عمان اليوم

"سوق الصنصرة" بنزوى.. تجارة تحفظ ملامح المكان وتختصر ذاكرة المدينة الاقتصادية والاجتماعية

5 قرون من النشاط المتواصل وسط تنوع السلع والحرف المحلية

 

في قلب مدينة نزوى، حيث تتجاور ملامح التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية، يحتفظ سوق 'الصنصرة' بحضوره كأحد الأسواق التقليدية التي ما زالت تؤدي دورها التجاري، وتحمل في تفاصيلها شيئًا من ذاكرة المدينة القديمة. فالسوق ليس مجرد مجموعة من الدكاكين المتجاورة، بل مساحة تختصر جانبًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها نزوى عبر أزمنة متعاقبة.
وتتداول الروايات المحلية أن تاريخ سوق الصنصرة يمتد إلى أكثر من خمسة قرون، لذلك فإن قدم السوق وموقعه ضمن النسيج العمراني القديم لنزوى يؤكدان حضوره الممتد في ذاكرة المكان، وارتباطه بالحركة التجارية التي عُرفت بها المدينة منذ القدم.
سوق في قلب المدينة
اكتسب سوق الصنصرة أهمية خاصة من موقعه في قلب نزوى، بالقرب من حارة العقر، إحدى الحارات التاريخية المعروفة في الولاية، وهو ما جعله جزءًا من المشهد اليومي للمدينة ومقصدًا للمتسوقين والزوار.
وعلى امتداد العام، لا تخلو دكاكين السوق من حركة تجارية، تتفاوت كثافتها بحسب المواسم والمناسبات، إلا أن السوق يحافظ على نشاطه وحضوره، مستفيدًا من موقعه وطابعه التقليدي وتنوع ما يعرضه من منتجات.
ويجد المتسوق في السوق عددًا متنوعًا من السلع والاحتياجات، من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى العطور والبخور والمستلزمات المختلفة، إلى جانب الصناعات والحرف التقليدية المرتبطة بالهوية العُمانية، مثل الفخار والمشغولات الفضية وغيرها من المنتجات التي تستقطب الباحثين عن الطابع المحلي الأصيل.
مركز تجاري.. بطريقة تقليدية
يمكن وصف سوق الصنصرة بأنه مركز تجاري على الطريقة القديمة، فالدكاكين المتقاربة وتنوع السلع وتعدد الأنشطة التجارية تمنح المتسوق فرصة للعثور على احتياجات مختلفة في مساحة محدودة، دون أن يفقد السوق هويته التقليدية.
وتكمن خصوصية الصنصرة في كونه يقدم تجربة مختلفة تقوم على المكان القديم، والتواصل المباشر، والدكاكين الصغيرة المتجاورة، والمنتجات التي يحمل بعضها امتدادًا لحرف وعادات متوارثة.
كما أن هذا التنوع جعل السوق محطة للزوار والسياح الذين يقصدون نزوى للتعرف على تاريخها وثقافتها، فيجدون في الصنصرة مشهدًا حيًا يختلف عن المراكز التجارية الحديثة، ويمنحهم فرصة للاطلاع على جانب من تفاصيل الحياة التجارية التقليدية.
عمارة تختزن الذاكرة
ولا تنفصل قيمة السوق عن طابعه العمراني، فالمباني القديمة والدكاكين المتلاصقة تشكل لوحة معمارية بسيطة وغنية بالدلالات، فيما يمنح تقارب المحال وضيق الممرات وتداخلها مع النسيج العمراني القديم السوق شخصيته الخاصة.
وتبقى هذه العمارة جزءًا من ذاكرة المكان، إذ تحمل آثار الاستخدام التجاري المتواصل، وتروي قصة أجيال من الباعة والمتسوقين الذين مروا من هنا، وتعاملوا في هذه الدكاكين، وشهدوا تغيرات المدينة من حولهم.
بين الماضي والحاضر
ورغم التغير الكبير الذي طرأ على أنماط التسوق وانتشار المراكز والمجمعات التجارية الحديثة، استطاع سوق الصنصرة أن يحافظ على وجوده، مستفيدًا من موقعه وتنوع أنشطته وقيمته التاريخية، ليظل جزءًا من الحياة اليومية في نزوى.
وبينما يقصده البعض لشراء احتياجاتهم، يأتي آخرون لاستعادة شيء من ذاكرة المكان، فيما يراه الزائر والسائح نافذة على نزوى القديمة بما تحمله من تفاصيل عمرانية وتجارية واجتماعية.


وقال علي بن سعيد البطراني، أحد تجار المواد الغذائية والأعشاب والمكسرات في السوق: إن ما يميز الأسواق الشعبية ومن بينها سوق الصنصرة هو سمعتها وبساطتها، مشيرًا إلى أن بعض الناس يفضلون التسوق فيها بعيدًا عن الزحام وصخب المراكز التجارية، كما أنها تضم نوادر من البضائع وبأسعار مناسبة.
وأوضح أن كثيرًا من الزبائن يزورون السوق بحثًا عن المنتجات المحلية والأعشاب الطبيعية والطبية التي يصعب العثور عليها في المراكز الحديثة، إضافة إلى الأجواء الاجتماعية التي تربط البائع بالمشتري بعلاقة مباشرة مبنية على الثقة والتجربة الطويلة.
وأكد أهمية دعم الأسواق الشعبية والترويج لها بصورة أكبر، سواء عبر الحملات الإعلامية أو المبادرات المجتمعية، مقترحًا تشجيع الأسواق الشعبية والشباب العاملين فيها، والترويج لهم ودعمهم بالشراء منهم والوقوف معهم.
ويواصل سوق الصنصرة حضوره بين الماضي والحاضر، محافظًا على وظيفته التجارية، وفي الوقت ذاته مؤديًا دورًا ثقافيًا وسياحيًا مهمًا، فبقاء مثل هذه الأسواق لا يعني المحافظة على مبانٍ قديمة فحسب، بل الحفاظ على جزء من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وعلى مكان كان وما يزال شاهدًا على حيوية نزوى التجارية وقدرتها على الجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر.