتيبات الله سبحانه أن تكون البداية من مجلة أحلامي ('أسامة')، التي تدرجت بها من أصغر رساميها إلى رئاسة التحرير في الفترة الأخيرة. وهذا بكل تفاصيله اليومية المعاشة مع زملاء الدرب من نخبة كتاب ورسامي مجلات الأطفال يؤثر في التجربة ويصقلها وينميها للأفضل.
شكلت مجلة 'أسامة' ذاكرة طفولية مهمة لدى أجيال عدة تابعتها، وكونك أحد الذين كانوا في مطبخها؛ أين تقف 'أسامة' اليوم في ظل طغيان المحتوى الرقمي الاستهلاكي؟ وكيف تحافظون على هُويتها الأصيلة مع تجديد دمائها لتناسب طفل اليوم؟
كانت 'أسامة' وما زالت مجلة الأسرة السورية والابن البكر لثقافة الأطفال في سورية منذ انطلاقتها عام 1969 وحتى هذه اللحظة. وقد كتب لي القدر أن أتعامل مع كل فريقها التحريري والفني، منذ الرعيل الأول وحتى الحراس الجدد للعتبة الثقافية لأطفال سوريا. ما يلزم 'أسامة' اليوم هو تعزيز وجودها وحضورها وطباعتها بأعداد أكبر وكميات أوفى لتكون في كل مدينة وحي وبيت، ولتكون كما كانت جسر الوصل الأمين بين الأطفال وهويتهم، على أن نكثف الحضور في مجال الميديا والتقانات ويكون أبطالها في متناول يد الطفل أينما اتجه، وأن نكثف عقد الندوات والدورات وورش العمل للتواصل المباشر مع كل مرحلة عمرية ومتطلبات الجيل الذي نتصدى لمواجهة حاجاته ورغباته وآماله عبر صفحات المجلة؛ كي لا ننفصل عن واقعه الثقافي ونصبح غرباء عن تلبية الحاجات الملحة لمخيلته وتربيته.
هل تعتقد أن 'اللوحة' في كتاب الطفل مجرد 'ديكور' تكميلي للنص، أم أنها أصبحت شريكاً سردياً موازياً؟ كيف توازن بين حضورك كرسام وحضورك ككاتب داخل الصفحة الواحدة؟
اللوحة لغة ثانية لا نقلل من أهميتها، وربما تكون هي اللغة الأولى في كتاب ومجلة وفيديو الطفل؛ فأنت تندفع لشراء كتاب من محبة غلافه وجودة فن الصورة في انطباعك الأول عنه. وكان من المجحف دائماً في الكثير من المحافل أن يكون الرسام هو الرقم الأضعف في عملية صناعة الثقافة، فلا يُعامل معاملة الكاتب لا من ناحية المكافأة المادية ولا المعنوية، بينما وجب أن ندرك أن لغة الصورة مؤثرة أكثر في ذهنية الطفل من أية كلمة. ففي الدراسات النفسية لتلقي الأطفال تنزوي الكلمة في طيات النسيان أكثر من الصورة، فللصورة أثر أكبر. وأضرب لك مثالاً شخصيات 'باسم ورِباب' التي كانت في منهاجنا الابتدائي في سنوات طفولتنا؛ اسأل كل الأجيال المتعاقبة في سوريا سيذكرون لك أن ممتاز البحرة كان يتقن رسمنا في كتب طفولتنا وما زالت لوحاته عالقة في ذلك الجزء المحبب من ذكرياتنا.
لقد تنوعت نتاجاتك البصرية للطفل بين الرسوم التوضيحية الورقية، والرسوم المتحركة، وعبر منصات ووسائط متعددة. من واقع هذه التجربة الطويلة، أيّ من هذه الوسائط تجده اليوم الأكثر جذباً وتحريكاً لمخيلة الطفل العربي؟
الأنسب هو تكامل المنهجين الورقي والمتحرك، ولكن لصعوبات إنتاجية تتعلق بالتمويل والقدرة على تصنيع الأبطال والمسلسلات الكرتونية، فقد طغى النمط الغريب على ثقافة أولادنا. فنحن نقف عاجزين أمام طغيان هذا الكم من الإبهار البصري والمتحرك الموجود في الألعاب والمسلسلات والأفلام المتحركة الجاذبة لأطفالنا، دون أن تكون لنا ردة فعل حقيقية ومقنعة لجذبهم ناحية ثقافتنا وهويتنا ومحليتنا المستمدة من كل ما هو أخلاقي وحضاري ووجداني. بعض الأسر تدرك أهمية أن يبقى للورقي حضوره في مكتبة المنزل، ولكن هذه التجارب الفردية والعشوائية لا تغني ولا تسمن من جوع؛ لا بد من خطط وطنية ناظمة وداعمة بحيث يكون هناك اهتمام بمكتبة المدرسة والمركز الثقافي في الحي، وإعادة انتشار المجلات والقصص والكتب بشكل أوسع.
الكتابة للطفل في زمن الحرب والأزمات هي من أصعب المواجهات وأعقدها، أطفال ربما فقدوا 'براءة الدهشة' وتذوق الكلمة وعمق الصورة وسط ركام الواقع. من يتكفل ويتحمل مسؤولية ترميم ما حدث، وكيف يمكن إعادة هذا الشغف للأطفال ليتمكنوا من تحسين ذائقتهم التي شوهتها الحرب؟
لطالما تكلمت وسط زملائنا في العمل الثقافي الموجه للطفل أننا بحاجة إلى 'ثقافة ترميمية' تتماشى وخطط الثقافة الكلاسيكية المعهودة؛ بحيث يتضمن منهج التربية والتعليم والثقافة كتباً وقصصاً وأفلاماً تعبر عن قدرتنا على العلاج والاستشفاء من إرهاصات الحرب والنزوح وفقدان الأحباب وجزء من الحميمية في أسرتنا السورية. ومن المطمئن لنا هنا أن هناك كوادر مبدعة قادرة على النهوض بهذا العبء العظيم، وليس لنا إلا أن نرعاها بخطة وطنية منظمة وجامعة تتضافر بها جهود الجهات المعنية في هذا المجال. ومن يتكفل بهذا التطبيق العملي للخطة هي الجهات الرسمية والمؤسسات وحتى الأفراد، فيتكامل جهد الفرد مع أقنية حميدة تفتحها الحكومة ليصب كل من يريد الفعل في الصورة العامة للمشهد، وستكون لدينا حينها كتب وأفلام ومسلسلات ومنصات ميديا تتكلم بهُوية السوري وثقافته وتراثه وأصالة أهله في الوطن.
كيف يمكن لرسام وكاتب أطفال أن يعيد صياغة مفهوم 'المتعة' لطفل رأى وعاش الأهوال؟
في التجربة اليابانية التي أحب دائماً وأبداً القياس عليها؛ فبعد إرهاصات الحرب العالمية الثانية وما جرى لليابان، قام الفنان والكاتب 'هاياو ميازاكي' بعمل نقلة نوعية في الثقافة الجمعية لليابانيين، وخلّد الهوية اليابانية ومناهضة الحرب ومحبة الحياة عبر أعماله المميزة والخالدة في وجدان قومه والكثير من شعوب العالم (في وطننا العربي نعرفه من خلال المسلسل الأشهر 'عدنان ولينا' أو 'كونان فتى المستقبل')، وصنع جيلاً ينتمي، وقَدِر هذا الجيل على النهوض باليابان إلى ما نراه اليوم. الإرادة إن أُوجدت ستبدأ من الأطفال، والتنمية المستدامة لمجتمعنا ستبدأ من الأطفال، ونية بناء مستقبل يليق بسورية ستبدأ من الأطفال.. وعدد ما شئت من خيارات النظر نحو الأمام لمستقبل يليق بنا جميعاً فلا بد لك أن تبدأ من الأطفال.
في ظل واقع اقتصادي قاسٍ، أصبح الكتاب 'تَرَفاً' قد تعجز العائلة عن توفيره أمام زحمة الاحتياجات الأساسية. كيف يمكن للهيئة وللمؤسسات الثقافية كسر هذا الحاجز المادي وإيصال الكتاب والقصة لطفل لا يملك ثمنه؟
وزارة الثقافة والهيئة العامة السورية للكتاب بدأتا فعلاً بتنفيذ مشاريع تنموية ثقافية في هذا المضمار؛ على سبيل المثال: فكرة المكتبات المتنقلة من خلال عربات تحمل كتباً ومجلات وقصصاً من إنتاجنا تدور في كل أرجاء سوريا وتوزع لحظات من المتعة والثقافة على الأطفال في كل شبر من البلاد. وهناك خطط مستقبلية نحو إيجاد منصات تفاعلية وقنوات رسوم متحركة وأناشيد ومسلسلات للأطفال تستند إلى إصداراتنا ومنها مجلة 'أسامة' وأبطالها وشخصياتها وقصائدها. والدعم المستمر لسعر العدد من مجلة 'أسامة' و'شامة' ما زال قيد البحث والتطوير ليتناسب مع القدرة الشرائية للطفل السوري، بحيث يكون سعر العدد مناسباً ومقبولاً ويوصل المجلة إلى كل بيت ومنزل في سوريا.
كونك مديراً سابقاً وعضواً دائماً في منشورات الطفل التابعة لهيئة الكتاب، كيف تواكب الهيئة المتطلبات التي تحدثنا عنها، وماذا تحمل على عاتقها لاختيار ونشر المحتوى الهادف بأيسر الطرق وأحدثها؟
خطوات طويلة على هذا الدرب قطعناها في الهيئة العامة السورية للكتاب ومديرية منشورات الطفل؛ فقد كانت خطتنا منذ البداية أن نتحول إلى جسر الوصل الأمين بين متطلبات الطفل المتلقي وبين إبداعات الطفل المعطاء في هذا المجال. فكانت ورش العمل الدائمة مع الأطفال والمسابقات الداعمة لمواهبهم ونشر نتاجهم ضمن صفحات المجلة وضمن كتيبات مستقلة في المديرية، ورعاية المواهب ودعمها وفتح أقنية العمل الجاد لتطويرها وخدمتها ومساعدة الأهل والمربين في التعامل معها بإيجابية لبناء كاتب ورسام ومخرج المستقبل الحقيقي. كما أن على الطاولة العديد من الأفكار والمشاريع للتنسيق مع وزارتي التربية والإعلام لصب نتاج المديرية في مساحات صحية ومريحة عبرهما للوصول إلى جمهورنا المستهدف من الأطفال بطريقة مناسبة وعصرية وملبية للحاجات الحديثة.
في الغرب، يُلاحظ أن الكتاب (القصة المصورة أو التفاعلية) يرافق الطفل منذ أشهره الأولى كجزء من ألعابه؛ هل غياب هذه الثقافة المبكرة لدينا يعود إلى نقص في إصدارات 'مرحلة ما قبل المدرسة' (كتب الصور المبسطة)، أم أنه قصور في الوعي الأسري؟
للأمانة نعم، هناك نقص في التعامل مع مرحلتين أساسيتين من مراحل الطفولة وهما: الطفولة المبكرة والطفولة المتقدمة (اليافعين). فتجد أن رياض الأطفال أو الأهالي يبحثون عما يسد حاجات الطفولة المبكرة من كتب أو دوريات ولا يجدون خيارات كثيرة، فهي إن أُوجدت توجد على ندرة وقلة. وحتى في دور النشر الخاصة فهذا الجانب ما زال لا يحظى بالاهتمام المطلوب والكثافة الإنتاجية التي تلبي احتياجات الطلب. والطفولة المتأخرة من يافعين ومهتمين بكتب المغامرات وقصص الكوميكس أيضاً يجدون صعوبة في إيجاد كتب ومجلات تهتم بهذا النوع من الأدب، بينما تُقام لأجل كتاب وفناني ومبدعي هذا النوع مهرجانات وتكريم ومعارض ضخمة في البلدان والثقافات الأخرى... وهذا يعود إلى عوامل عدة أهمها وأولها غياب الدراسة الأكاديمية والمعاهد المختصة في هكذا جنس من الأعمال الفنية والأدبية الموجهة لهذه الشرائح، والتي إن أُوجدت كانت لتعطي سوق الإبداع والعمل العديد من التجارب والخبرات والمواهب الفاعلة في بناء خط إنتاج ثقافي مهم يغطي حاجات البلاد.
تكوين ثقافة الطفل عربياً واجب ومسؤولية تحتم التكاتف بين مختلف المؤسسات لخلق جيل واعٍ ومنتمٍ. برأيك، كيف يمكن تحويل هذا الواجب الأخلاقي إلى 'استراتيجية عمل عابرة للحدود' تتبناها الهيئات الثقافية العربية، كمشاريع التبادل الثقافي أو الإنتاج المشترك الموجه للطفل العربي؟
من الجدير بمكان أخذ هذا الطرح النبيل على محمل الجدية، وتكوين نواة عمل محلية في كل بلد عربي، ومن ثم خلق بيئة تكاملية مشتركة لأعمال أكبر تتحدث عن قضايانا الملحة التي تصب في تربية سليمة ومعافاة للجيل العربي ككل. فتضافر جهود المبدعين والعاملين في المجال مع التمويل الحقيقي والداعم والتغطية الإعلامية والمؤسساتية لهذه الفرق؛ ستنتج عنه مهرجانات عمل مشترك تصدر عنها أعمال مميزة، كما كان لدينا في مسلسل 'افتح يا سمسم' العظيم الذي تضافرت فيه جهود النخب العربية حينها لتصدر لنا هذه التحفة الخالدة في وجداننا. وللأسف توقفت التجربة عند ذلك العمل المميز ولم تستمر لتتطور وتتماشى مع ما يحصل من تكنولوجيا ميسرة للأمر ومحفزة على الإبداع والاستمرار في الطريق.
ككاتب ورسام لك حضور عربي واسع في أدب الأطفال، كيف ترى هذا الواقع وهل يلبي طموح الأدباء وتطلعات الطفل العربي لتكوين شخصيته الاعتبارية؟
ما زال هناك الكثير من الخطوات التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في هذا الخصوص. والتجارب الفردية التي صنعت نفسها بنفسها في هذا المجال في وطننا العربي لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر وفتح أقنية تواصل ورعاية واهتمام أكبر. هناك مهرجانات أو فعاليات لدعم كتاب وفيلم الطفل العربي تُعد على أصابع اليد الواحدة من حيث الفعل الحقيقي والراعي الجدي للمواهب والخبرات. ولك أن تنظر وتسأل: أين الفيلم العربي الكرتوني لأطفالنا؟ وأين المسلسلات العربية الكرتونية؟ وأين حضور كتاب الطفل ومبدعيه في محافل كبرى تهتم وترعى هذا المنتج الثقافي؟ ستجد القليل جدا، بينما الإمكانات لإقامة الكثير والكثير من الفعاليات الأخرى موجودة. وهذا ما يجعلنا نعتمد على المدبلج والمترجم والوافد الغريب لبيئتنا ليكون البديل المناسب قدر الإمكان لأبنائنا وثقافتهم، وهنا مكمن الخطأ والعجز. فلن تكون قصة تتحدث عن ثقافة اليابانيين وعاداتهم وتقاليدهم أنجع لطفلنا من قصة محلية تتحدث له مثلاً عن: (ياسمينة تتسلق بحنان على قنطرة في حي من أحياء دمشق، وتحتها بائع العرقسوس البارد ينادي على بضاعته بموال من عتابا شامية قديمة).
لديك تجربة ثقافية للأطفال في سلطنة عُمان، حدثنا عنها وكيف كان التعاون والأداء، وما تقييمك لتلك التجربة؟
كان لدي العديد من التجارب مع شركائي في العمل من كتاب ورسامين، ولعل من أبرزها التجربة مع الثقافة والهوية العُمانية العريقة؛ حيث قمنا بإعداد ورسم وإخراج العدد الأول من مجلة 'مرشد' الموجهة للأطفال، وكان لنا العديد من الإطلالات على تلك الأرض الطيبة والحوارات مع مثقفيها وكتابها وفنانيها. كما كان لي زيارة لقضاء وقت مميز في منطقة (سناو) للعمل على رسم وإخراج كتاب 'سناو.. رحلة الحب والحنين' للشيخ سالم المحروقي، الذي كان مثالاً للعربي العُماني الأصيل والمثقف المسؤول عن إبراز هُوية وطنه بكل ذلك الشغف والحب. وقد أمكنني في رحلتي معه تلمس عظمة وعمق حضارة أهل عُمان وأصالتهم.
من واقع تجربتك ككاتب ورسام للأطفال، أين تكمن صعوبة الكتابة للطفل، وما السبب الحقيقي وراء قلة المبدعين الذين يتجهون لأدب الطفل في عالمنا العربي؟
كان الخطأ الشائع في الكثير من الأماكن التي تتصدر المشهد الثقافي للطفل، أن يُقال: 'علينا أن ننزل بمستوانا الفكري والفني لمجاراة الأطفال'، بينما تكونت لدي قناعة تامة بأننا يجب أن نرتقي ونصعد بفكرنا وفننا لنجاري مخيلة أطفالنا؛ فالطفل عبارة عن أكاديمية مفتوحة لنتعلم منها ومن طباعها وطلباتها كيف نكتب الحكاية وكيف نرسم اللوحات للأطفال. واليوم وغداً يجب أن نعي أننا بحاجة ماسة لأن يكون لدينا في فرق العمل الخاصة بالتخطيط والانتقاء لمواضيع طفولية العديد من الأطفال المبدعين ليشاركونا الرأي والمشورة والنصح فيما يجب أن يُقدم لهم وكيفية تقديمه، لنكون على تماس مباشر مع أسباب النجاح في العمل الثقافي الموجه لهم.
ماذا في جعبتك الإبداعية من نتاج ليتعرف عليه القارئ عبر سنوات عملك في هذا القطاع؟
كان أول مشروع لي وما زال مستمراً لهذه اللحظة هو شخصيتي الأشهر 'أبو حمدو' وصديقه 'عجاج'، اللذان ولدت مغامرتهما على صفحات مجلة 'أسامة' في 1 أبريل 1997. ومن تلك اللحظة وحتى هذا الحوار، ما زال الطفل الذي تفتقت موهبته البكر في مدينتي المتواضعة 'سراقب' يسعى لأن يبذل جهده ليبقى على تماس مع الحلم، ويجدد العهد دائماً أن يصنع قصصاً ورسوماً تليق وتناسب السادة السوريين الصغار. وكيف نعلمهم أنهم كانوا في مخيلة الأسطورة السورية الأولى على شكل فراخ صغيرة، شقت طريقها للوجود من داخل بيضة الخلود، التي أبى طائر العنقاء (الفينيق) إلا أن تكون أسطح بيوت المزارع السوري الأول موطناً آمناً ليضع بيوضه فوقها... كنا نربي طيور (الفينيق) كما يربي بقية العالم طيوره الداجنة؛ نرعى فراخه، ونمشط ريشه، ونطبب حروقه، ونفرش له أعواد البخور كل عام ليعيد صيرورة خلقه من جديد... واليوم وفي وسط هذه الظروف التي تبدو للعالم أجمع أنها جمر ورماد، وأوار محرقة عظيمة، وضياع وسط التيه الكبير، يكفيك أيها السوري الصغير أن تنظر في أحداق عيون رفاقك، لتعرف أنك ما زلت تملك تلك الروح، وأنك ما زلت ابن تلك الجينات التي خلدت وصمدت في وجه أعتى الملمات.