ترجمة

النظام المهجور: العيش في عالم ما بعد أمريكا

مارك ليونارد - ترجمة - نهى مصطفى

 

قبل خمس سنوات، انهار سوق الإسكان الصيني، تاركًا آلاف المباني السكنية غير المكتملة في أنحاء البلاد. وجد جيل من المواطنين الصينيين، الذين راهنوا بكل مدخراتهم على توسع عمراني لا يتوقف، أنفسهم فجأة بلا مأوى.

ومع مرور الوقت، انتقل بعض الأشخاص الأكثر جرأة إلى أنقاض هذه المباني، فنصبوا خيامًا على أرضياتها الخرسانية، واستخدموا ملاءات الأسرّة جدرانًا، وطهوا الطعام على مواقد بدائية.

ويطلق الصينيون على هذه المباني المهجورة اسم «لانوي لو»، وهو تعبير يُستخدم للدلالة على مشروع فاشل أو خطة معلقة. يعيد سكان «لانوي لو» استخدام ما هو متاح، ويبتكرون حلولًا للبقاء على قيد الحياة في خضم الأزمة الاقتصادية.

ويُعد وضع سوق الإسكان الصيني مثالًا بليغًا على حال النظام الدولي القائم على القواعد، والذي تقوده الولايات المتحدة. فبعد عقود من التوسع، بات هذا النظام نفسه مهملًا. لم يحظَ بقبول كامل من الصين وروسيا، وأثار استياء القوى المتوسطة الصاعدة، وفقد ممولوه الرئيسيون -دافعو الضرائب الأمريكيون- اهتمامهم باستمراره.

يتبلور عالم «متعفن»، ستضطر فيه الدول إلى التكيف بذكاء، وإيجاد استخدامات جديدة لعناصر النظام القديم التي لا تزال ذات قيمة، والتكيف سريعًا مع التدهور الحاد في عناصر أخرى. لكن كثيرًا من القادة ما زالوا يتصرفون وكأن النظام القديم قابل للإنقاذ، أو حتى للتحسن. لا تزال الجمعية العامة للأمم المتحدة تجتمع سنويًا، رغم تهميش جهودها الدبلوماسية.

تواصل منظمة التجارة العالمية الفصل في النزاعات التجارية، رغم تصاعد النزعة الحمائية. وتعقد مؤتمرات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ لرسم مسار يبدو ميؤوسًا منه نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري. ولا تزال فرق العمل الدولية تجتمع لمناقشة خطط طموحة لحل الدولتين، حتى في ظل اشتعال حرائق الشرق الأوسط.

ولا يزال حلفاء الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، عاجزين عن إدراك أن واشنطن قد سحبت دعمها للنظام القديم. سخر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، من الأوروبيين الذين يقترحون تعلم الدفاع عن أنفسهم من دون مساعدة أمريكية، قائلًا لهم: «استمروا في أحلامكم».

قدّمت قمة الناتو في يوليو 2026 أحد أكثر الأمثلة غرابة على هذا التناقض: تعهد القادة الأوروبيون بحماس بزيادة الإنفاق الدفاعي استجابةً لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من دون ارتباط واضح بتقييمات محلليهم الدفاعيين، على أمل ثنيه عن الانسحاب من الحلف.

وتواصل المملكة المتحدة ترسيخ اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة من خلال شراء طائرات مقاتلة أمريكية، فيما توافق الدنمارك على صفقات أسلحة ضخمة من واشنطن، حتى في الوقت الذي يهدد فيه ترامب بضم جرينلاند بالقوة. تمضي أستراليا قدمًا في استثماراتها في شراكة «أوكوس» الأمنية الثلاثية مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، داعمةً بذلك القاعدة الصناعية الأمريكية، حتى في الوقت الذي تتراجع فيه الالتزامات الأمريكية.

القادة الذين يعجزون عن مواجهة واقعهم الجديد يخيبون آمال بلدانهم. آن الأوان للاعتراف بأن النظام القديم قد زال فعلًا، ورسم نهج جديد في الجغرافيا السياسية. فهذه اللحظة ليست مجرد فترة انتقالية قصيرة بين نظام تقوده الولايات المتحدة وآخر تقوده الصين. ولفترة من الزمن، سيبقى العالم بلا نظام على الإطلاق، تغمره حالة من التفتت والعدوى والاختناق، أو إغراء استغلال نقاط الاختناق الجغرافية والاقتصادية والتكنولوجية كسلاح.

وأكد هنري كيسنجر أن النظام العالمي يقوم على ركيزتين: توازن قوى مستقر نسبيًا، وقواعد متفق عليها تحكم سلوك الدول. واليوم، تتهاوى الركيزتان، ومن غير المرجح إعادة بنائهما قريبًا.

ولا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية المهيمنة، لكنها لم تعد قادرة على منع النزاعات أو ضمان حرية التجارة عالميًا، وعجزت حتى عن فتح مضيق هرمز بعد إغلاقه من جانب إيران. يقوض التطور التكنولوجي، ولا سيما انتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة الرخيصة، التفوق العسكري الأمريكي، بينما نظام التحالفات القديم يضعف أصلًا بفعل صعود الصين وروسيا وقوى أخرى.

حالة عدم اليقين التي تسود هذا العصر المضطرب تحركها ثلاث قوى تُزعزع النظام الدولي: التفتت، والعدوى، والاختناق.

يفتت نهج ترامب العدواني تجاه الشركاء الغرب بوصفه كيانًا سياسيًا. وتتراجع التحالفات، وليس الغربية منها فحسب؛ ويكفي النظر إلى حالة الفوضى التي تسود منطقة الشرق الأوسط. كما تؤدي القيود التجارية إلى تفتيت الأسواق العالمية، من دون أن تفضي إلى تكتلات متماسكة. ولم تعد المشكلات العالمية تستدعي حلولًا عالمية، بل مجموعة من الحلول المؤقتة.

وأعمق أشكال التفتت هو التفتت المعرفي؛ فلم يعد العالم يتفق حتى على الحقائق، ما يهدم الواقع المشترك الذي تقوم عليه الدبلوماسية. ظهر ذلك بوضوح في الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إذ عجز أطراف النزاع عن الاتفاق حتى على وجود وقف لإطلاق النار أو على من انتصر ومن خسر. ومع تراجع فكرة النظام العالمي الموحد، تتجه الدول إلى أنظمة تنظيمية متعددة ومتخصصة، بعضها إقليمي، وبعضها يركز على مجالات محددة مثل التكنولوجيا والتجارة والأمن.

ولّى زمن الاعتقاد بأن الأمم المتحدة، أو حتى الولايات المتحدة، قادرة على الإشراف على اتفاقيات سلام شاملة تعالج بنجاح المطالبات الإقليمية، والعدالة في مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة الإعمار. وبدلًا من هذه الاتفاقيات، تهدف وقفات إطلاق النار والهدنات المحدودة، التي لا يتفاوض عليها دبلوماسيون فحسب، وإنما مجموعة متنوعة من الوسطاء، مثل قطب العقارات الأمريكي ستيف ويتكوف، والمصرفي الروسي كيريل ديميترييف، إلى تجميد النزاعات بدلًا من حلها.

في عالم تسوده تحالفات غير موثوقة، ستلجأ الدول إلى التحوط. تتوقف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عن العمل بوصفها قيدًا ذا مغزى، وقد تسعى ألمانيا وإيران وبولندا وكوريا الجنوبية إلى الحصول على أسلحة نووية خلال العقدين المقبلين.

تلاشت أيضًا فكرة ضرورة وجود قواعد ثابتة تحكم الاقتصاد العالمي. فالقومية الاقتصادية والحمائية في تصاعد مستمر؛ إذ يسرّع تطبيق الاتحاد الأوروبي لآلية تعديل الكربون على الحدود، وفرض ترامب للتعريفات الجمركية، وفرض الصين ضوابط على الصادرات، من تفكك الاقتصاد العالمي.

وباتت براميل النفط المتطابقة تُباع بأسعار متفاوتة بشدة تبعًا لمكان بيعها، ونظام الدفع المستخدم، والمشتري، ونظام العقوبات المطبق. فعلى سبيل المثال، في أوائل أبريل، بلغ سعر برميل خام برنت نحو 113 دولارًا، بينما بيعت الشحنات الفعلية منه بسعر يصل إلى 144 دولارًا.

وعادة ما يتباعد سعر النفط في السوق الفورية عن سعره في العقود الآجلة بفارق ضئيل لا يتجاوز بضعة دولارات؛ أما هذا التفاوت فغير مألوف على الإطلاق. تشهد أسواق الذهب في لندن ونيويورك أيضًا فترات من التباين الحاد في الأسعار. ومن المرجح أن يزداد هذا النوع من التفتت انتشارًا.

وستتآكل هيمنة الدولار بوتيرة أسرع، مع احتمال انخفاض حصته من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية إلى أقل من 50%، بالتزامن مع تزايد اتفاقيات العملات الثنائية وتنوع أسعار السلع. سترتفع تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة، كما ستتضخم تكاليف المعاملات العالمية مع تزايد الأنظمة غير المتوافقة.

يُعتبر خطر العدوى تحديًا كبيرًا آخر؛ كانت القوانين والأعراف الدولية تقيد تصرفات الدول، وحتى عندما كانت القوى العظمى تنتهكها، كانت تُفرض على الدول الأصغر وتحدد معايير السلوك. أما في عصر التحرر من القيود، فلم تعد الأزمات محصورة في نطاقها الأصلي، ولم يعد الفاعلون يشعرون بأنهم مقيدون بالأعراف، بل إن بعض أقوى دول العالم لم تعد تدرك حتى أنها تنتهك القواعد.

لذلك، بات من غير المرجح أن تبقى النزاعات معزولة. عارضت فرنسا وألمانيا الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، لكنهما واصلتا تبادل المعلومات الاستخباراتية والتجارة مع واشنطن والتعاون معها داخل حلف الناتو.

أما اليوم، فيربط ترامب صراحةً بين العلاقات الاقتصادية والأمنية؛ فبعد اعتراض حلفائه الأوروبيين على مطالبه بشأن جرينلاند، هدد بفرض رسوم جمركية عليهم وسحب القوات الأمريكية من أراضيهم.

وخلال الحرب الإيرانية الأخيرة، امتد الصراع إلى شركاء الولايات المتحدة. فبعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، هاجمت الجمهورية الإسلامية دول الخليج وغيرها. وبدلًا من استهداف المجهود الحربي الأمريكي مباشرة، بدت إيران عازمة على تعطيل الأسواق العالمية قدر الإمكان.

ويمتد هذا التحرر من القيود أيضًا إلى طريقة خوض الحروب؛ فالمحرمات المتعلقة بالاغتيال واستهداف المدنيين وحروب الغزو تتلاشى تدريجيًا. ووفقًا لتقارير إعلامية، خططت إسرائيل لاغتيال مسؤولين إيرانيين أثناء مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة، فيما استهدفت خلال حرب غزة صحفيين ومستشفيات ومواقع ثقافية ودينية وبنية تحتية مدنية، وتستهدف روسيا وأوكرانيا بانتظام البنية التحتية المدنية في كل منهما، كما يتبادل الطرفان الاغتيالات في دول ثالثة.

ومن المرجح أن يؤدي هذا التصعيد إلى مزيد من الحروب؛ فقد تُغرى دول أخرى بابتزاز حلفائها، وقد يصبح التهديد النووي أكثر اعتيادًا، والأكثر إثارة للقلق احتمال انتشار حروب صغيرة للسيطرة على الأراضي. فقد تستخدم فنزويلا القوة للاستيلاء على إسيكويبو في جيانا، أو تحاول إثيوبيا انتزاع منفذ إلى موانئ إريتريا على البحر الأحمر.

في الزواج الفاشل، تتحول الروابط التي جمعت الزوجين في أوقات الرخاء، كالمنزل والأطفال، إلى أسلحة يستخدمها كل منهما ضد الآخر في أوقات الشدة. وبالمثل، بدأت الدول تحول الأنظمة التي كانت تربطها، كمسارات الطاقة وسلاسل إمداد أشباه الموصلات والبنية التحتية المالية وممرات الشحن، إلى أدوات ضغط. وأصبحت السيطرة على نقاط الاختناق مؤشرًا مهمًا على قوة الدولة، إلى جانب حجم جيشها وناتجها المحلي الإجمالي.

كانت الدول الغربية سباقة إلى استغلال هذه النقاط، مستفيدةً خصوصًا من سيطرتها على النظام المالي والتقنيات الأساسية. فقيّدت الولايات المتحدة وصول الشركات الصينية إلى الرقائق المتطورة، ثم وسعت إدارة بايدن هذه القيود. وفي 2022، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، استُخدمت السيطرة على النظام المالي العالمي لمعاقبة روسيا، باستبعاد بنوكها من نظام «سويفت» وتجميد 300 مليار دولار من احتياطيات بنكها المركزي.

لكن الصين سرعان ما تبنت التكتيك نفسه، ووسعت سيطرتها على نقاط الاختناق، من العناصر الأرضية النادرة إلى الرقائق والمغناطيسات، فيما لجأت دول أصغر وجهات غير حكومية إلى الأسلوب نفسه، كما فعل الحوثيون في البحر الأحمر. قد يصبح استغلال نقاط الاختناق ممارسة عالمية ذات عواقب وخيمة، إذ لا تقتصر على الممرات المائية، وإنما تمتد إلى سلاسل إمداد الغذاء والأسلحة والأدوية والتكنولوجيا، بما يتيح للدول استخدام سيطرتها عليها أداةً للضغط على خصومها.

تزداد المشكلة خطورة لأن إغلاق أحد الممرات الحيوية يدفع حركة التجارة إلى ممرات أخرى، فيخلق اختناقات جديدة. أجبر إغلاق مضيق هرمز شحنات النفط على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. قد يكون إغلاق ممر مائي واحد قابلًا للإدارة، لكن إغلاق عدة ممرات حيوية في الوقت نفسه سيجعل حركة التجارة العالمية شديدة الصعوبة.

يتبلور نهجان للتعامل مع هذا العالم: نهج المهندس المعماري ونهج الحرفي. يسعى المهندس إلى تصميم نظام عالمي ووضع قواعد ومؤسسات شاملة، بينما يعتمد الحرفي على المرونة والارتجال والتكيف مع عالم لا يسمح بخطط كبرى. وتتصرف الصين بالفعل كدولة حرفية، فتستخدم المؤسسات القائمة وتنشئ تكتلات جديدة مرنة لا تهدف إلى وضع قواعد عالمية. تحذو قوى متوسطة أخرى حذوها، سعيًا إلى تحقيق التوازن والتحوط بين القوى العظمى.

في المقابل، لا تزال دول أخرى تحاول إعادة بناء النظام القديم والحفاظ على مؤسساته وقواعده، رغم أنها لم تعد تملك القوة التي كانت تدعمه. فالنظام العالمي لم يكن قائمًا على القواعد وحدها، ولكن على قوة مستعدة لتحمل تكلفة إنفاذها. ولا تستطيع القوى المتوسطة، مهما تعاونت، إعادة إنتاج ذلك النظام أو ضمان فعالية مؤسساته. يتحدث السياسيون كمهندسين لأن الحديث عن إعادة بناء النظام يوحي بالثقة والسيطرة. لكن في عالم كهذا، قد يؤدي الإصرار على ترميم نظام انهار بالفعل إلى إضعاف الثقة بدل تعزيزها.

يتعين على حلفاء الولايات المتحدة السابقين أن يتصرفوا كـ«حرفيين»: يتكيفوا مع الفوضى بدل محاولة إعادة بناء نظام عالمي موحد. يعني ذلك الاستثمار في تكتلات وممرات وبنى تحتية مرنة، والانخراط في جهود وساطة غير تقليدية، وبناء أنظمة إقليمية تناسب كل منطقة بدل السعي إلى قواعد عالمية واحدة. عليهم أيضًا التعامل مع الترابط بوصفه مصدر قوة وضعف في آنٍ واحد، وتنويع شراكاتهم وتقليل نقاط الضعف التي يمكن أن تستغلها القوى الكبرى. فالحرفي لا يحاول بناء عالم مثالي؛ ولكنه يتعلم كيف يعمل بذكاء داخل العالم الموجود.

قد تبدو هذه الاستراتيجيات دفاعية، لكنها ضرورية لتعزيز الأمن والقدرة الصناعية والريادة التكنولوجية وتقليل التبعية للقوى الكبرى. ويشمل ذلك تطوير بدائل محلية مفتوحة وقابلة للتكيف، بدل الارتهان لمنصات وشركات أجنبية.